لماذا يخشى الله من عباده العلماء؟

05:58 صباحا
قراءة 3 دقائق
بقلم د. أحمد فؤاد باشا*
أودع الله- سبحانه وتعالى- في الإنسان فطرة نقية كريمة، وزوده بملكات ووسائل إدراكية صالحة، يستطيع بها معرفة الحقائق الكبرى في هذا الوجود، فالفطرة الإنسانية المؤمنة تتوجه إلى الكون لتكشف ما فيه من قصد وإبداع، وتنتهي إلى إدراك مكانها من هذا الوجود وتحديد كيفية سلوكها فيه. والعلم النافع الذي يحصله الإنسان، من شأنه أن يؤتي ثماره في ترسيخ العقيدة الإسلامية وتعميق الإيمان بالله على هدىً وبصيرة.
فالإيمان حاجة فطرية، فضلاً عن أنه حاجة عقلية، لا يملك الإنسان أن يستغني عنها، لأنها مركوزة في كينونته وهو مفطور عليها، وفي آية الميثاق ما يشير إلى هذه الحقيقة، حيث يقول الله تعالى: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين».
والكون كله مفطور على الإيمان بالله رب العالمين: «تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً»، والقلوب المؤمنة هي وحدها التي تستشعر هذه الحقيقة عن الكون وتحسها، فهو يشاركها إيمانها وتسبيحها وصلاتها وحمدها للخالق الواحد- جل وعلا- الذي يحكم بإرادته ومشيئته حركة الوجود كله.
وإذا كانت وثبات التقدم العلمي والتقني قد تحققت من خلال البحث في ظواهر الكون والحياة، فمن العجب أن يتوقف الغافلون عند حد الدراسة «الآلية» لهذه الظواهر، ولا يعبرونها إلى اكتشاف خفايا النواميس الإلهية وإدراك الحكمة البالغة في دقيق صنع الله. ومن لم يرَ من السماء إلا زرقتها ومن الأرض إلا غبرتها فهو مشارك للبهائم في ذلك وأدنى حالاً منها وأشد غفلة كما قال تعالى: «... لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون».
والباحث في العلوم عامة والعلوم الكونية بخاصة يظل مجرد مشتغل بالبحث العلمي ولا يرقى إلى مرتبة «العالم» إلا إذا تحقق فيه قول الله عز وجل: «... إنما يخشى الله من عباده العلماء..» وعندئذ فقط تكون لغته الإيمانية موافقة لمقولاته العلمية التي يستقرِئها من لغة الكون وإشاراته باعتباره كتاب معرفة لأصحاب العقول التامة والقلوب الموصولة بربها.
وعلى سبيل المثال، يقول المشتغلون بالعلم: إن أربعة أخماس السطح المنحني للكرة الأرضية التي نعيش عليها مغمور بالماء، والجاذبية الأرضية هي التي تحفظ استقرار هذا الماء في الأرض بحيث لا ينسكب في الفضاء الكوني، لكن العالم المؤمن الموصول بخالقه لا يقف عند هذا التفسير المحدود بحدود العلم البشري، بل إنه يلجأ إلى التحقق بالرؤية القرآنية المتجاوبة مع فطرة الخلق، ويهتدي ببصيرته إلى مسبب الأسباب الذي أسكن الماء في الأرض وكف أمواجه عن الانسكاب في الفضاء، مصداقاً لقوله تعالى: «وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون».

عندما نتأمل الدورة التي تسلكها المياه بين الأحياء نجد في تكرارها وتجددها ما هو جدير بالنظر والاعتبار فنحن نشرب، ودوابنا وزروعنا تشرب، من مياه الأنهار والينابيع التي هطلت من السحب المتكومة من بخار الماء المتصاعد من البحار والمحيطات.
وإذا تحدثنا عن الكواكب والنجوم والمجرات، نجد أن المشتغلين بالعلوم الرياضية والفيزياء والفلك يتيهون صلفاً وغروراً بما توصلوا إليه من اكتشاف نوع من القوى المجالية التي تعمل وفق قانون محدد على حفظ الاتزان الكوني والإمساك بالأجرام السماوية في أفلاك ثابتة، ودخلت لغة العلم الحديث ومصطلحات من قبيل: الجاذبية، والقوة الطاردة المركزية وغيرهما. أما أولو الألباب الموصولون بكتاب الإسلام الخالد فإنهم يرون أبعد من هذا بكثير عندما يقرؤون بلغة الإيمان في إخبات وخشوع قوله تعالى: «الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون» وقوله جل شأنه: «إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً».
وهكذا نجد إسلام القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة يمنح أتباعه رؤية شاملة ومنهجاً متكاملاً لا يفصل بين المادة وما وراءها، أو بين العلوم الجزئية وغاياتها الكلية، فهو يؤسس عقيدة التوحيد الخالص من خلال عرضه لمشاهد الكون وحقائقه، بعيداً عن أوهام الفلسفات الوضعية والإلحادية التي تحجب عن أنصارها نور العلم والإيمان.

*النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"