مركز ثقافة اللؤلؤ صياغة بانورامية لـ "ذاكرة الغوص"

يضم متحفاً متخصصاً هو الثاني من نوعه في العالم
13:25 مساء
قراءة 6 دقائق

يعيد مركز ثقافة اللؤلؤ في رأس الخيمة صياغة وبناء ذاكرة الغوص بحثا عن اللؤلؤ في الإمارات ومنطقة الخليج العربي، بصفته مهنة وتقليداً وتراثاً، مارسه الآباء والأجداد على مدى حقبة زمنية طويلة، كمصدر للرزق وباعث للحياة على ساحل الخليج العربي، في صورة عكست جوانب مهمة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في دول المنطقة في الماضي، قبل ظهور الذهب الأسود .

المركز يقع على كورنيش القواسم، في القلب النابض لمدينة رأس الخيمة، ويطل بشكل مباشر على خور رأس الخيمة، الشريان الحيوي في الإمارة، ويضم متحفا للؤلؤ، هو المتحف الثاني من نوعه في العالم (الآخر موجود في اليابان)، وتعمل فيه عدد من المرشدات السياحيات المواطنات، يتولين التعريف بمحتوياته، وبتاريخ الغوص بحثا عن اللؤلؤ في الإمارات وبقية دول الخليج العربي .

المركز المتخصص بكل ما يتعلق باللؤلؤ، وتاريخ البحث عنه والغوص من أجله واستزراعه وإنتاجه وأبعاده العلمية، يعود إلى لآلىء رأس الخيمة القابضة المحدودة، وهي ثمرة شراكة بين عائلة السويدي الإماراتية، من أبناء منطقة الرمس الساحلية في رأس الخيمة، التي أطلق أبناؤها ونفذوا فكرة مشروع استزراع اللؤلؤ في ساحل الرمس، وحكومة رأس الخيمة وطرف ياباني، بالتعاون مع خبراء يابانيين، وهي المنتج الأول والوحيد للؤلؤ المستزرع في الدولة والمنطقة حتى كتابة هذه السطور .

محاكاة الماضي

يقدم متحف لآلىء رأس الخيمة، المتخصص بالكامل باللؤلؤ وكل ما يتصل به، رؤية بانورامية لسيرة الغوص وتاريخه في الإمارات والمنطقة والعالم، تحاكي قصة الغوص القديمة، بدءاً من الأدوات المستخدمة في رحلات الغوص بحثا عن اللؤلؤ، مثل (الديين)، وهي سلة يدخل القطن في مكوناتها، يجمع فيها المحار داخل مياه البحر، على أمل العثور على اللؤلؤ في جوفه، و(المزماه)، وهي السلة المستخدمة في نقل المحار خارج البحر، و(المسلقة)، وهي أشبه بسكين تستخدم في فلق المحار، و(الديرة)، وهي بوصلة بحرية قديمة، كانت تستورد من الخارج، وتستخدم في تحديد الاتجاهات داخل البحر، مرورا بالجالبوت، أي السفينة المستخدمة في الغوص، عبر سفينة حقيقية تعرض داخل المتحف، وصولا إلى ما يعرف في التراث الإماراتي والخليجي ببرزة الطواويش، والبرزة هي الجلسة أو المجلس، والطواويش مفردها الطواش، وهو تاجر اللؤلؤ، في اللهجة المحكية الخليجية .

صمم مدخل المتحف بطريقة تحاكي روح الغوص وتحمل رائحة البحر، حيث رصعت جدرانه بالصدف من كل صوب، فيما يعرض المتحف، المكون من دورين، مجموعة من أفضل منتجات رأس الخيمة من اللؤلؤ المستزرع . ويحاكي الدور الأول من المتحف الأصالة والتاريخ، من خلال التركيز على تجارة اللؤلؤ والغوص بحثاً عنه في منطقة الخليج العربي، مدعوماً بشاشات تلفزيونية تعرض أفلاما وثائقية حول تاريخ الغوص .

