رغم أهمية الأنشطة المدرسية في تحفيز الطلاب على تلقي العلم، إلا أنها في المدارس الخاصة تحولت إلى هّم أدى إلى عجز الأسرة عن تخصيص ميزانية لها، ووقف الطلاب عاجزين أمام مطالبتهم بالاشتراك في هذه الأنشطة، وإصرار الأسرة على رفضها .
فهل إجبار الطلاب على الاشتراك في الأنشطة وعجز الأسرة عن دفع تكلفتها يدفعان الطلاب إلى السلوكيات الخاطئة التي قد يقابلها المعلم بأسوأ منها على اعتبار أنه كائن حي لا ينفصل عن المجتمع وله مشكلاته أيضاً؟ كل ذلك نناقشه في هذا الملف .
شكاوى من إجبار الطلبة على الاشتراك
تكاليف الأنشطة "واجب" ثقيل على الآباء
يبدو أن الأنشطة الطلابية في المدارس الخاصة التي تنفذ لدعم العملية التربوية تحولت إلى عبء إضافي يثقل كاهل أولياء الأمور الذين يصرخون من ارتفاع تكلفتها عاماً بعد آخر .
وأصبحت مشاركة الطالب في الأنشطة أمراً لا يطيقه أولياء الأمور، وتحول عدم الاشتراك إلى عقاب نفسي يمارسه المعلم والإدارة، حسب رؤية البعض .
التقينا العديد من الطلاب والآباء فعبّروا عن امتعاضهم من تلك الأنشطة باهظة المصاريف، فيما يؤكد مديرو المدارس أنهم لا يجبرون أحداً على الاشتراك .
يقول علي حمد، طالب بمدرسة الحكمة الخاصة في عجمان، إنه منذ اليوم الأول في الدراسة والمعلمات يطالبنه بتنفيذ العديد من الوسائل التعليمية، بالإضافة إلى تجهيز نفسه للاشتراك في الرحلات العلمية والترفيهية التي تنظمها المدرسة على مدار الفصل الدراسي الأول لكل مرحلة دراسية .
ويؤكد زميله محمد عمر أنه لا يزال ينتظر طلبات المعلمين منه التي سوف يحضرها تباعاً، رغم ضجر والده الذي دائماً ما يؤكد له أن هذه الطلبات يجب أن تكون من ضمن آلاف الدراهم التي تدفع للمدرسة منذ اليوم الأول .
وأوضح أن والده يتأفف من طلبات المدرسين التي تزيد يوماً بعد آخر حتى نهاية العام الدراسي، مؤكداً أنه دائماً ما يؤكد لوالده أنه لا يمكن أن يتأخر في إحضار تلك الطلبات حتى لا تتأثر علاقته بالمدرس، وتتأثر بها درجاته حسب كلام المدرسين والإدارة التي دائماً ما تردد أن الأنشطة تكشف عن الطالب المتميز .
ويقول أحمد طارق، الطالب بمدرسة الشعلة الخاصة في الشارقة، إنه مرغم مع بقية زملائه على تلبية طلبات المدرسة والمعلمين، لأنهم طلاب علم وعليهم تلبية كل ما يطلب حتى لا تتأثر درجات أعمال السنة التي دائماً ما يعولون عليها في زيادة درجاتهم . ويشير إلى أنه في بعض الأحيان يجبر مع زملائه على تزيين الصف، ولا يملكون سوى الإذعان، حتى لا تسوء علاقتهم بالمعلم الذي يتفاخر أمام إدارة المدرسة بما يفعله مع الطلاب، وأنه يملك القدرة على السيطرة عليهم .
ويؤكد عبدالناصر محمد، الطالب بالمدرسة نفسها، أنه غالباً ما يفشل في مجاراة زملائه الذين يلبون على الفور كل ما يطلب المعلم منهم، لأنه يقابل بثورة كبيرة من والده الذي يقول إنه لا يستطيع دفع تلك المصاريف المتجددة بشكل شبه يومي، وإنه لم ينجبه وحده .
