قراءة سيميائية في 3 نماذج شعرية إماراتية

العبور إلى الفضاء المشترك
00:04 صباحا
قراءة 6 دقائق
حيث تشكل العلامة توجهاً نوعياً في قراءة النص/ الصورة، وهو توجه لا يلغي النظريات النقدية الحديثة الأخرى، وإنما يستفيد منها، ويتأسس إلى حد كبير انطلاقاً من منجزاتها، ولكنه يختلف عنها بكونه لا يدعي منهجاً مسبقاً وأحادياً في التعاطي مع النص، وإنما هو توجه ينطلق من الصورة، ومن ثم يحاول كشف ما يقع خلفها، والكشف عن فضائها، ومن هنا كان تحديد مفهوم العلامة ذاتها أمراً صعباً، بل وربما مستحيلاً، وربما كانت تلك الصعوبة ذاتها أمراً جيداً لعدم احتكار قراءة واحدة للنص، ولفضائه، وإفساح المجال أمام قراءات متعددة للنص، وما يحفل به من صور، حيث تشكل الآلية التي يمكن بها تتبع العلامة نوع القراءة المقترحة للصورة، وتالياً للنص .

إن تطبيق الدراسات السيميائية على النصوص هو وحده الكفيل بأن يظهر إلى أي مدى يكون تتبع العلامة مفيداً في قراءة الصورة، وإلى أي مدى تفيد هذه الدراسات النصوص نفسها، بحيث تقدم لها مقترحات جديدة في القراءة، أو تكشف عن المنابع التي تنهل منها، أو تداخل الأزمنة في النص الواحد، إذ إن العلامة من شأنها أن تقودنا إلى بعض تلك الانتماءات التي تأسست عليها الصورة، أو القضايا التي تختبىء خلف الصورة، وتدعمها فكرياً وجمالياً وفنياً، وتمدها بأسباب التأثير في المتلقي، أو تقول لنا لماذا ينتمي هذا النص إلى الحداثة؟ بينما ينتمي النص الآخر إلى الماضي، أو لماذا يبدو لنا نصاً ما من دون أية هوية، لا نشعر نحوه بأي مشاعر تحرك ذائقتنا للتفاعل معه .

وإذا ما توقفنا عند تجارب الشعر الإماراتي الحديث فهل بمقدورنا على سبيل المثال لا الحصر القول إننا انطلاقاً من تتبع العلامات داخل النصوص الشعرية الإماراتية يمكن أن نصل إلى ما تمتلكه من مشتركات؟ أم أنه من قبيل العبث التوجه نحو النصوص للبحث عما تمتلكه من مشتركات، بينما الأصل في البحث هو التنقيب عن مكامن الفرادة؟

ولكن، أليس من الطبيعي في فضاء الإبداع الإنساني أن تكون المنتجات، وبما فيها تلك التي تنتمي إلى الحقول الإبداعية، مؤسسة على جملة من المشتركات التي لا تعني انتهاك فرادة الإبداع أوالتقليل من شأنه؟

وفي سياق البحث عن المشتركات في بعض نماذج الشعر الإماراتي الحديث سنقف على تقصي العلامات في نماذج شعرية لكل من عبدالعزيز جاسم، وخالد البدور، وخلود المعلا، وذلك على الرغم من الإقرار مسبقاً بأن تجربة كل من الشعراء الثلاثة تنتمي إلى فرادتها الخاصة أولاً وأخيراً، وهو الأمر الذي يتجلى بشكل واضح في سياق البناءات اللغوية لقصائدهم .

النماذج التي سنحاول تقصي العلامات فيها هي قصيدة أوبرا المدينة في الطنجرة من ديوان افتح تابوتك وطر لعبدالعزيز جاسم، وقصيدة لا يسمعني أحد للشاعرة المعلا، وقصيدة في المقهى القديم من ديوان مطر على البحر لخالد البدور، وهذه النماذج يمتلك كل منها أكثر من سياق، إلا أن تتبع ما وراء العلامات فيها يقودنا إلى اكتشاف بعض التقاطعات بينها، وهو ما يعني بحسب الدراسات السيميائية إمكانية بناء فضاء مشترك في ما بينها، وهو فضاء لن يكون بعيداً عن مفهوم الاغتراب أو التشيؤ الذي طرحته الحداثة بقوة كمعادل موضوعي للحياة الحديثة نفسها، ولما تمتلكه هذه الحياة الحديثة من علاقات قوة تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في تقليص إنسانية الإنسان، وهو ما يجعل الفن بحسب أرنست فيشر ليس فقط مجرد ضرورة، بل أيضا ضرورة فوق اعتيادية، ليس لكونها تسهم في مساعدة الإنسان على التمسك بإنسانيته، وإنما لقدرتها على تقديم نقد فني وجمالي لعلاقات القوة السائدة .

