ندوة "الخليج" تناقش إشكاليات معارض الكتب

انخفاض معدلات القراءة في مقدمتها
05:24 صباحا
قراءة 18 دقيقة
احتفل معرض الشارقة للكتاب هذا العام بمرور ثلاثين عاماً على بدء دورته الأولى عام ،1981 حيث بدأ بعدد صغير من دور النشر العربية في تلك الفترة، ثم تحوّل إلى حدث ثقافي كبير ومميز على مستوى الوطن العربي، وتطور المعرض من مجرد معرض للناشرين، إلى احتفالية ثقافية سنوية تقام فيها الندوات والمحاضرات والدورات التدريبية، ويتم فيها توقيع الإصدارات الجديدة من الكتب، والالتقاء بالأدباء والمفكرين والكتّاب المعروفين، وبدت كثير من دور النشر العربية حريصة على إطلاق بعض إصداراتها الجديدة في المعرض، وإلى جانب معرض الشارقة هناك معارض كتب أخرى في الإمارات، استطاعت أن تتبوأ مكانةً مميزة بين معارض الكتب العربية، وأهمها معرض أبوظبي للكتاب، إضافة إلى المعارض المنتشرة في دبي ورأس الخيمة وعجمان وغيرها . هذا الحراك في مجال معارض الكتب أسهم في الدفع لتأسيس العديد من دور النشر المحلية في السنوات الأخيرة والتي طرحت العديد من إنتاجاتها الأدبية والعلمية، وتوّجت هذه الإنجازات بتأسيس رابطة الناشرين الإماراتيين . ورغم هذه النجاحات فإن البعض يقدم ملاحظات على مسيرة معارض الكتب في الإمارات والوطن العربي، مثل ارتفاع الإيجارات، الأمر الذي يؤدي إلى قيام الناشر برفع أسعار الكتب لتعويض الفوارق المادية، وإحجام العديد من الناشرين عن الحضور، وتوكيل دور نشر أخرى أو مكتبات محلية لتحل محلهم، في الوقت الذي يطالب فيه البعض بأن تأخذ معارض الكتب دوراً أكبر في تشجيع الناشرين والمؤلفين الإماراتيين من خلال تخصيص أماكن لهم بأسعار تفضيلية . وتسعى هذه الندوة إلى تسليط الضوء على تجارب معارض الكتب في الإمارات وبلدان الوطن العربي .

** د . محمد الفارس: نشكركم على الحضور، وفي بداية الحديث نود تسليط الضوء على المشكلات التي يعانيها الناشرون في معارض الكتب، لكن قبل ذلك، من المهم أن نسمع من عائشة العاجل عن معرض الشارقة الدولي للكتاب .

** عائشة العاجل: معرض الشارقة الدولي للكتاب بدأ عام ،1981 وهذه الدورة هي الثلاثون المعرض، والحقيقة أنها تتميز بإنجازات كثيرة، مثل تجربة اللقاء المفتوح خلال اليومين الأولين لافتتاح المعرض، التي شملت تبادل حقوق الملكية الفكرية والاتفاقيات حول موضوع الترجمة، وأيضاً منحة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي قدرت ب300 ألف دولار أمريكي، لصندوق الترجمة، ونحن في اللجنة الإعلامية باعتبارنا اللجنة المنظمة لمعرض الكتاب، انبهرنا من تجربة المعرض التي تمت مقاربتها مع التجارب العالمية، مثل معرض فرانكفورت ومعرض أمريكا للكتاب . ومن الأمور اللافتة في فترة انعقاد المعرض، هو عدد الفعاليات والأنشطة المصاحبة له، التي تربو عن 350 فعالية ونشاط، خلال 10 أيام فقط، وهذه الفعاليات غير موجودة بهذه الكثافة في أي معرض آخر للكتاب، سواء على النطاق العربي أو الدولي، إضافةً إلى أن ضيوف الشرف هذا العام، كان لهم نشاط فاعل في المعرض، ناهيك عن الحراك الفاعل في المعرض، الذي أثر بشكل أو بآخر من خلال النشرات اليومية، وهي نشرات متخصصة قدمتها المملكة العربية السعودية، ونشرة همزة وصل .