ويوضح عبدالناصر أنه لذلك لا يملك سوى المساهمة بمصروفه الأسبوعي، لذلك يلجأ إلى الانشغال في الفسحة بالقراءة في أي شيء حتى لا يرى زملاءه وهم يستمتعون بإنفاق أموالهم .
وأوضح طالب بمدرسة الزهور الخاصة في الشارقة، رفض ذكر اسمه، أنه غير قادر على دفع الأموال التي يطلبها المعلمون أسبوعياً للأنشطة المدرسية، كما كان في العام الماضي، لأن والده أصبح بلا عمل، ووالدته تؤكد لهم دوماً أن راتبها يكفي فقط إيجار البيت والطعام .
ويشير إلى أنه منذ اليوم الأول له في المدرسة وهو يسأل نفسه: ماذا أفعل أمام طلبات المعلمين التي لا تنتهي؟
ويشير طالب بمدرسة الأنوار الخاصة في دبي، رفض ذكر اسمه أيضاً، إلى أنه اتفق مع والده على تخصيص ميزانية للأنشطة المدرسية حتى لا يواجه بالحرمان أو التلاعب، حسب تعبيره، في درجات أعمال السنة التي تتوقف على تلك الأنشطة وعلى مدى استجابة الطالب وتوفيره كل ما يطلبه المعلم . رغم أنه يعتبرها طلبات تافهة ولا تخدم العملية التعليمية، ويتساءل: كيف أدفع مصاريف سنوية بالآلاف، ثم يطلب منّي المشاركة في الحفلات التي تقيمها المدرسة، وفي تزيينها ورحلاتها العلمية وغير ذلك من الطلبات التي لا تنتهي؟
وتؤكد سندس . ع، الطالبة بالمدرسة الإنجليزية في أم القيوين، أنهم في بعض الأحيان يطلب منهم المشاركة في تزيين حافلة المدرسة رغم أن رائحتها منفرة .
وتوضح أنهم كانوا يعتقدون أن انتقال المدرسة إلى المبنى الجديد سيعفيهم من المصاريف الخاصة بالأنشطة لكنهم فوجئوا بزيادتها عنها في العام الماضي لدرجة أنهم يشاركون في تكاليف اللوحات التي تزين الجدران والممرات داخل المدرسة .
ويدعو إبراهيم سالم، رب أسرة وموظف في وزارة الشؤون الاجتماعية، المسؤولين في الوزارة إلى الالتفات إلى المدارس الخاصة التي أصبحت تحقق أرباحاً هائلة من الأنشطة التي تقوم بها وتجبر الطلاب على تنفيذها . ولفت إلى أنه يفاجأ بأولاده يوماً بعد آخر يطلبون منه، إما شراء طلبات لتزيين الصف، أو أموالاً للمشاركة في الحفلات أو الرحلات أو الأنشطة .
ويؤكد أنه لا يعرف سبب إجبارهم على دفع تلك المصاريف التي أصبحت تشكل عبئاً هائلاً عليه لأنها ميزانية جديدة تضاف إلى الأقساط الدراسية .
ويذكر أن ضغطه يرتفع مع كل عام دراسي جديد بسبب مصاريف الدراسة والأنشطة التي تدفعه سنوياً إلى جدولة القرض الذي حصل عليه منذ حوالي خمس سنوات ولا يستطيع الفكاك منه بسبب المدرسة ونفقاتها الجنونية والتي تدفع كل الأسر إلى الاقتراض .
ولا يملك أحمد المغني، موظف، سوى الإذعان لطلبات أولاده التي تزيد يوماً بعد آخر لعلمه أن المعلمين في المدرسة يضغطون عليهم ويهددونهم بأعمال السنة، حسب قوله، ويؤكد أنه يعرف أيضاً أن المعلمين مجبرون على ذلك، وكل منهم يريد إثبات نفسه حتى لا يفقد عمله، مطالباً الوزارة بأن تتدخل وتحدد الأنشطة وتجبر المدرسة على عدم تحصيل أي أموال من الطلاب خاصة التي تستخدم في تزيين الصفوف والممرات لأن ما يدفعونه من مصاريف سنوية يفوق الخيال .
