محاسبة النفس . . حصانة من اقتراف الذنوب

أخلاق القرآن
02:08 صباحا
قراءة 6 دقائق
رسم القرآن الكريم للمسلم صورة أخلاقية وسلوكية مثالية، وبنى شخصيته على قيم وأخلاقيات رفيعة، حتى يحظى برضا خالقه، وثقة كل المتعاملين معه، فتستقيم حياته، ويؤدي رسالته، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعاً عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسداً صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه "وإنك لعلى خلق عظيم" .
غرس القرآن الكريم في نفس المسلم فضيلة "محاسبة النفس" ليراجع نفسه دائماً، ويتخلص من ذنوبه وآثامه، ويرد الحقوق إلى أصحابها، ويطهر ذمته من المظالم، فيعيش حياته سعيداً حريصاً على طاعة خالقه يرجو رحمته ويخاف عقابه، فالإنسان الذي يحاسب نفسه أولاً بأول تقل أخطاؤه، وتندر عثراته، ومن حاسب نفسه قبل أن يحاسب ووزن أعماله قبل أن توزن عليه كان من الرابحين، ومن استولت عليه الغفلة، وعدم المحاسبة تمادى في الأخطاء، واصطدم بالعثرات فكان من الخاسرين .
ومحاسبة الإنسان نفسه تنبع من داخله، من إيمانه الصادق وعقيدته الراسخة، التي تجعله موقناً بلا أدنى شك أن أمامه حساباً في الآخرة، وأن أمامه كتاباً يلقاه منشوراً بعد أن قال له الحق سبحانه في كتابه الحكيم: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" .
ولذلك، فالإنسان السوي هو الذي يراجع نفسه ويحاسبها أولاً بأول، وهنا يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم" .

تلازم الإيمان والأخلاق

العالم الأزهري د .علي السبكي، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالأزهر يؤكد أن هناك علاقة تلازمية بين الإيمان والتربية الأخلاقية، فالإيمان الصحيح يترك أثره المحمود في سلوك الإنسان، ويرتقي به ويضبطه بالضوابط الأخلاقية، ويحميه من كل وسائل الإسفاف السلوكي، ويدفعه دائماً إلى محاسبة نفسه، ولذلك يعيش المسلم الملتزم بتعاليم دينه المتخلق بأخلاق القرآن حالة من الالتزام الأخلاقي والمراقبة الذاتية لسلوكه، والخشية من الله عز وجل في كل ما يفعله، ولذلك نجد هذا الإنسان يؤدي واجباته الدينية كما ينبغي، ويؤدي واجباته الحياتية على الوجه الذي يرضي الله عز وجل ويراقب الله في كل أمر من أمور حياته العامة والخاصة، فلا يظلم، ولا يسرق، ولا يطلق لسانه لإيذاء الآخرين، ولا يتعالى عليهم ويتكبر ويتجبر ويتحول إلى "بلطجي" يأخذ حقه بيده ويؤذي كل خلق الله كما نرى الآن في سلوكيات بعضهم في بلادنا العربية والإسلامية .

التوبة النصوح

وكل مسلم يراجع نفسه بصدق وإخلاص يضع أقدامه دائماً على طريق التوبة، فهو لشدة حرصه على حسن علاقته بخالقه ثم علاقته بالناس لا يستهين بالذنوب والآثام ويسارع بالتخلص من كل ذنب ارتكبه بالتوبة، سواء أكان الذنب صغيراً أم كبيراً، خاصة أن الشيطان يتلاعب دائماً بالإنسان ويزين له المعاصي والذنوب .
والتوبة كما يقول د .سعد الهلالي، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر هي الرجوع إلى الله يقال: تاب الإنسان إلى الله تعالى، أي رجع إليه سبحانه بعد أن انحرف عن طريقه المستقيم . ولا تكون التوبة إلا من ذنب، ولذلك يشترط لصحة التوبة الاعتراف أولاً بالذنب، ثم الإقلاع عنه، والندم على فعله، والاستغفار منه، والعزم على ألا يعود إليه أبداً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً . والتوبة عن المعاصي والذنوب واجبة في كل الأحوال لعموم قوله تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" . وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه" .
والتوبة النصوح هي التي تطهر صاحبها مستقبلاً من أن يعود إلى الذنب الذي وقع فيه، وهذا لا يكون إلا بالصدق مع النفس . أما إن عاد إلى مثل الذنب الذي تاب عنه فإنه يتأكد عليه الوجوب أن يتوب مرة أخرى . وليعلم أن توبته الأولى لم تكن نصوحاً بل كانت توبة مريضة تحتاج إلى توبة أخرى أقوى . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التوبة من الذنب: الندم والاستغفار" . وقال الحسن البصري، رحمه الله: "التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته . وتستغفر منه إذا ذكرته" .
وهنا يتضح لنا أن القرآن الكريم يفتح لكل إنسان عاص أو مذنب كل طرق التوبة ليتخلص من ذنوبه وآثامه، فالإنسان العاصي أو المذنب فتح الله له أبواب الأمل عن طريق التوبة، ولا ينبغي أن يتباطأ أبداً في التخلص من ذنوبه وآثامه، فالله سبحانه وتعالى يقول: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" .
ومن رحمة الله بعباده أنه أخبرهم في قرآنه أن من طبيعة الإنسان الخطأ واقتراف الذنوب بسبب إغواء الشياطين له، ونقل لنا قصة أبينا آدم الذي أغواه الشيطان ودفعه إلى مخالفة أمر ربه وارتكاب المعصية، وكيف تاب وغفر الله له، يقول الحق سبحانه: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم"، كما قال سبحانه: "وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" .