** ناصر جروس: لقد حضرنا وشاركنا في معرض الشارقة الدولي للكتاب، ومن المهم الحديث عن التطور المستقبلي للمعارض، لأن مفهومنا عنها اليوم في الوطن العربي هو مفهوم خاطئ، فالمعارض عندنا في الوطن العربي تتمثل في بيع الكتب للقارئ والجمهور، بينما في الدول الغربية، تعتبر مكاناً للعرض ولعقد صفقات بيع وشراء، وهذا الأمر حتى اليوم، ليس موجوداً في الوطن العربي، أي أن كل المعارض في الوطن العربي هي للبيع، والشارقة حققت خطوة هذا العام، بإقامة برنامج مهني لمدة ثلاثة أيام، يسبق المعرض، وهذه التجربة بحاجة إلى المزيد من الدروس والعمق، ونحتاج إليها في الوطن العربي، لأنه إذا أردنا تطوير إنتاجنا وأسواقنا، فإنه يجب علينا الاهتمام كناشرين، بعملية تطوير المهنة وتطوير الناشر، لأنه في كل بلدان العالم الأخرى، الناشر لا يذهب إلى المعرض حتى يبيع كتبه، وإنما هناك موزع وهناك مكتبة ووكيل يقوم بعلمية البيع والشراء . فالناشر يأتي إلى المعارض الدولية للقاء الناشرين الآخرين والتعرف إليهم والبحث في تطورات المهنة . لكن لماذا في الوطن العربي نشارك في المعارض ونبيع كتبنا؟ الجواب لأنه لا توجد شركات تقوم بتوزيع الكتب للناشرين خلال أيام السنة، ولذلك يضطر الناشر للذهاب إلى المعرض وبيع كتبه، ولو كانت هنالك شركات توزيع للكتاب، لكانت الأمور مختلفة، وأصبح الناشر يأتي للمعرض للبحث في أموره المهنية وتطوير أدواته، ولذلك فإن الخطوة التي أقامتها الشارقة هذا العام، بتخصيص ثلاثة أيام لمعرض مهني قبل بدء فعاليات المعرض الأخرى، تعتبر خطوة إيجابية، ونأمل أن تتطور في المستقبل . أما المشكلات التي نواجهها كناشرين، هذا إذا عدنا إلى عملية البيع والشراء داخل المعرض، فهي أن الناشر يشكو الكلفة، والرقابة على الكتب بين البلدان العربية، حتى لو كانت بعض دور النشر، وهذا لم يعد مقبولاً به اليوم، في ظل عصرنا الحالي .

** محمد صالح المعالج: المعرض بالنسبة لنا هو البوابة لدخول الدولة التي يقام فيها المعرض، والمشكلة أن هناك عقلية للأسف لا تزال سائدة عند الإخوان الناشرين، وهي أن المعرض يجب أن يكون لبيع الكتب، وأن يربح الناشر الأموال ويسترجع نفقاته، وهذا من حقه، لكن صراحةً هذا لا يعتبر الهدف الأساسي، وإنما وجودنا في المعارض يجب أن يكون صلة ربط بين الناشر والموزعين وكافة المتداخلين في مهنة الكتاب، من كتّاب ومصورين وموزعين . . إلخ، وتعتبر المعارض الغربية بحق مهنية، فهي ليست لبيع الكتب، لأن هذه الدول ليست عندها مشكلات في توزيع الكتاب، وهناك قنوات متخصصة في توزيع الكتاب، لكن للأسف في الوطن العربي، لا توجد لدينا قنوات، وتصبح القناة الرئيسية لتوزيع الكتاب لدى الناشر هي المعارض، وهذا هو أصل المشكلة، ويمكن إيجاد حلول عبر إنشاء قنوات وشركات مختصة بتوزيع الكتاب في الوطن العربي .