وخصص الدور الثاني من المتحف للتقنيات الحديثة المستخدمة في عمليات استزراع اللؤلؤ في العالم اليوم، مع استعراض العلوم الحديثة المتصلة باللؤلؤ . ويضم المتحف ركنا بيئيا، يهدف إلى نشر الوعي البيئي بخصوص الخيران، لدورها الحيوي في الحياة البحرية في الإمارات، حيث تشكل حاضنة للأحياء البحرية، وموقعا للتكاثر وتربية الأسماك والأحياء البحرية الصغيرة واستكمال دورة حياتها، فيما تتميز رأس الخيمة بأنها تضم 4 خيران، هي خور رأس الخيمة وخور جلفار وخور الرمس وخور المزاحمي، القريب من منطقة الجزيرة الحمراء .

يحتوي المركز على مقهى معاصر، ومطعم ياباني يقدم مأكولات بحرية، وهو الوحيد في الدولة، الذي يقدم لحم محار اللؤلؤ، وركن لتذكارات رأس الخيمة، 95% منها، وفقا لإدارة المركز، من المنتوجات محلية الصنع، حيث ارتأى المركز أن يكون التراث المعروض إماراتياً بحتاً وأنتج في الدولة، لا أن يكون من مصادر خارجية، كالصين والهند .

ويعرض ركن التذكارات مشغولات من اللؤلؤ المستزرع في رأس الخيمة، مثل العقود النسائية، ومشغولات أخرى تستخدم الصدف، ومنتجات محلية الصنع من السيراميك، ولوحات فنية ومجسمات تشكيلية من إبداع فنانين تشكيليين إماراتيين، وسواها من تذكارات ومشغولات تراثية ويدوية بأشكال مميزة .

جولة بحرية

ينظم مركز ثقافة اللؤلؤ جولة بحرية في خور رأس الخيمة، تستمر 40 دقيقة، على متن مركب تراثي إماراتي قديم، يعرف باسم جالبوت، وهو الذي كان يستخدمه الآباء في الماضي في الغوص بحثا عن اللؤلؤ، بغية استكمال وضع الزائر في قلب أجواء الغوص واستحضار روحه . وتقوم فلسفة الرحلة البحرية على عرض رأس الخيمة أمام الزائرين من منظور مختلف، من خلال مشاهدة أشجار القرم وسط الخور عن قرب، وهي الأشجار المحلية، التي تنمو في الخيران .

ويصدر اللؤلؤ المنتج في رأس الخيمة إلى أسواق مختلفة في العالم، فيما عقد المنتج الوطني له مؤخراً اتفاقية مع دار معوض العالمية الشهيرة في حقل المجوهرات، لتزويدها ب10% من الأصناف فائقةئالجودة من اللؤلؤ المستزرع في رأس الخيمة .

وتحظى منطقة الخليج العربي بتاريخ عريق في قطاع صيد اللؤلؤ وتجارته، فيما تسعى لآلىء رأس الخيمة إلى استعادة هذا التراث الحضاري وإحيائه في الدولة والمنطقة . ويشير عبد الله راشد السويدي، نائب رئيس مجلس إدارة لآلىء رأس الخيمة إلى التركيز على زراعة اللؤلؤ باستخدام تقنيات زراعة اللؤلؤ اليابانية في المياه الدافئة لساحل الرمس برأس الخيمة، حيث نجحت الشركة سابقا في إنتاج اللؤلؤ المستزرع عالي الجودة، وشرعت لاحقا في خطة توسعية، تهدف إلى زيادة كبيرة في الإنتاج .

منتج إماراتي خالص

ويضيف السويدي إن لآلىء رأس الخيمة تملك مزرعة للؤلؤ على ساحل مدينة الرمس، (نحو 15 كيلومترا شمال مدينة رأس الخيمة)، وتنتج حاليا نحو 40 ألف حبة لؤلؤ سنوياً، وتقضي خطتها التوسعية بإنتاج 100 ألف قطعة سنويا مع حلول عام ،2015 و10% من إنتاجها يصنف ضمن الأصناف عالية الجودة .

يتراوح حجم اللؤلؤ الإماراتي المنتج في رأس الخيمة بين 8 إلى 12 ملم، ويقدر في المتوسط ب10 ملم . وتستفيد لآلىء رأس الخيمة من الإرث الوطني والشعبي الإماراتي في حقل إنتاج اللؤلؤ تاريخيا، ومن حصيلة خبرات وتجارب الآباء والأجداد في عالم الغوص بحثاً عن اللؤلؤ .