ويلفت إلى أنه منذ اليوم الأول في الدراسة وهو مجبر على تخصيص ميزانية لأنشطة المدرسة لعلمه مسبقاً بأن أولاده سيطلبون منه مصاريف يومية للاشتراك فيها للحصول على درجات أعمال السنة حتى لا تتأثر درجاتهم في نهاية العام الدراسي .
وترفض سهير عبدالعال، أخصائية اجتماعية، طريقة تنفيذ المعلمين للأنشطة المدرسية التي تحولهم، حسب تعبيرها، إلى بقالين لحساب إدارات المدارس الخاصة، ما دفعها إلى تخصيص ميزانية لتلك الأنشطة حتى لا ترى الحزن في عيون أولادها الذين يؤكدون لها دوماً أن المعلم يعامل الطالب الذي لا يشارك في تزيين الصف معاملة سيئة ويهمله وأحياناً يصل الأمر به إلى إخبار إدارة المدرسة التي تطالبه بالاشتراك، وأحياناً تعلن عن اسمه في طابور الصباح . وتشير إلى أنها لا يمكن أن تتصرف من تلقاء نفسها وتذهب إلى المدرسة التي يدرس فيها ابناها خشية اضطهادهما أو إهمالهما ما يسبب لهما أزمة نفسية .
. . والمدارس ترد: نبني شخصيات متكاملة
يعترف يوسف الفرماوي، المتحدث الرسمي باسم المدرسة الإنجليزية في أم القيوين، بأن الأنشطة الطلابية في المدارس الخاصة مكلفة جداً، وأنها دائماً ما تسبب العديد من المشكلات النفسية للطلاب داخل وخارج المدرسة، لعجزهم عن الاشتراك، وأن المشكلات تزداد عندما يجبرون على ذلك . ويقول: المدرسة تراعي ذلك لاعتبارات تربوية عديدة أهمها الصحة النفسية . ومنذ فترة بعيدة ونحن نطرح الأنشطة التي لا تخرج عن المسابقات بين الطلاب وهدفها خلق التنافس وتحفيزهم على العمل الجماعي والنشاط والابتكار .
ويضيف أنهم لا يملكون حق إجبار الطلاب على الاشتراك في نشاط، وإنما يعطونهم الخطوط الرئيسية ولهم الحق في القبول أو الرفض، في حين يحق للمعلم أن يطلب منهم الاشتراك في النشاط داخل الصف مثل عمل اللوحات وتزيين الصفوف . ويؤكد حرص المدرسة على عدم لجوء الطالب في عمل تلك الأنشطة إلى المكتبات الخارجية، وضرورة أن تكون من عمله الخاص بهدف الاكتشاف المبكر للمواهب والعمل على تنميتها .
يدافع إبراهيم بركة، مدير مدرسة الشعلة الخاصة بالشارقة، عن اهتمام المدرسة بالنشاط المدرسي، مؤكداً أنه أحد عناصر العملية التربوية وله أهمية في صقل شخصية الطالب وتفتيح مداركه وصيانة ذهنه وإعداده للعب دوره في الحياة العامة بحيث تصبح شخصيته متعاونة ومتجاوبة، بالإضافة إلى إذكاء روح الانتماء لديه، ويلفت إلى أن العملية التربوية لا يمكن أن تكون متكاملة إلا بمشاركة الطلاب في الأنشطة، لأن عملية التربية والتعليم لم تعد قاصرة على ما يحصله الطالب في الفصول، بل تعدته إلى ما هو أوسع وأشمل، نظراً لأن الكثير من الأهداف التربوية يمكن إنجازه من خلال النشاط المدرسي .