** د . محمد غياث مكتبي: أثني على حديث زملائي، لكن لدي بعض الملاحظات، أولاً ما هو هدف المعرض؟ ثم عليّ أن أضع آليات الوصول إلى الهدف، فهل المعرض مخصص لكي يربح الناشر أم يربح المنظم؟ هل يا ترى حينما يرفع المنظم السعر، فهو بذلك يدعم الناشر وكما يقول بعضهم، إن هذا المنظم يريد التصفية والتنقية، أم للقضاء على الناشر الناشئ والجديد؟

لقد أصبح المثقفون والقارئون يفاوضون الناشر لكي يحصلوا على أفضل الأسعار، وبالتالي مقولة أن يرفع الناشر أسعار الكتب لتعويض الفوارق المادية، غير صحيحة، فنحن نطالب بتخفيض الأسعار، لكي يكون هناك مكان للناشر الجديد في المعرض .

** وفاء ثابت المزغني: طرح غياث مكتبي سؤالاً حول لمن الربح، هل هو للناشر أم للمنظم؟ الحقيقة أنها معادلة صعبة، ومن تجربتي مديراً لمعرض صفاقس لكتاب الطفل، من الصعب الحديث فقط عن ربح الناشر، لأن منظمي المعرض في دولة مثل تونس مثلاً، وإمكاناتها ليست قوية، هناك أجور وحسابات وتوفير خدمات، وهي معادلة صعبة .

** أسماء الزرعوني: منذ انطلاق معرض الشارقة للكتاب عام 1981 وأنا أتابعه، وحينما أعود إلى تلك الفترة وأقارنها بالآن، أقول إن هناك تطورات كبيرة وملموسة، وككتاب ومؤلفين نسعد بانعقاد المعارض، خاصةً معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي يخصص أكثر من 200 نشاط ثقافي، إضافة إلى المقاهي الثقافية، لكن مع الأسف بالنسبة لموضوع التوزيع في الإمارات فهو غير موجود، وكتبنا في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات موجودة في المخازن، وننتظر معرض الشارقة أو معرض أبوظبي للكتاب، حتى نخرجها لعرضها للقراء .

** تامر سعيد فؤاد: هذا الحديث الذي قيل، تناوله أساتذتنا الناشرون مراراً وتكراراً، لكن لم تكن هنالك أية خطوات فعلية، والحل من وجهة نظري أن نقوم بتأسيس شركة توزيع عن طريق اكتتاب، وننتخب مجلس إدارة لفترة من الزمن، على ألا تكون مهمة الشركة توزيع الكتب وحسب، وإنما فتح منافذ بيع للكتب .

أحمد سفيان أبو طوق: أجزم بأن الخلل الرئيسي في صناعة الكتاب هي شركات التوزيع المختفية في وطننا العربي، لكن حتى لو وجدت هذه الشركات، فأين المكتبات في وطننا العربي؟ إذا أردت اليوم تأسيس شركة توزيع في الإمارات، وأجرينا إحصائية حول عدد المكتبات، فإننا سنجدها قليلة والتي كانت تبيع الكتاب هي اليوم تبيع القرطاسية، ففي عام 1981 حينما تأسس معرض الشارقة للكتاب، كانت في الشارقة مكتبات أكثر من وقتنا هذا، لذلك إذا أسست شركات توزيع فأين منافذ البيع إذاً؟ الخلل يعود في عدم وجود مكتبات لبيع الكتب، وكما ذكرت سابقاً، أن المكتبات في الوطن العربي وليس في الإمارات وحسب، جميعها تتحول إلى بيع القرطاسية والأدوات المكتبية والكمبيوتر .

لكن نعود ونقول أين الخلل؟ الجواب أنه لا يوجد قراء، ولا يوجد هناك أناس يأتون إلى المعرض، ومنذ عدة سنوات نشارك في معرض الشارقة، لكن الوجوه هي نفسها والمثقفون أصبحوا معروفين لدينا، ولا يوجد تطور أو توسع في رقعة القراء، والملاحظ على سبيل المثال، أن دور النشر الهندية، مبيعاتها أضعاف دور النشر العربية في المعرض .