حقيقتان قرآنيتان

ويعلمنا القرآن حقيقتين مهمتين، أولاهما: أن الإنسان ليس معصوماً من الخطأ، فهو ليس من الملائكة الذين قال الله فيهم: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"، كما أنه ليس حيواناً لا يعقل ولا يسأل عما يفعل، بل هو كائن عاقل متوسط بين هذين الصنفين، ومسؤول عن كل ما يصدر عنه، وليس عيباً أن يخطئ الإنسان ولكن العيب ألا يراجع نفسه، وأن يصر على الخطأ، ويستمر على المعصية، ويكابر ويعاند .
والحقيقة الثانية، التي يعلمنا القرآن الكريم إياها من خلال العديد من الآيات القرآنية الكريمة: أن الله فتح أمام الإنسان باب التوبة إذا أخطأ ليعود إلى رشده ويتوب إلى ربه . فالله تبارك وتعالى يوجه نداءً واضحاً إلى كل عباده الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والآثام، ويدعوهم إلى الإسراع بالتوبة: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم"، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" .
فالمسلم الحق كما يقول د . السبكي ضميره يقظ حتى ولو أغواه الشيطان، ودفعه إلى ارتكاب بعض المعاصي، ولذلك فإن ضميره الديني ورصيده الأخلاقي يدفعانه دائما إلى مراجعة النفس، والإسراع إلى التوبة، ومن يكابر ويعاند ويصر على معاصيه فهو إنسان قاسي القلب ميت الضمير، أفسدت المعاصي والذنوب المتراكمة داخله عقله وقلبه وضميره .
ولكن لأن الله رحيم بعباده لا يرد أحداً يلجأ إليه مهما اقترف من ذنوب وأسرف على نفسه بالأخطاء، طالما أن توبته صادقة، وأوبته إلى ربه مخلصة، فباب الأمل في عفو الله ورحمته عن هؤلاء العصاة مفتوح دائماً .
والله سبحانه "يحب التوابين ويحب المتطهرين" . وهذا التعبير القرآني يجب أن يتأمله كل مذنب أو عاص ويفكر فيه بوعي .
فالله سبحانه إذ يفتح له ولأمثاله باب رحمته فإنه يعلن في الوقت نفسه أن التائبين جديرون بحب الله لهم . فالله يحب التائبين ويفرح بتوبتهم، لأنهم لم يستمروا في غيهم، ولم يستمرئوا الابتعاد عن ربهم، بل راجعوا أنفسهم، وعادوا إلى ربهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ومن أجل ذلك يحبهم الله ويشملهم برحمته ورضوانه .

مسؤولية العلماء والدعاة

والتوبة إلى الله كما يوضح د . الهلالي ليس لها وقت محدد لكنها مطلوبة بعد كل ذنب، ومن رحمة الله عز وجل بالمسلم العاصي أنه يشعر دائماً بتأنيب الضمير، حتى لو تمكن منه الشيطان ويظل شاعراً بالذنب حتى يجد من يساعده على التوبة، وهذه مسؤولية العلماء والدعاة الذين يجب أن ييسروا للناس طريق التوبة ويزرعوا في نفوسهم الأمل .
والتوبة الصادقة أو الخالصة لوجه الله حدد لها العلماء ثلاثة شروط، هي:
- الإقلاع عن الذنب .
- الندم على ما ارتكب من ذنوب ومعاصٍ .
- العزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب مرة أخرى .
وإذا كان أمر الذنب أو المعصية يتعلق بحق من حقوق العباد كاغتصاب مال أو سرقة شركة أو نهب مال عام فتتوقف التوبة على رد المسروق إلى صاحبه أو طلب السماح منه . وقد أكد العلماء أن التوبة لا تقبل من الإنسان العاصي إلا إذا كانت خالصة لوجه الله، صادرة من أعماق القلب، حيث لا يكفي اللسان للتلفظ بكلمات التوبة .
والتوبة الصادقة مثل الحج المبرور من علاماتها أن يستقيم سلوك الإنسان بعدها، فالذي يسرق ويتوب يكون إن كانت توبته صادقة أبعد الناس عن المال الحرام، والذي يزني ويتوب يكون أكثر حرصاً على أعراض الناس وتجنباً للوقوع في براثن الرذيلة، وهكذا .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"