إعداد: محمد فتحي
تنجذب أغلبية الناس إلى المنتجات الأصلية وتلقى قبولاً واستحساناً بين جموع المستهلكين في جميع أنحاء العالم، لما لها من بريق وجودة وتصميم أنيق يضفي البهجة والسعادة على من يقتنيها ويحظى بها طول الحياة كدليل على الرفاهية والثراء، والحقيقة أن تلك المنتجات كذلك بسبب المواد الطبيعية المصنعة منها، فعلى سبيل المثال لا تتساوى الحقائب الجلدية العادية مع مثيلاتها المصنوعة من جلود التماسيح، ولا تقارن الإكسسوارات النحاسية أو الحديدة المطلية مع المجوهرات والأحجار الكريمة ومهما تم إتقان الكريستال وشدة لمعانه لن يستطيع أن يكون ألماسة نادرة، ولكن لا يستسلم العلماء عادة ولا يقفون على تلك الحقائق ويستسلمون للأمر الواقع، فعلى الرغم من طبيعة وتصميم المنتجات الراقية فإن لهم أساليبهم الملتوية التي يصنعون من أقل المواد جودة أعلى المنتجات قيمة عن طريق إكسابها خصائص كيميائية ترقى بها وبقيمتها لتضاهي نظيرتها الأصلية وبأعلى جودة ممكنة .
فالحقيقة التي فرضها العلماء في عصرنا الصناعي أن كل ما هو طبيعي ليس بالضرورة هو الأجود والأفضل، ويصف العالم باول تشيريك من جامعة "برنستون" مشروعه الجديد "الكيمياء الحديثة" وفريق من تلامذته بأنه سيمثل ثورة صناعية جديدة لن تعترف بقيمة المواد الطبيعية، وستكون الأجدر والأقوى هي المواد الأكثر مرونة وقابلية للتطوير من غيرها، ويهدف المشروع إلى ابتكار وصناعة المعادن الرخيصة والوفيرة مثل الحديد و"الكوبالت" وإكسابها خصائص أكثر المعادن تكلفة وندرة مثل البلاتين، فخصائص البلاتين تجعله عنصراً أساسياً من المعادن الحافزة والذي يسرع من التفاعلات المطلوبة لصناعة عدد من الأنشطة الأساسية مثل زيوت الخضروات والجازولين وغيرها، كما تستخدم داخل المحولات الحفازة، وهي أجهزة تحول وتكسر العناصر الكربونية الناتجة من محركات السيارات إلى مواد أولية أقل ضرراً بالبيئة . ويقوم فريق تشيريك بمحاولة إكساب الحديد نفس تلك الخصائص الطبيعية للبلاتين عن طريق تثبيت عناصر الكربون عليه، وسيكون بمثابة تشكيل جديد في طبيعة العناصر نفسهاً بالتدخل المباشر في ذرات الحديد لتتداخل بالإلكترونات المحاطة بالحديد، وهو ما سوف يغير من خصائص المعدن كلياً، ويقول تشيريك، إن النتيجة ستصبح إنتاج "معدن متحول" تفوق قدراته البلاتين كأحد أهم العناصر المحفزة على الإطلاق، ويضيف بأنه سيكون الأنظف والأسرع من نوعه في التفاعلات الكيميائية بأنواعها، ومعدن لم يتم تصنيعه بمواد أخرى .
برزت دراسة أخرى تهتم أكثر بإعادة إنتاج المعادن الطبيعية، ويقول دايفيد هارويل مساعد مدير إدارة التطوير الوظيفي والتنمية في الجمعية الكيميائية الأمريكية، إن المجال واسع جداً لأنه يوجد عدد هائل من فضلات المعادن التي يمكن محاكاتها وصناعتها بشكل دقيق وبنفس المواصفات والخصائص الكيميائية . فعلى سبيل المثال يقول هارويل، إن "عرق اللؤلؤ"، أحد الأحجار الكريمة والذي تنتجه الرخويات لا يتسم فقط بالجمال، ولكنه قوي وصلب للغاية، ففي الطبيعة تعمل الكائنات الرخوية والحلزون على إنتاجه عن طريق سحب الإنزيمات للجزيئات معاً في تنظيم بديع لتحاك بشكل جمالي في عدة أشكال متألقة، ويضيف بأنه من الناحية النظرية يمكن حتى الآن تكوينه بشكل مطابق داخل أحد الأوعية الكيميائية بواسطة تفاعلات ومحفزات عدة . ومن هنا يكون هارويل بإمكانه تصنيع لؤلؤ يضاهي الحقيقي من نفس مكوناته بأسلوب قليل التكلفة يهدف إلى إنتاج وفير للعديد من الأحجار الكريمة الأخرى، كما أنها تفوق مثيلاتها الطبيعية صلابة . على الجانب الآخر تواجه تلك الأفكار بعض الانتقادات الأخرى بعدم المساس بالمنتجات الطبيعية وإنتاج مثيلات لها، حيث إنه من شأنه إرباك المستهلكين لها وفتح أبواب للنصب عليهم، إضافة إلى حتمية وجود ما يفرق المصنع بالطرق الحديثة من الطبيعي بشكل سيضاعف من قيمة الأخير على حساب المصنع ليصل إلى أضعاف ما عليه الآن، وهو مالا يخدم أهداف تلك الصناعات المبتكرة . ويشير المتخصصون إلى أن إنتاج اللؤلؤ أو حتى الألماس بطريقة أو بأخرى غير مقنع بالمرة لأن الإنسان قد فشل في عدة تجارب تضاهي ما تنتجه الطبيعة بسهولة، كما أنها تحتاج في البداية لتكنولوجيا متقدمة للغاية وباهظة الثمن، وإن حدث فلن يكون مطابقاً له 100% لأن بصمة الطبيعة لا يمكن أن يقلدها أحد، ولكن تلك الأنشطة سوف تذهب بريق المنتجات الأصلية ويجعل من الصعب الحصول عليها ولن يكون اسمها المعادن النفيسة أو الأحجار الكريمة ولكن ستكون المنتجات الطبيعية وأخرى مقلدة تضاهي جمالها .