** د . حصة لوتاه: لقد عاصرنا هذا المعرض منذ انطلاقته، والحقيقة أنه أسهم في تدعيم الحركة الثقافية هنا في الإمارات، وأعتقد أن كثيراً مما قيل، يعود بالدرجة الأولى إلى نقطة قد نتفق عليها جميعاً، ألا وهي أزمة القراءة، فالقضية ليست في معرض الكتاب، وإنما هناك مثلاً مما يعرض لا يضيف شيئاً للقارئ، وبالتالي يتركه ويذهب، وهذه نقطة واردة، حتى في كتب الأطفال، وفي بعض الكتب المترجمة التي تكون ضعيفة، وهناك الكثير من المآسي في هذه الصناعة نفسها، لكن قضية القراءة هي الأساس، وتعود إلى عوامل عدة، إذ لاحظنا عن طريق الجامعات، أن القراءة خارج المنهج غير موجودة، وهذه تعود بالدرجة الأولى إلى الأساتذة، قبل أن تعود إلى الطلبة، فقد صادفت أساتذة لا يقرأون حتى الجريدة، فما بالكم بالكتاب، وأقترح كنقلة نوعية لهذا المعرض، بأن تلزم الشارقة جامعاتها بآلية للتعاطي مع الكتاب، مثل فرض عملية القراءة عن طريق الجامعات، وعن طريق المدارس، وشاهدنا تجربة في العين قام بها مركز الشيخ محمد بن خالد، إذ أقاموا سباق القراءة لطلبة المدارس، وهناك بعض الطلاب أنجزوا قراءة 1000 كتاب في السنة، وهي فكرة مهمة جداً، ثم إن مكتبات الجامعات فقيرة، وأقول إن الأساتذة يشكلون الحلقة الأساس في العملية التثقيفية والتوعوية، لأن الأستاذ الذي لا يقرأ سينقل هذه العادة إلى الطلاب .

** د . عمر عبدالعزيز: الناشر في الوطن العربي هو الخلية الحيوية التي لا تغذي المعارض وحسب، وإنما تغذي صناعة الكتاب وفن صناعة الكتاب، وأيضاً الثقافة، وأعتقد أن أمام الناشرين العرب سلسلة من المهام الضرورية، أن يكونوا أكثر حيوية وقدرة على التفاعل مع المعطيات الجديدة على الأرض، وبالتالي أمام الناشرين أسئلة كبيرة عليهم الإجابة عنها، منها على سبيل المثال، كيفية التفكير في إحياء المكتبات العامة، فما هي الطريقة المثلى في هذا الزمن بأن نعيد المكتبات بكيفية ما، حتى بالتزاوج مع أشكال أخرى من التسويق؟ ذلك أن المكتبات تضمر بشكل كبير في الوطن العربي، ومن المهم العودة إلى الناشر الذي ينتمي إلى الثقافة العالمة، وهذا الناشر كان متوافراً في الوطن العربي لزمن طويل، ولا يزال بعض الناشرين بهذا الشكل، أي الناشر الذي يتتبع فن تأليف الكتاب، وما هو الكتاب المطلوب والجديد، وليس الذي يتعاقد على طبع هذا الكتاب، وهذه واحدة من المهام التي تقع على عاتق الناشرين، وإذا وقفنا أمام سلسلة العناوين الجديدة التي تنشر، فإننا سنجد أن جزءاً أساسياً من هذه العناوين ضعيف المحتوى وضعيف المعالجة والتأليف، وفيه أخطاء كثيرة جداً، وأيضاً ضعيف في ما يتعلق بسيكولوجيا التعامل مع القارئ العصري، الذي لم يعد يطيق على سبيل المثال نفساً معيناً في التأليف، فالناشر الذي ينتمي للثقافة العالمة مهم جداً في هذا الوقت، وأشعر بأن هناك بعض الناشرين الذين ينتمون إلى أجيال سابقة، لا يزالون يتمتعون بهذه الروحية، لكن أيضاً هناك جيلاً جديداً من الناشرين يتعامل مع الكتاب باعتباره سلعة مجردة، وهذه مشكلة كبيرة، وهذا ينعكس على طريقة التأليف والإخراج، وعلى مدخلات الكتاب، وعن طريق تصفح وتتبع الكثير من الكتب التي تنشر في أوروبا وغيرها من بلدان العالم، هناك ما يسمى الكتاب الفقير والجميل الرشيق، الذي يؤدي رسالة، أي الكتاب الشعبي، والحقيقة لم يعد الكتاب الشعبي اليوم مثل الكتاب الشعبي الذي كنا نعرفه في الستينات، فوسائل الطباعة تطورت إلى الدرجة التي يمكن أن تقدم كتاباً في غاية الجمال، وبسيطاً وغير مكلف . الجانب الآخر المهم، وهو كيف يمكن أن يتعامل الناشر مع معارض الكتب، وبالذات معرض الشارقة الدولي للكتاب، على قاعدة أن هذا معرض، ليس بازاراً فقط، وإنما هو عبارة عن سوق كتاب، وهذه قد تكون واحدة من حسنات معارض الكتب في الوطن العربي، لأننا نفتقر إلى قنوات أخرى لإيصال الكتاب .