في مقطع بعنوان دو من قصيدة أوبرا المدينة في الطنجرة يقول عبدالعزيز جاسم:

خالياً إلا من وداعٍ، تقّدمَ من نافذته

الكبيرة . أسندَ كتفهُ على قائمة المساء،

وأخذ يجولُ ببصره في مدينة لا اسم

لها ولا عنوان! هي مدينةٌ من إسمنت

وحديد، غَيْرَ أنها منفوخةٌ كلها

بالسّيليكون .

يطلُ الرجل/ الشاعر من قائمة المساء، من مشهد الوداع، يطل على المدينة، هذا ما يبدأ به جاسم المقطع الذي أعطاه اسم دو، ومن المعروف أن علامة الدو هي العلامة الأولى في السلم الموسيقي، وهي العلامة التي ينتهي بها أيضاً، أي أنها البداية والنهاية، وهكذا فإن اختيارها لهذا المشهد الوداعي هو اختيار أو مقترح من شأنه أن يقود إلى طبيعة السياق أو السياقات التي تتأسس عليها الفضاءات الدلالية أو الشعورية أو الجمالية للصور.

لكننا، ونحن نطل مع الشاعر من خلال النافذة الكبيرة على المدينة فإننا سنكتشف أن المدينة التي أراد لنا الشاعر أن نطلّ عليها هي من دون اسم أو عنوان، لكنه في الوقت ذاته يحددها بأنها مدينة من أسمنت وحديد، وهي منفوخة كلها، وهنا الانتفاخ علامة أخرى، أو أنها صورة تمثل حالة ما، أو حقيقة ما، لكنها حقيقة تنتمي إلى زمن الحداثة، زمنٌ يقوم على مفهوم الكتلة، وهو مفهوم مؤسس على القوة، إنها قوة الحديد والأسمنت، وما يقف وراءهما من علاقات إنتاج، وزمن خاص، هو زمن يستحوذ عليه التسابق على الإنتاج، إنتاج السلعة التي تستحوذ مع مرور الوقت على معنى المكان .

يعطينا جاسم عبر العلامات التي يحفل بها النص إمكانية بناء أكثر من قراءة للنص ذاته، وذلك عبر المرور من العلامة إلى الفضاء، والعبور من مشهد الوداع الخاص إلى زمن عام أشمل، ويبني بين الزمنين علاقة جدلية، ويضعنا أمام أشد الصور مأساوية، إنها صورة المدينة المنفوخة، المدينة التي تستحق عبر نسخها للتكرار والتشابه اسم مدينة بلا اسم ولا عنوان لها .

أما خلود المعلا فتتخذ من الجدار والنافذة علامتين أساسيتين في قصيدتها لا يسمعني أحد، والتي تقول فيها:

أحتاجُ الليلة إلى صوتٍ فيروزي

أسرّبهُ إلى الجدران لتتسع قليلاً

بيتي لا يشبه البيوت

نوافذي تنفتح على أرضٍ تكتظ بالتائهين

كلما هبّت نسمة كونية

هربت من ظلي

وطرت نحو أولئك المحزونين

لا يسمعني أحدٌ من هؤلاء .

ونلاحظ أن المعلا اتكأت على الصوت الفيروزي بوصفه صوتاً قد تشكلت الكثير من دلالاته في سياق مسبق عن القصيدة، وأصبحت إشاراته إلى النقاء معروفة، غير أن هذا الاتكاء لا يعدو سوى كونه مدخلاً إلى النص، وإلى الصور التي ستتشكل في ما بعد انطلاقاً من علامات محددة، ومنها كما أشرنا علامتي النافذة والجدار .