ويعتبر بركة شراء الطلاب لوحات وألواناً لتزيين الفصول مسألة عادية تهدف إلى ربطهم بالمكان، وأنه سرعان ما يتحول هذه الارتباط إلى حب وارتباط بالوطن، وبذل أقصى ما في وسعهم لتحقيق الأهداف من أجل إسعاد أنفسهم وكل ما يحيط بهم . ويرى أنه بقدر العطاء بقدر ما يأخذ الطالب، ما يؤثر في شخصيته بطريقة غير مباشرة تكون أبلغ من التوجيه المباشر .
وأضاف أن ما ينفقه الطلاب على الأنشطة تعتبره المدرسة استثماراً لتعليمهم الادخار والعطاء، وربط المنهج النظري بالعملي .
ويؤيد عبدالله لحام، وكيل مدرسة الصالح الخاصة بالشارقة، ما ذكره بركة عن أهمية الأنشطة المدرسة في تنمية مواهب الطلاب في ظل عصر التكنولوجيا والمعلومات، ما ينعكس إيجابياً على تفكير الطلاب . ورغم ذلك، يؤكد أن إدارة المدرسة لا تملك سوى طرح الأنشطة وترك حرية الاشتراك للطلاب، مشيراً إلى أن طالباً قد يقرر القيام بكل الأنشطة على حسابه الخاص، وأنه في تلك الحالة تسهم معه المدرسة . ويقول: هناك العديد من الطلاب لا يشتركون في الأنشطة ولا يسهمون في تكلفتها بغض النظر عما يقال عن أعمال السنة . ويشير إلى أن إدارة المدرسة تضم آباء يتألمون لما يتألم منه باقي آباء الطلاب، لذلك لا يرغمونهم على الأنشطة المكلفة .
المعلمون راسبون في ترويض المشاغبين
"ثعابين" تمرح في الفصول والطباشير "علكة"
يملك عدد من أولياء الأمور والطلاب اقتناعاً بأن ما يدفعونه من أموال للمدارس الخاصة أهم ما يربطهم بها، وبسبب ذلك يضيع كثير من القيم التربوية، وفي مقدمتها الاحترام المتبادل بين المعلم والطالب . وتُتهم إدارات مدارس بأن
همها تحصيل المصروفات فقط، سواء للدراسة أو الأنشطة وعدم الاكتراث لبقية عناصر العملية التربوية .
التقينا طلاباً وطالبات في المدارس الخاصة بمناطق تعليمية عديدة وسألناهم عن ممارستهم الخطأ، التي اعتبروها بطولات هائلة، فيما أكد العديد من المعلمين أنهم ضحية الحرية الزائدة في التعليم الخاص، وخوفهم الدائم من أولياء الأمور .
تروي حصة .س طالبة بإحدى المدارس الثانوية الخاصة بمنطقة الشارقة التعليمية، تفاصيل خلاف بين العديد من زميلاتها في الصف ومعلمة الجيولوجيا، وتعهد واحدة منهن بأخذ حقهن . تقول: أحضرت الطالبة مادة زيتية ودهنت بها السبورة، ما جعل المعلمة تفشل في الكتابة عليها بالطباشير فقررت إلغاء الدرس . وتعتبر مافعلته زميلتها انتصاراً، لأنهن بذلك عبّرن للمعلمة عن غضبهن منها وتصرفاتها . وأضافت: إن كانت المعلمة لديها مشكلات في بيتها يجب عليها عدم الخروج منه لحين عودتها إلى طبيعتها، ويجب الكشف الطبي النفسي بين فترة وأخرى على المعلمين حتى لا تنتقل أمراضهم النفسية إلى الطلاب في المدارس .