** باسمة يونس: لدينا في وزارة الثقافة خطة إصدارات تتنوع بين تقديم إبداعات الشباب الجدد والموهوبين، إضافةً إلى طباعة كتب التراث، وإصدارات فكرية وثقافية عامة، كما لدينا أيضاً ترجمات، وللوزارة وجود ليس في معارض الكتب في الإمارات وحسب، وإنما في كافة الدول العربية والأجنبية، للعرض أو الترويج للكتاب الإماراتي بشكل خاص، أو للخروج بالأدب والثقافة الإماراتية إلى الخارج، وحضورنا للمعارض ليس بهدف الربح، ونحن في الوزارة نعرف معنى المعرض تماماً، إذ هو يقتصر على عرض الكتاب والترويج له، والجميع تحدثوا عن دور المعرض وأهمية الكتاب وأهمية التوعية الثقافية، والمعرض يشكل وسيلة واحدة، في نشر الوعي الثقافي، والوعي لا يقتصر على وقت محدد، إذ قد يتوقف المعرض لأسباب معينة مثلاً، لكن هذا لا يعني أن تتوقف عن نشر الوعي الثقافي في المجتمع أو في أي مكان، ويجب على المؤسسات التعليمية، أن تكون لديها خطة شراء كتب معينة ومحددة لرفد مكتباتها وتوعية طلابها، لا أن يذهب الطلاب إلى المعرض يتنزهون بين الردهات لتضييع الوقت .

إن إعلانات التجميل تطغى على إعلانات القراءة والكتب في الشوارع والصحف، وتخيلوا كم الإعلانات عن الفنانات والمطربات والمجوهرات، في حين لا توجد إعلانات عن لقاء مع كاتب قبل أن يصدر كتابه، أو عن مضمون كتاب ما، وهذه هي التوعية الفكرية، والمعرض يجب أن يكون نتيجة أخيرة لهذه التوعية والتي تمتد على طوال العام، في المنازل والمؤسسات الرسمية والمجتمعية .

** ماجد بوشليبي: كم عدد المطبوعات التي تصدرها وكم توزع هذا إذا كانت لدينا أحسن الشركات في العالم؟ ثم إننا ننشر الكتاب، لكن لا نستطيع أن نفرض على شخص ضرورة شرائه .

وتجربة تونس جيدة جداً في طباعة كتب الطفل، فهناك بعض دور النشر معنية بالناس وبثقافة الطفل، لكن في المقابل توجد بعض الكتب غير معنية بالناس، لدرجة أن الكثير منهم يضعون المكتبات للديكور، وحينما يتحول الكتاب إلى عشق وحب فإننا سنتحدث عن النشر، لكن إلى الآن لم يتحول الكتاب إلى هذه المرحلة، ونحن نعجز فعلاً عن إيصال الكتاب إلى الناس وهذه النقطة هي الرئيسية، والآن كل العالم دخل من باب جديد يسمى الاقتصاد الإبداعي أو اقتصاد المعرفة .

