تعدّ قرية الريامة إحدى قرى الطويين الجبلية، التي تتمتع بالجمال والخصب وحلاوة الحياة وطبيعتها الخلابة وجبالها الشامخة، حيث تتميز بوجود عدد كبير من المزارع الخضراء المنتشرة على أراضيها، وبكثرة وجود آبار المياه العذبة المنتشرة فيها، كما تتميز القرية بوقوعها على مجرى وادي الجريف الكبير، الذي تجري فيه المياه في مواسم هطول الأمطار بنسبة كبيرة، كما يجري فيها العديد من الأودية، منها وادي وعب المصلى، ووادي الأثب ووادي نيد المصلى، وكلها تتجمع في وادي الجريف الكبير، كما تشتهر جبال المنطقة بكثرة انتشار خلايا النحل البري، الذي يجني الأهالي منه عسل السدر، والسمر البري. «الخليج»، زارت المنطقة الريامة ورصدت التقرير التالي:
تقع قرية الريامة على بعد مسافة 80 كيلومتراً شمالي غرب مدينة الفجيرة، ويمكن الوصول للقرية عبر طريق دبا - الطويين، أو عن طريق إذن - الطويين، وعند دخولك لقرية الريامة، حيث تدخل عالماً آخر، لسحر الطبيعة الجبلية الذي يأسر حواسك، والهدوء والسكينة اللتين تعمّان المكان، وصوت خرير مياه الأفلاج بالمزارع والفراشات، التي تحتفي بك كأنها تقتادك كحوريات الجنة في رحلة لمدرجات جنة على الأرض، وخضرة أشجار النخيل والسمر والسدر والغاف، ترسم لوحة متفردة من التناغم المبهر الآسر، وعند مدخل القرية ومع طلتها الأخاذة تبدأ بالانسلاخ عن همومك وصخب المدينة.
وبعد جولتنا بالمنطقة وجبالها الشامخة، توجهنا إلى بيت الوالد راشد سعيد راشد اليماحي، وحدثنا قائلا: الريامة تعتبر إحدى المناطق الجبلية ذات الطبيعة الخلابة الجميلة التي تحتضنها جبال منطقة الطويين الشامخة، وتتمتع بالعديد من المميزات منها الهدوء والمزارع الخضراء الفريدة من نوعها، فضلاً عن اعتدال جوها صيفاً وانعدام الرطوبة فيها، إلى جانب منازل الأهالي الجميلة وكرم سكانها، الذين يتصفون بحسن الضيافة والكرم والشجاعة وحب الوطن والوفاء للقيادة الحكيمة.
ويقول: تشتهر القرية منذ القدم بتنوع المحاصيل الزراعية، ذات الجودة العالية؛ نتيجة لتربتها الخصبة ومياهها العذبة، وكثرة الأفلاج المائية القديمة فيها، مما ساعد على الإنتاج الزراعي الوفير، كالتمور بأنواعها المختلفة، والهامبا «المانجو»، والنبق، والليمون، ونبات الغليون والخضراوات والمحاصيل الصيفية، مثل: اليح والطماطم والكوسا والخيار، وغيرها من المحاصيل الزراعية، التي تشتهر بها المنطقة، وتعتبر هذه المحاصيل من أجود الأنواع على مستوى المناطق الجبلية الشمالية لإمارة الفجيرة، نظراً لامتهان الأهالي مهنة الزراعة، والاهتمام بشكل كبير بأعمال الزراعة، نظراً لوجود المياه العذبة بالمنطقة، ووجود التربة الخصبة للمنطقة.