وتؤكد زميلتها في المدرسة علياء . أ أن معلمتهن المقصودة كانت غير متسامحة معهن، ولم تكن تضحك أو تبتسم أبداً لدرجة أنها وباقي الطالبات في الصف كن يخفن منها ومن حصتها، وكرهن مادة الجيولوجيا، وانخفضت درجاتهن فيها العام الماضي . وتشير إلى أنها أصبحت تكره مهنة التدريس بعد أن فقدت احترامها للمعلم الذي فقد أيضاً احترامه للطالب .
ويعدد محمد يوسف، طالب ثانوي بإحدى المدارس الخاصة في عجمان، ممارسات بعض الطلاب في الصف ومنها رمي القلم أو الكتاب وأحياناً الصفير، وتبادل قصاصات الأوراق التي يكتبون برامجهم الشخصية عليها، أثناء انهماك المعلم في شرح الدرس .
ويقول: عندما يستدير المعلم منزعجاً من تلك الأصوات ويسأل عن مصدرها أخاف إخباره بالطلاب الذين يحدثونها، لأنهم يضربون من يفشي أسرارهم بعد انتهاء اليوم الدراسي .
ويشير إلى أنه يتوقع معرفة المعلم بهؤلاء الطلاب ذوي السلوك السيئ، لكنه يتجاهلهم خوفاً منهم في بعض الأحيان، وأحياناً من آبائهم الذين يهرعون للمدرسة فور إبلاغهم ودائماً يقفون بجانب أولادهم ضد المعلم حتى إذا كان مظلوماً، ما يجعل أولادهم يستقوون على زملائهم وعلى الإدارة والمدرسين . ويطالب بالحد من الحرية الزائدة في المدارس الخاصة حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه .
ويقول أحمد غالب، طالب إعدادي، بمدرسة خاصة في عجمان، إن زميله في الصف دائماً لديه ألعاب على شكل حيوانات مخيفة، لذلك يفاجأ المعلم أثناء وقوفه أمام السبورة لشرح الدرس بثعبان يتحرك تحت رجيله، أو سلحفاة فوق أغراضه التي يضعها فوق الدرج، ما يجعله يخرج عن شعوره ويرفع صوته، لكنه يكتفي بقول: أنتم طلاب عديمو الأدب . ويوضح أنهم في اللحظة نفسها يجدون المعلم يضحك فيضحكون، لذلك أصبحوا يتبادلون معه النكات .
وأكد محمد، طالب بمدرسة أم القرى بأم القيوين، أنه يكره أن يكون معلماً، لأنه يعاني من أحد المعلمين الذي ضبطه وهو يضحك مع زميله، ونقله من مقعده إلى مكان آخر في الصف . ويؤكد أنه طلب منه أكثر من مرة أن يعود إلى مقعده الأصلي لكنه رفض وحرمه من الخروج في الفسحة ثلاثة أيام، وعندما حاول الاعتذار له رفض، رغم تدخل والدته المعلمة بالمدرسة .
ويشير رائد أحمد، طالب بإحدى المدارس الإنجليزية بمنطقة الشارقة التعليمية، إلى أن مجموعة من الطلبة تناولوا علكة وبعد أن مضغوها جمعها أحدهم ووضعها عند السبورة، وعندما جاء المعلم اعتقد أنها طباشير فأخذها، وعندما عرف أنها علكة صرخ في الجميع وطلب معرفة الطالب الذي فعل ذلك، لم لم يعره أحد انتباهاً وبقي طيلة الحصة يبحث عن الفاعل . ويوضح أن المعلم كلما جاء في حصته تعامل مع الطباشير بحذر وهو يتمتم بأنه يدرس لطلاب قرود .
ويقول مدثر، طالب بإحدى المدارس الخاصة بالشارقة: إن هناك طلاباً يثيرون العديد من المشكلات، وأحياناً يكتفون بالإزعاج من دون سبب . وبشكل عام، يرى أن المدرسين في الغالب يفتقدون مهارات التعامل مع الفئة المشاغبة والمزعجة للتغير المستمر في وسائل الإزعاج، فقد يحدثون صوتاً موسيقياً ويبقى المعلم فترة الحصة وهو يبحث عن الآلة التي صدر منها الصوت ورغم التفتيش الذاتي الذي يقوم به، لا يعثر على شيء .