هناك بعض الأمور تتعلق بسياسة وثقافة التوزيع، فنحن نتحدث دائماً عن عدم وجود سياسة توزيع صحيحة، لكن أين سيتعلم الناس هذه المفاهيم ومن أين يحضرونها؟ والناشرون ليس لديهم القدرة على تبني كل شيء، والحكومات معنية تربوياً برفع مستوى ورفاهية الشعوب، لكنها ليست معنية بإرباح الناشرين، والدكتورة حصة قالت إن التربية لا تعلم القراءة، وحصة المكتبة العامة حولت إلى الكيمياء والفيزياء والأحياء، ومعظم الطلبة يذهبون إلى التخصصات الأدبية، والنتيجة لا يوجد طلبة علماء ولا أدباء، وأذكر أننا أقمنا في مؤسستنا دورة عن عقدة النحو، وإذ بالصالة مكتظة، لأن الجميع عندهم عقدة النحو، وأردنا أن ننظم برنامج حسن خطك، فإذا بالصالة ممتلئة، لأن أغلب من يكتبون خطوطهم غير جميلة، ولذلك هناك أولويات نفتقدها، والكتاب يأتي في آخر هذه الأولويات .

عبد المحسن الحارثي: أنتمي إلى مؤسسة ثقافية رسمية مرتبطة بوزارة التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، وأقيم في دولة الإمارات ومتابع دقيق للأنشطة الثقافية التي تقام فيها، ومنها معارض الكتاب، والعناوين التي أمامي تخص ما يجري في الإمارات عن طريق دور معارض الكتب في نشر الوعي الثقافي في المجتمع، وهذا جزء من المجتمع العربي، وبالتالي ما يعانيه المثقف أو الطفل في الإمارات، يعانيه المثقف أو الطفل في الوطن العربي، مع فوارق الدعم وفوارق الترتيبات التي نراها سواء في الشارقة أو القاهرة أو الرياض، على سبيل المثال . معرض الشارقة الدولي لهذا العام، أتاح لنا فرصة نحن في المملكة العربية السعودية، بأن نكون ضيوف شرف فيه، وقدرنا هذا التشريف والتكريم من قبل حكومة الشارقة، وعلى رأسها صاحب السمو حاكم الشارقة، لأن في ذلك اعترافاً بالدور الثقافي في المملكة، لكنني فعلاً دهشت كثيراً من المفارقة العجيبة، فحينما نقيم برنامجاً ثقافياً في الجناح السعودي لا يحضر أحد، وحينما تقيم جمهورية الهند محاضرة أو ندوة، فإنك لا تستطيع أن تدخل الخيمة أو الصالة نتيجة لكثافة الحضور .

** جهاد أبو حشيش: ربما ابتعدنا ولو قليلاً عن المحاور الرئيسة للندوة، وربما يكون كل ما قاله الزملاء بحاجة إلى دراسات مستفيضة، وسأسأل بدايةً: هل الناشر وحده هو المعني بإنشاء استراتيجية ثقافية في المجتمع، أم هو أحد المساهمين الرئيسيين في هذه المعادلة؟ أليست المؤسسة الرسمية هي المعني الرئيس ولا أقل هنا دعمها، بل ضرورة ما تقوم به، من أجل بناء مجتمعها، كمجتمع راقٍ ومتطور، عندما يتقدم ناشر بالترخيص في ألمانيا على سبيل المثال، نجد أن هناك أكثر من جهة تدعمه، وتمنحه أكثر من هبة مالية ليبدأ قوياً، وفي الدول العربية، نحاول بطريقة أو بأخرى أن نجعل الناشر هو الداعم الرئيس للكثير من المؤسسات، والكثير من الناشرين الناشئين يأتون إلى معارض الكتاب وغالباً ما يعودون لينهون دور نشرهم .