وعن الماضي يقول: عاش الأهالي قديماً في بيوت بسيطة شتوية مبنية من الطين المطعم بالحصى والحجارة وسعف النخيل التي ما زالت موجودة بين جبال منطقة الشرية ومنطقة الميه القريبة من منطقة الريامة، وكانت تلك المنازل رغم حجمها الصغير، تسع كل أفراد الأسرة، وكانت تقام بجانب بعضها، أما في فصل الصيف، الذي كان يسمى بموسم القيظ، فكان الأهالي يعيشون في البيوت الصيفية، التي كانت تنتشر في مزارع المنطقة بشكل كبير، وتكون مبنية من خوص وجذوع النخيل وأغصان أشجار السمر والسدر، واستمرت حياة الأهالي على هذا النمط، حتى انتقلوا خلال فترة السبعينات من القرن الماضي، من بيوت الطين والعريش، إلى العيش في منازل شعبية ذات طابع حديث، شيدها لنا المغفور له بإذن الله، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، في عهد المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمهما الله، ومنذ تلك الفترة تغيرت الحياة على أرض الريامة وجميع مناطق الطويين، وحدث تطور كبير في المنطقة، إذ وصلت خدمات الكهرباء والماء، وتعُبّدت الطرق وبنيت المنازل الحديثة، التي جعلت حياة المواطن أكثر سعادة في رفاهية وأمن، كما بُني بالمنطقة العديد من الفلل الحديثة بمكرمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، فالقيادة الحكيمة لم تقصر يوماً في تقديم أي احتياجات أو خدمات للمنطقة، أو للأهالي.
أما الوالد سعيد راشد أبو راشد فيقول: معيشتنا في الماضي كانت بسيطة وصعبة بسبب وقوع المنطقة وسط الجبال العالية، وعدم وجود طرق معبدة أو أي خدمات، فكنّا نمشي على الأقدام، وبعضنا كان يستخدم الحمير للتنقل إلى باقي القرى والمدن، لتوفير احتياجاتنا، حيث كنا نذهب إلى دبا الفجيرة بواسطة الحمير، لشراء بعض الاحتياجات، وبيع منتجات التمور والعسل، وبعض المحاصيل الزراعية في أسواق دبا التجارية، وأضاف: إن بعض أهالي القرية، والقرى المجاورة، كان يضطر سكانها في الماضي البعيد، إلى الهجرة؛ بحثاً عن الرزق عبر البحار إلى السعودية أو الكويت، فلم تكن هناك وظائف، وكان الرزق خاضعاً لفطرة الطبيعة، وحسب فصول العام، وما يصاحبها من تغيرات مناخية، قد يشحّ الرزق بسببها.
ويؤكد أن الحياة في الريامة قديماً كانت قائمة على المحبة والتعاون بين جميع أهالي القرية، وكان الأهالي في منازل قريبة من بعضها، والكل يطمئن على الآخر بشكل يومي، والكل يتفقد الآخر، بينما في الوقت الحاضر تغيرت بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، وكانت منازل الأهالي بسيطة لا تتعدى 15 منزلاً، وكانت معظمها في منطقة الشرية الجبلية القريبة من الريامة، وكان أهالي الريامة لهم عاداتهم وتقاليدهم، التي لا يزال البعض منهم محافظاً عليها، وكان اهتمام الأهالي منصباً على الزراعة، حيث كانت الحرفة الرئيسية، لكون المنطقة ذات أرض خصبة ومملوءة بالوعوب الجبلية الخصبة، والتربة الطيبة، ويكثر فيها هطول الأمطار.
وأشار الوالد محمد راشد، إلى أنه عرف عن الأهالي الاعتزاز بالعادات والتقاليد القديمة، فكانوا لا يزالون يتزاورون يومياً، وكل فرد يطمئن على الآخر، والكل يحافظ على العادات والتقاليد القديمة، حيث إنه من العادات والتقاليد القديمة، في الزواج بين أهالي الريامة، أن الشاب يتزوج بنت العم، أو بنت الخال؛ لأنه أولى بها من غيره، وكانت المهور بسيطة وقليلة، ناقة وتسمى «صباح»، وناقة ثانية مالاً للعروس خاصاً بها، ويقام العرس من دون تكاليف على العريس أو أهله، حيث يتم العرس بدعوة شيوخ وأهالي القبائل، وتقام الأفراح وتنحر الإبل والرقصات الشعبية، وكان العرس يستمر لمدة يومين أو ثلاثة، وفي اليوم الأول يقوم والد العروس بتقديم طعام الغداء للأهالي والضيوف، والثاني عند بيت العريس يقدم الغداء والعشاء ويقام الفرح بهذه المناسبة ضمن العادات والتقاليد العربية الأصيلة.