وتعترف شيخة . ع، معلمة بإحدى المدارس الخاصة بالشارقة، بأنها فقدت السيطرة على الطالبات، لأنهن بارعات في إثارة المشكلات وقت شرح الدرس . وتوضح أنها كلما اكتشفت وسيلة الإزعاج وأخذتها منهن يخترعن وسيلة أخرى تفشل أحياناً في معرفتها مثل الأصوات التي يحدثنها، سواء بأفواههن أو من خلال الهاتف الذي لا تصل إليه أبداً رغم التفتيش الذاتي، مؤكدة أن لجوءها إلى التفتيش الذاتي للطالبات أفقدها السيطرة عليهن، وجعلهن يكرهونها ولا يحترمونها .
ويؤكد إيراهيم . أ، معلم لغة عربية في عجمان، أنه من المعلمين الذين يقابلهم الطلاب بالسخرية في المدرسة، لأنه لا يتحدث إلا بالعربية الفصحى لدرجة دفعت الطلاب إلى تقليده أمام الإدارة والطلاب الذين يكنون حباً واحتراماً له . ويوضح أنه أصبح في الفترة الأخيرة لا يملك سوى الصراخ في الطلاب في حصته لاستهزائهم به من خلال رمي الأقلام والدفاتر وأحياناً الغناء، وأنه عندما يلتفت إليهم يجد الجميع في منتهى الانضباط .
ويشير زميله عبدالفتاح، معلم التربية الموسيقية، إلى أنه من المعلمين الذين يحبهم الطلاب لأنه يعلمهم الموسيقا ويفتح أمامهم عالماً من الأحلام، لكنه في الوقت نفسه يقابل بسخرية قلة الطلاب بسبب انفعالاته التي تتغير تبعاً للقطعة الموسيقية التي يعزفها معهم، ويضيف أنه أحياناً يسمع من بعضهم بطريقة غير مباشرة أنه يصلح للتمثيل، ما يجعل الطلاب الذين يحبونه يتأثرون بهذا الكلام ويتغيرون من ناحيته .
ويقر شوقي عبدالحكيم، معلم بإحدى المدارس الخاصة في دبي، بأنه فشل في التعامل مع الطلاب داخل الصف لأنهم يثيرون الإزعاج دائماً في حصته رغم أنها علمية ومفيدة جداً في تحصيل الدرجات النهائية خاصة أنهم مقبلون على التعليم الجماعي . ويشير إلى أنه لا يملك سوى الصمت في تلك الحالة وينتظر لحين عودتهم إلى طبيعتهم، وبدء الشرح من جديد، لكنه يخرج عن شعوره عندما يستمرون في إزعاجهم خاصة في حالة التفاته إلى السبورة . ولا يملك، كما يؤكد، سوى وصفهم بأوصاف جارحة فيجدهم يضحكون، ما يدفعه للضحك معهم، لذلك يرى بعضهم يقابله في خارج الفصل وهو يضحك منه أو يناديه باسمه مجرداً .
وأوضح أنه في حالة لجوئه إلى الإدارة لأخذ حقه يجد نفسه وجهاً لوجه أمام بعض هؤلاء الطلاب وهو يسلم عليه بأدب شديد يدفعه للتراجع عن شكواه .
احترام المعلم درس أسري غائب
حمّل الخبراء الأسرة وإدارة المدرسة مسؤولية السلوكيات الخاطئة لدى الطلاب وبعض المعلمين، خاصة الذين يتصفون بعدم القدرة على احتواء الطالب وإثارة اهتمامه بالدرس أثناء الحصة، ويقابلون سلوكياته بأخرى أكثر منها خطأ .