** د . نبيل أبو حلتم: لاشك في أن الكتاب يمر بمرحلة احتضار، خاصةً الكتاب الورقي، وهذا واقع وعلينا الاعتراف به كناشرين عرب .

** سعيد البرغوثي: أبدأ بالتعبير عن إحباطي الشديد الذي يقترب من اليأس، بالنسبة لمعظم معارض الكتب العربية، وحينما أقول المعارض العربية، فإنني أعني الثقافة بشكل عام، التي هي مأزومة، والكتاب بشكل عام الذي هو مأزوم، والموضوع لا يمكن إنقاذه عبر معرض ولا عبر مكتبة، والآن هناك أزمة في الثقافة وأزمة في الوعي، وحينما نتحدث عن المكتبات، ولا توجد هناك ثقافة لاقتناء الكتاب، فما هي الفائدة من هذه المكتبات؟ وحينما نتحدث عن معارض، ولا يوجد هناك من يؤمنون بهذه المعارض، بهدف اقتناء الكتاب وقراءته والاستفادة من مضمونه، وتوظيف تلك المعرفة الجديدة، إما في مجال جمالي أو مجال إنتاجي . . إلخ، الهدف إذاً من أي قراءة سواء أكانت مدرسية أو جامعية أو عامة، هو اكتساب معرفة جديدة، يجب أن توظف في مجال الإنتاج في المجتمع، وعندما يفتقد هذا الجانب تكون هناك مشكلة كبيرة .

هيثم حافظ: نعيش في مجتمع فيه الكثير من المشكلات العديدة، وفي وقت نطلب فيه خفض النفقات، نجد في مجتمعنا العربي تزيد الرسوم في كل شيء، كما أننا نطالب برفع الرقابة عن المعارض، وبعض الوزارات في الوطن العربي تزيد من الرقابة، وبالتالي هذه معادلة ليست سليمة ولا إيجابية، على الرغم من أن المعارض هي البوابة الأساسية والأولى، التي أصبحت للناشر، لماذا؟ لأنه لا يوجد لدينا شركات تسويق أو توزيع، لكن لماذا لا يوجد لدينا مثل هذه الشركات؟ وهل نحن كعرب ليس لدينا القدرة أو القناعة لتأسيس شركة تسويق؟ الحقيقة أن شركات تسويق الكتاب في الوطن العربي خاسرة، وليست عملاً استثمارياً، وليست عملاً مجدياً، والدليل على ذلك، أن هناك شركات تسويق للمجلات والصحف في كل دولة، لماذا؟ لأن البضاعة تباع، والأسواق مهيأة لها، ولديها مراكز تسويق . إذاً مشكلتنا ليست في عدم وجود شركة تسويق، ولا في عدم وجود شركة توزيع، وإنما مشكلتنا في الوطن العربي أنه ليس لدينا مكان للبيع، ولا لعرض هذا المنتج، أما المعارض في العالم الغربي فهي للعرض والبيع، لأنه لديهم الكثير من مراكز التسوق، وبالتالي مجتمعنا العربي لا يقرأ، لكن لماذا مجتمعنا لا يقرأ أو عزف عن القراءة منذ 100 عام على سبيل المثال؟ أقول إن المشكلة ليست مشكلة ناشر ولا قراءة ولا طباعة، المشكلة أنه ليس لدينا كاتب إبداعي ولا عمل متميز، ولماذا لا يوجد لدينا في الوطن العربي كتاب بيع منه أكثر من نصف مليون نسخة؟ لأنه ليس لدينا كاتب متميز، والحقيقة أن أكثر الكتب مبيعاً في الوطن العربي، هي كتب الطبخ والترجمة أو كتب الأطفال، وأكرر مرةً أخرى أنه ليس لدينا كاتب عربي ينقل معاناة المجتمع .