لم يكن ذلك حلم هارويل وحده، ولكنه مطلب سعى وراءه الكثيرون مثل العالم ماركوس بويهلر أستاذ الكيمياء بمعهد ماساتشوستس الأمريكي للتقنية بولاية كامبريدج وفريقه العلمي الذين يحاولون صنع الكثير من المواد وإكسابها أكثر العناصر تأثيراً في الطبيعة من حولنا وإمدادها كمكون أساسي في المنتجات التجارية، ويقول بويهلر، إنه وفريقه ينظرون إلى مواد طبيعية خالصة وحيوية مثل العظام والبروتينات ومواد الإيلاستين في الجلد والحرير الذي ينتجه العنكبوت والشرانق، ويضيف أن كل تلك المواد لها العديد من الخصائص الجيدة التي لو تم استثمارها في المنتجات التجارية لأكسبتها أضعاف فعاليتها الحالية . فعلى سبيل المثال فقوة العظام وصلابتها وأسلوب تكوينها الداخلي من الألياف والأنسجة، يمكن محاكاته في بناء الهياكل المختلفة لتتمتع بقدر صلابتها، ويشير بويهلر هنا إلى أن إمكانية فعل ذلك بواسطة عدد من التفاعلات الكيميائية في ظروف معينة داخل محفزات بواسطة بعض المواد الصناعية كالبوليستر والسيليكون وغيرها . وكخطوة على طريق الأبحاث خطط فريق بويهلر القيام بتحليل هياكل المواد للحصول على فكرة أفضل لكيفية قيامها بوظائفها عن طريق عمل محاكاة لكيمياء وحركة الذرات داخل الجزيئات بالحاسب الآلي ومحاولة إنتاج مواد مشابهة تؤدي تلك المواصفات نفسها لتنعكس على طبيعتها وحركتها وتفاعلاتها الكيميائية . وبالفعل فقد أنتج الفريق نسخته الخاصة من عدد من المعادن المصنعة من مواد أخرى بالطابعة ثلاثية الأبعاد للحصول على التشكيل وطريقة التكوين لتكون قاعدة يبنى عليها تكوين المعدن الأصلي نفسه بعدده الذري الصحيح .
لإعادة تكوين عظام بشرية استخدم الفريق بوليمر صناعياً ناعماً وآخر خشناً، وتمت طباعتها بتكنولوجيا ثلاثية الأبعاد لتكون مطابقة للتكوين الداخل للعظام في أجسادنا، ويقول بويهلر، إنهم استعانوا بطابعة متطورة أتاحت لهم التحكم في طباعة الأجزاء الداخلية بأبعاد الميكرومتر، ويضيف أنها تقنية مختلفة كلياً عن مثيلاتها المستخدمة في الطبيعة ولكنها استطاعت تجسيد ملامح العظام البالغة الدقة . ولا تزال التكنولوجيا التي اعتمد عليها بويهلر جديدة كلياً ولم يتم استخدامها حتى الآن في المجال التجاري وتصنيع المنتجات، ويقول في هذا الصدد هارويل الذي يهدف لتصنيع اللؤلؤ الطبيعي، إن العديد من تلك التجارب تقام بشكل أكاديمي داخل معامل الجامعات والمعاهد البحثية، لذا لا ترى النور في مشروعات استثمارية، ولابد من إيجاد طريقة للترويج لها بدلاً من النشر في المجلات العلمية لكي ترى النور، ويضيف أن العائق الوحيد وقوف أصحاب المنتجات الأصلية في وجه تلك الاكتشافات العلمية، وهي من ستجذب أصحاب الصناعات البسيطة ليحققوا منها الثراء ولكنهم لن يستطيعوا بسبب تكاليفها الباهظة في البداية .
يقول بويهلر، إن الكيميائيين يمكنهم إيجاد مراحل بدء صناعية بسيطة لانطلاق أحلامهم، ولابد للاتجاه للشركات الصغيرة التي تسعى للانفتاح بمعاونة العلماء لتقليل تكاليف مراحل إنتاجهم الأولية . ويشير هنا فاكوندو فيرنانديز المحل الكيميائي بمعهد جورجيا الأمريكي للتكنولوجيا إلى أنه ليس من الصواب الاتجاه المباشر للمجال الصناعي بغير دراسات مكتملة الأركان تحظى بثقة الأوساط العلمية لتكون واضحة غير مشكوك في مصداقيتها، فهناك عدد من الصناعات فشلت بالفعل وكثير من الخريجين انطلقوا في الشركات والمصانع ورجعوا بعد ذلك ليدرسوا مرة ثانية بعد إحساسهم بنقص في الكفاءة وبذلك ألمح فيرنانديز مع عدد من العلماء الذين يوافقونه الرأي على أن مضاهاة منتجات الطبيعة وإنتاجها لمكونات بنفس الخصائص أمر ضخم من حيث المبدأ يستلزم جهد ربما يمتد إلى عشرات السنوات ولن يتم إلا باستخدام ومعاونة عناصر الطبيعة أيضاً .
مركبات كيميائية تكسب المواد مواصفات قياسية
يستخدمها العلماء بذكاء لتصنيع المنتجات المقلدة
4 ديسمبر 2013
01:58 صباحا
قراءة
5
دقائق