تؤكد د . فاطمة الزهراء ساعي، تخصص علم النفس المعرفي، وجود أسباب عديدة تؤدي إلى استهتار الطلاب والطالبات بالمعلمين والتقليل من شأنهم، منها ضعف الوازع الأخلاقي، وتعتبر أن سبب عدم وجود هذا الوازع لدى بعض الطلاب الذين يثيرون الإزعاج ويمارسون سلوكيات خاطئة داخل الصف، أنهم لم يتلقوا أي توجيه أسري .
وأوضحت أن غياب الرقابة الأسرية عن تربية الأجيال من الصغر، وعدم تعليمهم حق الكبير في التقدير، مع غياب الاختصاصي النفسي والاجتماعي في العديد من المدارس الخاصة، لحل المشكلات الطلابية والتنفيس عن الضغوط النفسية التي يتعرضون لها والعمل على رفع مستواهم التعليمي لبناء مجتمع حقيقي، عوامل تؤدي إلى قيامهم بسلوكيات خاطئة أهمها تحقير المعلم والمدرسة وقد يندفع بعضهم إلى كره التعليم . وأشارت إلى أن هؤلاء الطلاب يتفننون في ابتكار سلوكيات جديدة، وأن المدرسة لا يمكن أن ينجح دورها التربوي من دون مشاركة الأسرة في متابعة الطالب وتقويم سلوكه أولاً بأول بشرط أن يكون معداً لذلك منذ الصغر حتى يمكن تشذيبه كلما دخل إلى مرحلة سنية وتعليمية جديدة .
وترى د . فاطمة راشد الدرمكي، تخصص علم نفس، أن ضعف المعلم في مادته وشخصيته الأساس الطبيعي لإقدام الطلاب على سلوكيات خاطئة تضر به وبالمدرسة وبالهيئة التعليمية . وتدعو المعلم إلى بناء صورة حازمة له منذ دخوله المجال التعليمي وعدم التنازل عن القواعد التي تخدم العملية التعليمية .
وأشارت إلى أن المعلم الضعيف لا يوجد إلا في مدرسة إدارتها ضعيفة وغير قادرة على ابتكار أساليب تربوية حديثة تمكنها من إدارة أطراف العملية التعليمية، مؤكدة أن أفضل الأساليب التربوية إيقاع الجزاء الذي يسبقه الإنذار وحضور ولي الأمر . وأوضحت الدرمكي أن وقوف أولياء الأمور إلى جانب أولادهم عند استدعائهم للمدرسة بسبب سلوكياتهم ومحاولتهم إسقاط التهم عنهم يشجعهم على اختيار سلوكيات أسوأ من ذي قبل . وتنصح الآباء بالتفاهم مع الأبناء والحوار معهم بهدف تنمية وعيهم وتعريفهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حض على احترام المعلم، وأن تكون طرقات المدارس مزينة بما قاله الشاعر أحمد شوقي:
قم للمعلم ووفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
وتدعو إلى إجراء تأهيل نفسي للمعلمين للوقوف على أنماطهم الشخصية حتى يكونوا مؤهلين للتعامل مع الطلاب .
ويرجع د . هاشم سرحان، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الشارقة، تلك السلوكيات الخاطئة إلى عدم اكتراث الطالب بالمعلم، ما ينم عن رفض داخلي للحصة أو للمدرسة ورفض المادة ومعلمها .
ويطالب بدراسة هذه النوعية من الطلاب والوقوف على الأسباب الأسرية، خاصة أن العديد من الدراسات أكدت وجود أسر عديدة لا تشجع أولادها على الدراسة أو الذهاب إلى المدرسة، ما يجعل الطالب مفتقداً للتوجيه .
وقال إن سلوك المدرس السلبي هي أحياناً الدافع لممارسة الطلاب بعض السلوكيات الخاطئة .
