كانت شهرزاد تنقذ عنقها من تحت السيف. كانت تصنع حياة جديدة لها مع كل حكاية تخترعها في كل ليلة لتسلي بها الملك شهريار، ولتجعله متأهباً في شغف لتكملتها في الليلة الموالية، وكان الصباح هو الأمل. هو الممثل الرمزي للحظة الحياة التي استطاعت شهرزاد أن تنتزعها من قلب الموت المتربص بها إذا هي فشلت في سرد حكاية متواصلة ومحبوكة بطريقة تصل الليل بالنهار، وتجعل الملك يؤجل قرار قتلها.
«ألف ليلة وليلة» لم تكن بأي حال من الأحوال مجرد نمط سردي قديم يعتبر من أقدم محاولات القص والحكاية، لكنها بالدرجة الأولى كانت محاولة لتجسيد فكرة مفادها أن الشغف يعادل الحياة أحياناً.
بدأت قصة الليالي الألف حين قرر الملك شهريار، عندما اكتشف أن زوجة أخيه كانت خائنة وقد صُدم لذلك الأمر، وما زاد ذلك اكتشافه خيانة زوجته أيضاً، وعندها تضاعف الإحساس بالصدمة والغدر، فقرر أن يعدم زوجته، ولم يكتف بذلك بل قرر أيضاً أن لا يأمن لامرأة أخرى بعد ذلك، وأن يتزوج في كل ليلة ليقتل زوجته عند الصباح مخافة أن تخونه.
بعد فترة من زواج الملك بتلك الطريقة المتسلسلة ومن العذارى تحديداً، لم يعد وزير الملك المكلف بإحضار زوجة في كل ليلة يجد فتاة عذراء، وعندها، كما تقول الحكاية المتداولة، عرضت ابنته شهرزاد نفسها لتكون عروساً للملك، فوافق أبوها الوزير على مضض، وفي ليلة الزواج بدأت شهرزاد تمارس لعبتها المسلية، وبدأت حكاياتها التي كانت لا تنتهي إطلاقاً، وعندما كان الديك يصيح معلناً دخول الصباح، تكون شهرزاد قد استطاعت أن توقف الحكاية عند نقطة مفصلية تجبر الملك على أن ينتظر الليلة الموالية ليسمع بقيتها.
هنا تبرز أسئلة عديدة وربما تناولتها الدراسات التي اهتمت بتشريح البنية السردية لألف ليلة وليلة، والدوافع التي حركت شهرزاد لفعل ما فعلته: ما الذي جعل شهرزاد تقترح نفسها عروساً للملك، وهي تعلم أن السيف سيكون على مفرق عنقها عند الصباح، وأن مصيرها لن يختلف عن مصير من سبقنها؟ هل هي استجابة منها لكي تنقذ والدها الوزير من الحرج أمام الملك وتنقذ بالتالي منصبه؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك، وهو محاولة منها لإنقاذ النساء من سلسلة القتل الملكية تلك؟ وبالتعبير الدارج المعاصر؛ هل يمكن القول إن شهرزاد كانت أول مناضلة نسوية تضحي حتى بحياتها، وتدخل دائرة الخطر بكل إرادتها انتصاراً لقضية المرأة؟ أم أن تلك الراوية المدهشة التي مازالت تثير الشغف حتى الآن لدى كل قرائها، أرادت تجربة مسألة أخرى مرتبطة بإمكانيات السرد نفسه، وأن تختبر إشكاليه مفادها: هل يستطيع أي سرد أن يملأ النفس بالشغف والدهشة والانبهار، لدرجة أن يؤخر قراراً معداً سلفاً وصادراً من نفس غاضبة من جراء الخيانة، ومستعدة لتنفيذ انتقامها الخاص؟
الواقع أن كتاب ألف ليلة وليلة مازال يطرح حتى الآن أسئلة عديدة من قبيل تلك التي أشرنا إليها، ويتعداها ليطرح أسئلة أخرى على مستوى بنية الحكايات التي تضمنها، وعلى مستوى قدرة شهرزاد على رسم شخصياتها بكل ذلك الإتقان، وعلى مستوى استخدامها تقنية الراوي، وكيف أنها تنوع فيها، فتارة تظهر هي كأنها الراوي، وطوراً تحيل الرواية إلى إحدى الشخصيات، فينسى القارئ تماماً أنها هي أصل الحكاية.
وطبعاً ثمة أسئلة عن التاريخ، وعن الجغرافيا، وعن أصل الحكاية وأصل الكتاب كله، لكن كل تلك الأسئلة، حتى برغم اختلافات إجاباتها في كل الدراسات التي أنجزت حتى الآن على الكتاب، إلا أنها لن تمنع أي قارئ منصف من أن يقول في نهاية قراءته حكايات الليالي الألف: لقد أجادت شهرزاد.
محمدو لحبيب