ويضيف: إن الحياة قديماً في قرية الريامة، كانت بسيطة وسهلة واقتصاد الأهالي انصب بشكل أساسي على زراعة الحب والقمح في الوعوب الجبلية، وزارعة الذرة والحنطة، ونبات الغليون، الذي لعب دوراً رئيسياً في زيادة دخول السكان؛ نظراً لإقبال التجار من دول مجاورة على شرائه بأسعار مرضية لجميع المزارعين، كما اعتمد بعض الأهالي على تربية الحيوانات والطيور، ورعي الماشية، إضافة إلى جمع الحطب، وعمله في استخلاص«السخام»، وجمع العسل البري بأنواعه، من الكهوف الجبلية المنتشرة بالمنطقة، والتي مازال يشتهر بها أهالي الطويين، بشكل عام وأهالي قرية الريامة، بشكل خاص.
محمد اليماحي يقول: إن القيادة الحكيمة لدولة الإمارات وحكومة الفجيرة، لا تدخر جهداً في تلبية مطالب واحتياجات أهالي المنطقة، فتم بناء المساكن الحديثة، وأصبح بالمنطقة الخدمات كافة، من ماء وكهرباء وإنترنت، وتعبدت الطرق الداخلية والخارجية للمنطقة وأصبح بمنطقة الطويين المدارس للذكور والإناث، في المراحل الدراسية، وأصبح هناك العديد من الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة التي تخدم المواطن.
ويؤكد أن منطقة الريامة تتميز بسحر طبيعتها ووجودها بين الجبال العالية، وتمتعها بمناخ معتدل على مدار أيام السنة، حيث إن مياه الأمطار، تجعل جبال الريامة مزدانة باللون الأخضر، فتبهر الناظر وتريح النفس، كما أن زائر المنطقة يشعر بالحيوية وراحة النفس وصفاء الجو.
وأضاف أن المنطقة تشتهر منذ القدم بكثرة وديانها وأفلاجها وعيون مياهها العذبة، والمزارع فيها، وكثرة وجود خلايا النحل البري في كهوف جبالها العالية.
طبيعة خلابة
عبد الله محمد التكلاني، يقول: إن الطبيعة الجبلية الخلابة لمناطق الطويين عامة، ومنطقة الريامة خاصة، والطقس المعتدل صيفاً، والبارد شتاء، يساعدان على نمو الأزهار والنباتات، وتنوع الأشجار البرية، وانتشار العسل البري بالمنطقة بشكل كبير، وهذا ما أسهم في تشجيع الأهالي على البحث عنه على مدى أيام السنة، لذلك أصبحت تربية النحل، والبحث عنه، وجمع خلايا النحل البري، من أنجح المشروعات في منطقة الطويين، التي يشتهر فيها أهالي الريامة، وذلك للسعر العالي للعسل البري، وزيادة الطلب عليه داخل الإمارات وخارجها، حيث تعرف مناطق الطويين كافة، بأنها موطن العسل البري بأنواعه المختلفة.
ويشير التكلاني إلى أن هناك ثلاثة أنواع من نحل العسل، التي تعيش في مناطق الطويين وبصورة برية، أهمها النحل الجبلي، الذي يسكن الكهوف في الجبال بسبب الحر، ويتميز هذا النوع بالشراسة، ويعد أكبر أنواع النحل حجماً، وهناك نوع آخر يسمى القزم، وهو أصغر الأنواع، ولكنه نادر جداً في المنطقة، أما النوع الثالث فهو الذي يسكن الأشجار وخاصة أشجار السمر والسدر، ويسكن الجحور، ويبني بيته من أقراص عدة، ولا يتحمل البرد الشديد.
ويؤكد التكلاني أن عسل النحل البري، الذي يسكن في كهوف جبال الطويين يتميز بلونه الذهبي، وذلك لأنه يتغذى على النباتات البرية، مثل الزعتر والقصين والحمر والزعفران، وبعض الأشجار كالسدر والسمر، ما يجعله يتميز بالجودة والنقاء، كما يستخدم لعلاج بعض الأمراض التي تصيب الإنسان، ويساعد العسل البري على النشاط والحيوية، ويعالج الجروح وأمراض الصدر، وبعض الأمراض الخبيثة. وأوضح أنه يرجع انتشار نحل العسل البلدي البري في كهوف الجبال بالمنطقة للظروف الملائمة، خاصة أيام الحر الشديد، لوجود النباتات والأشجار البرية المتنوعة التي يعتمد النحل عليها في الغذاء، ولامتهان أهالي المنطقة الطرق الصحيحة لجني العسل، والطرق السليمة للمحافظة على خلايا النحل البرية والعناية بها.