واعتبر د . حسن العثمان، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الشارقة، السلوكيات الخاطئة التي يقدم عليها الطالب والمعلم أحياناً من أخطر الآفات التي يعاني منها التعليم على مستوى العالم العربي، مطالباً بأن يتحلى المعلم بعمله الذي يهذب النفس ويجعل صاحبها أليفاً يثير رغبة الطلاب في التعلم ما يجعلهم يقبلون على الدرس، وتقل لديهم مشاعر الملل والإحباط .
وأوضح العثمان أن الاستراتيجيات التي يمكن أن يتبعها المعلم لإثارة الطلاب وجعلهم يقبلون على درسه ويقدرونه ويحترمونه تكمن في التنويع وربط موضوع الدرس بواقع حياة الطلاب، وإثارة الأسئلة التي تتطلب التفكير مع ضرورة تعزيز إجاباتهم، وربط أهداف الدرس بالحاجات النفسية والذهنية والاجتماعية، مع الأخذ في الاعتبار تنوع المثيرات ومشاركة الطلاب في التخطيط للدراسة، ومساعدتهم على تحقيق ذواتهم .
ولفت العثمان إلى أهمية المهارة والوضوح في شرح الدرس وتفسيره وهو ما ينم عن امتلاك المعلم للقدرات اللغوية والعقلية التي تمكنه من توصيل شرحه للطلاب بيسر وسهولة ما يجعلهم يقدرونه ويظهرون الرضا له في كل شيء، مع ضرورة تغاضي المعلم عن السلوك الطلابي الخاطئ الذي يفعله بعض الطلاب من خلفه وهو يشرح الدرس، على أن ينوه إليه بعد ذلك في وقت يسمح بتقبل الطلاب لعتابه .
المدرس يجب أن يفّرق بين أدواره
يطالب د . أسامة عبدالباري، أستاذ علم الاجتماع المشارك في جامعة الشارقة، بالنظر إلى شخصية المدرس ككائن اجتماعي لا يستطيع عزل نفسه عن الظروف والمؤثرات الاجتماعية المحيطة به، لكنه من واقع تجربته التربوية يمكنه أن يؤدي دوره التربوي بإيجابية عن طريق محاولة عدم إسقاط همومه الشخصية على المدرسة .
ويشير إلى أن ذلك يأتي من خلال عملية التدريب المستمر للمعلم بجانب الخبرات التي اكتسبها خلال عمله، وهو ما ينطلق من إيمانه بأن له أدواراً عديدة يمارسها داخل المجتمع، ويعرف تماماً متطلبات كل دور، ما يجعله يملك القدرة على عدم عكس مشكلاته الأسرية على طلابه .
وأوضح أن الطلاب لا يملكون الخبرة المماثلة المتاحة للمدرس، لكنهم محكومون بقواعد وإجراءات تنظيمية تعكس السلطة المدرسية عليهم، لافتاً إلى أن ذلك ليس العنصر الفاعل في التقليل من ممارساتهم الخاطئة داخل المدرسة، وإنما هذا العنصر هو إقامة علاقة مهنية قوية بين المدرس وطلابه محكومة بالحب والمودة فضلاً عن الاحترام المتبادل، شريطة ألا تتحول إلى علاقة صداقة تزول فيها كل الحدود بين الطرفين .
ولفت د . عبدالباري إلى أن المدارس تسعى من خلال الأنشطة إلى التقريب بين الطالب والمدرس خارج الإطار الأكاديمي والتربوي المتعارف عليه، مؤكداً أن هذه الأنشطة لها مزايا عديدة تنعكس على العلاقة بين الطرفين .
وفي المقابل، رأى أن النفقات الباهظة لتلك الأنشطة قد تكون بوابة رئيسية تدفع قلة من الطلاب للقيام بسلوكيات خاطئة لوقوع الطالب بين إجباره على المشاركة فيها والإلحاح عليه يومياً وأحياناً لجوء إدارة المدرسة لهذه المطالبة في طابور الصباح، ورفض ولي الأمر لتلك الأنشطة التي أصبح لا يقدر على تمويلها .