ويبين السويدي أن اللؤلؤ المستزرع في رأس الخيمة منتج إماراتي 100%، حيث يستزرع ويصنع بكل مراحله في الدولة، ويضم المنتج الوطني كوادر مواطنة في بعض التخصصات، فيما يهتم بتطوير كوادره، لاسيما من المواطنين، عبر إرسالهم للتدريب في أحد المعاهد المعروفة في سويسرا .

مدينة اللؤلؤ

وتهدف لآلىء رأس الخيمة إلى تحويل رأس الخيمة إلى مركز إشعاع ثقافي فني في كل ما يتصل بثقافة اللؤلؤ، ضاربة الجذور في الدولة والمنطقة، وصولا إلى هدف أكبر هو تحويل رأس الخيمة إلى (مدينة اللؤلؤ)، الذي قدر حجم سوقه في المنطقة عام 2009 بنحو نصف مليار درهم .

ومن بين أهداف المركز، كما يقول محمد السويدي، المدير التشغيلي المتنقل في لآلىء رأس الخيمة، إحياء ثقافة إنتاج اللؤلؤ، لعراقتها في الدولة ومنطقة الخليج العربي، وإعادة المكانة التاريخية للدولة، كمركز حيوي للغوص وتجارة اللؤلؤ، التي ارتبطت بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للإمارات والمنطقة قبل ظهور النفط .

ويسهم المركز في تعزيز مكانة رأس الخيمة كوجهة سياحية إقليمية وعالمية، ذات منتج سياحي ثقافي تراثي متفرد، ما يشكل دعما للقطاع السياحي والاقتصاد عامة .

ويلفت محمد السويدي إلى أن ذاكرة أبناء الإمارات تحمل الكثير من ذكريات وماضي اللؤلؤ الطبيعى، تجسيدا لتاريخ أبناء الوطن خلال مرحلة تاريخية سابقة، حين كان اللؤلؤ إحدى ركائز اقتصاد الإمارات ومصدرا لقوت أبنائها، قبل توقف هذا النشاط الاقتصادي الاجتماعي، إثر شيوع إنتاج اللؤلؤ المستزرع في العالم، ما أدى إلى انحسار رحلات الغوص بحثا عن اللؤلؤ في سواحل الخليج العربي برمتها، وكساد تجارة اللؤلؤ الطبيعى .

ويقول السويدى: إن المركز والمتحف يشهدان منذ افتتاحهما إقبالاً جماهيرياً لافتاً في عطل نهاية الأسبوع، من قبل الطلاب، الذين يتلقون وجبة علمية غنية حول اللؤلؤ، والمهتمين وشرائح أخرى، قادمين من رأس الخيمة وإمارات الدولة الأخرى، بجانب عدد من أبناء دول مجلس التعاون الخليجي والسياح . ئوانطلق مشروع إنتاج اللؤلؤ المستزرع في رأس الخيمة في مرحلته التجريبية البحثية عام ،2004 ونجح في إنتاج أول لؤلؤة مستزرعة في ساحل الرمس برأس الخيمة في مارس/ آذار من العام ،2005 وواصل المشروع التوسع والنمو بعدها، حتى حظي برعاية رسمية من قبل حكومة رأس الخيمة، عبر دخولها كداعم رئيسي عام ،2009 ما تمخض عن ولادة لآلىء رأس الخيمة، ليصبح أحد مشاريع رأس الخيمة الرائدة في الحاضر والمستقبل .

واحتضن مركز ثقافة اللؤلؤ في مارس/ آذار الماضي مهرجانا متخصصا في ثقافة اللؤلؤ، في دورته الأولى هذا العام .

ويسعى مركز ثقافة اللؤلؤ إلى التحول إلى صرح ثقافي فني، ومنارة للفنانين والمثقفين الإماراتيين، للاستفادة من إمكاناته ومرافقه وموقعه المتميز على الكورنيش، وذلك دعما للحركتين الثقافية والفنية في الإمارة والدولة عامة، في حين تقرر، في ضوء توجيهات حكومة رأس الخيمة، فتح أبواب المركز أمام الفنانين والمثقفين الإماراتيين، لاحتضان أعمالهم وإبداعاتهم وعرضها مجاناً من دون أية رسوم .

قيَم هذا المقال
0

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yyodwg86