وحين يكون علينا كمتلقين أن نرى من خلال نافذة المعلا المشهد فإننا سنكون شهودا على أرضٍ تكتظ بالتائهين، وهي بذلك تكون قد انتقلت بنا من علامة إلى أخرى، العلامة الأولى ذاتية محضة، حيث المرأة أو المرء خلف الجدران، تلك الجدران التي يمكن لنا أن نتأكد من خلال ما تمثله من حصار من غياب قدرة الكائن على الفعل أو التأثير، وهو ما سيكون مؤكداً أكثر مع التائهين الذين هم من دون شك التعبير الآخر لغياب القدرة على التأثير، وهنا نستطيع أن نتخيل وندرك في الوقت ذاته السياق الذي تتأسس فيه الصور، وهو سياق زمني يحيل إلى انسحاق كل ما هو إنساني أمام طبيعة القوة التي تصنع الجدار، وتصنع من خلاله التيه الذي يضيع فيه البشر، ويبتعدون فيه عن إنسانيتهم .

أما النسمة الكونية، تلك النسمة التي تدفع بالشاعرة/المرأة/الكائن إلى الطيران نحو المحزونين فما هي إلا علامة تقود إلى تلك السلسلة من التشابهات في حياة الناس، وفي مقدمتها الشعور بالضياع، وانعدام القدرة على الفعل، والأقسى هو التشابه في غياب الأمل، وهو ما تعبر عنه المعلا من خلال قولها لا يسمعني أحد من هؤلاء .

أما قصيدة في المقهى القديم للشاعر خالد البدور فإنها وإن اتخذت من البحر علامة رئيسة إلا أنها في الوقت ذاته هي بمثابة جسر بين علامات أخرى، علامات تنتمي إلى فضاء غير فضاء الطبيعة التي كان لعلامة البحر أن تأخذنا نحوه، وهو فضاء يتأسس من حطام الروح كما في القصيدة التي يقول فيها البدور:

تساقطت الأوراق من يدي

بينما كنتُ ألتقطُ الكلمات

من الهواء

وأنا أسير نحو البحر

باحثاً عن مقهايَ القديم

جلستُ

حطام روحٍ في جسد

وأصابعي تشتعل

ساعدايَّ تسري بهما النيران

وبصري معلق في الأمواج .

البحر عند البدور علامة أولى تتمثل من خلالها الصور العديدة في القصيدة، أي أنها علامة مفتاحية لا يمكن من دونها بناء سياق دلالي للقصيدة، فالبحر هو مكان اللجوء للشاعر/ الإنسان، ذلك الذي أصبح حطام روح في جسد، وحيث البصر معلق في الأمواج، وحيث الطبيعة هي النقيض للمدينة، وهي الحالة الأكثر براءة .

وساعة الحديث عن البراءة لا يمكن لنا كمتلقين أو متتبعي علامات إلا أن نتوقف عند ذلك الباحث عن المقهى القديم، وهو كل واحد منّا، وقد جره الشاعر إلى ذاته، وإلى لحظة التأمل بما قادتنا إليه علاقات القوة من فقدان للبراءة والطفولة، أي إلى فقدان القدرة على اكتشاف الحرية .

إن النماذج الثلاثة التي تناولناها عبر ما تحيل إليه العلامات التي يحتويها كل نموذج تمكننا من افتراض القدرة على تصور وجود فضاء مشترك، هو فضاء التفاعل مع الحداثة بوصفها محوراً رئيساً تنبثق منه العلامات، وبوصفه في الوقت ذاته فضاءً زمنياً ومعرفياً مستقلاً عن الإرادة الشعرية، وعن عملية الكتابة .

غير أن العبور من المرئي إلى اللامرئي بحسب أمبرتو إيكو في تلك النماذج الثلاثة هو عبور يتخذ من المكان نقطة ارتكاز، حيث النافذة والجدار والمقهى والمدينة والأرض، وحيث التناقض على أشده بين الأسمنت والحديد في مدينة عبدالعزيز جاسم وبين المقهى القديم عند خالد البدور، ومهما كان الفضاء المشترك قابلا للتوسع عند الشعراء الثلاثة الذين تناولنا نماذجهم، إلا أن حطام الروح يبقى يشدنا لنرى كم تصبح الحاجة ملحة لصوت فيروزي كما في قصيدة لا يسمعني أحد لخلود المعلا.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"