محمد القصبجي عبقرية أشعلتها وأطفأتها أم كلثوم

قدم لها أجمل الألحان طيلة عقدين
05:45 صباحا
قراءة 4 دقائق

في شهر مارس/آذار من العام ،1966 كانت أم كلثوم وملحنها المفضل رياض السنباطي يجريان التمارين الموسيقية والغنائية على رائعة الدكتور إبراهيم ناجي ورائعتهما: الأطلال . وكانت المقدمة الرائعة للقصيدة، تتضمن عزفاً منفرداً على آلة العود، كان يتدرب عليه مع الفرقة الموسيقية عبقري هذه الآلة محمد القصبجي، وما إن حل اليوم الخامس والعشرون من الشهر حتى فوجئ الجميع برحيل محمد القصبجي عن أربعة وسبعين عاماً .

لما صعدت أم كلثوم إلى المسرح في أول خميس من إبريل/نيسان ،1966 كان الموسيقار رياض السنباطي قد حول عزف العود المنفرد في مقدمة الأغنية، بعد رحيل القصبجي المفاجئ، إلى عزف منفرد لآلة القانون، قام به عبقري الآلة محمد عبده صالح . وهكذا، تحققت أمنية محمد القصبجي، التي طالما أسر بها لصديقه المؤرخ محمود كامل: أمنيتي في الحياة أن أموت وأنا أعزف العود وراء أم كلثوم .

لهذه النهاية الدرامية، بداية توازيها في درامية تلاقي الأقدار بين البشر، فالموسيقار محمد القصبجي ولد في العام ،1892 وهو العام نفسه الذي ولد فيه سيد درويش . غير أنه عندما رحل سيد درويش عن الدنيا في العام ،1923 بعد أن ملأ الأسماع بثورته الموسيقية وبعد أن أسس مدرسة القرن العشرين في الموسيقى العربية المعاصرة، لم تكن أي من ملامح العبقرية الموسيقية قد ظهرت على محمد القصبجي، الذي كان حتى ذلك الوقت يكتفي بألحان عادية جداً لمنيرة المهدية وفتحية أحمد وسواهما .

غير أن الأقدار شاءت أن يحدث شيء ما في عام رحيل سيد درويش عن الدنيا، حيث انتقلت من الريف إلى القاهرة مؤدية الإنشاد الديني أم كلثوم، وبدأت تمارس أربع سنوات من التدريب على يدي الشيخ أبو العلا محمد، الذي نقلها إلى الغناء الدنيوي، ولكن من خلال غناء القصائد فقط (مثل أراك عصي الدمع .

ولما رحل أبو العلا محمد في العام ،1927 كان نجم أم كلثوم بدأ في الصعود كصوت جديد يتفوق على صوتي منيرة المهدية وفتحية أحمد، لكنها كانت بانتظار من يتولى التلحين لها بعد رحيل أستاذها الأول، ومن يتولى قيادة فرقتها الموسيقية .

لقد أثبت تاريخ الموسيقى العربية، بالذات بين عقدي العشرينات والأربعينات من القرن العشرين، أن محمد القصبجي كانت تضج أعماله بعبقرية موسيقية تجديدية لا مثيل لها، لكنه بقي ينتظر ظهور صوت استثنائي، ليعبر من خلاله عما في خياله من تجديد موسيقي، وكان ذلك صوت أم كلثوم .

يقول تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة بعد ذلك، إن ألحان محمد القصبجي التجديدية، هي التي رسمت الملامح الرئيسة في شخصية صوت أم كلثوم، إلى جانب ملامح تقليدية في صوتها، كانت تظهر في ألحان الشيخ زكريا أحمد .

حتى مطلع عقد الأربعينات، يمكن القول إن محمد القصبجي ظل يمارس دوره كاستاذ أول لأم كلثوم، هو الملحن الرئيس لأغنياتها، وهو قائد فرقتها الموسيقية، وهو الذي يختار لها الألحان من سواه من الملحنين، بما في ذلك ألحان رياض السنباطي، عندما ظهر في حياة أم كلثوم في منتصف عقد الثلاثينات .

يمكن القول إن محمد القصبجي أصبح منذ لقائه بأم كلثوم يعتمد على صوتها وحده لإطلاق سيل هادر من تجديداته الموسيقية، التي كان أهمها ابتكاره لشكل المونولوج، في أغنيتها الشهيرة إن كنت أسامح وأنسى الأسية، ثم في مونولوجات كثيرة بعد ذلك أشهرها: طالت ليالي البعاد، فين العيون، ياما ناديت من أسايا، وأخرها رق الحبيب .

عقدان من الزمن مرا والقصبجي يمارس دور الأستاذ والمعلم، مع تلميذته العبقرية أم كلثوم .

غير أن مزاج أم كلثوم الذي كان يميل أكثر إلى الأساليب التقليدية في الغناء، المشابهة للإنشاد الديني، كما كان يزودها بها زكريا أحمد (وبعد ذلك السنباطي)، أخذت تتمرد على أستاذها القصبجي، بعد أن تربعت (مع عبد الوهاب) على عرش الغناء العربي، سيدة له لا منافس لها .

مع ظهور بوادر تمرد أم كلثوم على محمد القصبجي، أصبح هذا الأخير يميل إلى التلحين لأصوات مثل أسمهان وليلى مراد، ونور الهدى، ما أثار غيظ أم كلثوم، التي كانت تريد الاستئثار به، رغم الاختلاف في أذواقهما الموسيقية .

إلى أن جاء دور فيلم عايدة فلحن لها كل من القصبجي والسنباطي مقطعين يميلان كثيراً إلى فن الأوبرا الأوروبية . وفشل الفيلم جماهيرياً، فما كان من أم كلثوم إلا أن اعتبرت القصبجي المسؤول الوحيد عن فشل الفيلم . وفي خضم نزاع حاد نشب بينهما على إثر ذلك، لم يضع القصبجي لأم كلثوم سوى ألحان قليلة: ما دام تحب، ولحنين في فيلم فاطمة في العام 1947 .

بعد ذلك، طبقت أم كلثوم على أستاذها محمد القصبجي عقوبة عمره، فحولته إلى مجرد عازف للعود في فرقتها الموسيقية، حتى رحيله مع التدريبات الموسيقية على لحن الأطلال لرياض السنباطي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"