** وفاء المزغني: في تسويق أي منتج، هناك نظريتان، الأولى أن ننشئ المنتج ونسعى لتسويقه، ثم إنشاء منتج يراعي متطلبات السوق، فهل الناشرون في البلدان العربية يراعون ذلك؟ وهل هناك استراتيجية واضحة في الوطن العربي، لدراسة الميول القرائية، مع مراعاة خصوصية كل بلد؟ هذا مع الأسف غير موجود .

** د . محمد الفارس: ما هي حقوق المؤلف بالنسبة للناشر، خاصةً أن الملاحظ نتيجة للتعامل مع الكثير من دور النشر، أن المؤلف ليس لديه أي حقوق، وأن دار النشر تعتبر أنها تفضلت على الكاتب حينما تنشر كتابه، وتبين أيضاً أن هامش الربح لدى دور النشر قليل، ومعظم الربح يذهب إلى الموزعين .

د . نبيل أبو حلتم: الحقيقة أن الناشر دائماً متهم من قبل المؤلف، لكن المشكلة ليست في الناشر، وعندما أريد طباعة كتاب مثلاً، فلابد أن يكون هناك عقد ملزم للطرفين، بين المؤلف والناشر، وهناك عدة طرق للنشر، إما على حساب المؤلف أو مشاركة بين المؤلف والناشر، أو بنسبة معينة يتقاضاها المؤلف من الناشر، لكن أغلبية الكتاب أو المؤلفين يستعجلون تقاضي الحقوق، وحينما أطبع 1000 نسخة من كتاب مثلاً، فإنني أعاني في توزيع هذه النسخ، حيث تحتاج بحاجة إلى سنوات عدة حتى توزع، وبالتالي حقوق المؤلف محفوظة لدى الناشر، لأن هناك عقداً بين الطرفين .

عائشة العاجل: هناك جمعية الناشرين الإماراتيين، هي المؤسسة التي يستطيع عن طريقها الناشر الإماراتي أن يلجأ لأية مؤسسة أو مكتبة أو دار نشر، لحفظ حقوقه وملكيته وأيضاً لفسح المجال من أجل نشر وتوزيع الكتاب، وبالتالي هناك فائدة للناشر، بأنه بدلاً من أن يقوم بنشر الكتاب بطريقة فردية، بأن يلجأ إلى هذه المؤسسة وبالتالي يستفيد أكثر .

** د . محمد غياث مكتبي: لا أتفق من يقول إنه ليس هناك كاتب عربي متميز، والحقيقة يوجد كتّاب ومبدعون، ونحن في دور النشر لدينا الكثير من الكتّاب، فكتب التراث والتاريخ يجب أن نظهرها للآخرين بشكل جميل، كما يظهرون هم تاريخهم، مثل شكسبير . . إلخ ولذلك لدينا تاريخ يجب أن نظهره بشكل جيد، وأقترح توصية بأن تدعم صحيفة الخليج الكتّاب، بحيث يتم إصدار نشرة ضمن الصحيفة، لأحدث إصدارات الكتب، على أن يقوم الناشر في الوطن العربي بإرسال نسخة من كتابه، وبالتالي يتم التعريف بالكتب في الوطن العربي، وليس في الإمارات وحسب .

** د . حصة لوتاه: جميعنا متفقون على أن أزمة القراءة والكتاب هي أزمة مجتمعية، وأن معظم بلداننا بشكل أساس معنية بهذه المسألة، نحن نشأنا كجيل شغوف بالقراءة، حيث كانت تشكل الأساس في حياتنا، لكن لماذا تراجعت اليوم في عصر نتوقع فيه انتشاراً أكبر للكتاب وسهولة الحصول عليه، لقد عشنا في فترة تقل فيها المكتبات، وكنا نضطر للسفر إلى بلدان عربية مختلفة حتى نحصل على الكتاب، ولذلك من المهم توعية المعلم وإيجاد معلمين يمتلكون الرغبة في المعرفة والثقافة المطلوبة لإيصال المعلومات للطلبة وتنشيطهم على القراءة، من جانب آخر ألاحظ أن بعض وزارات الثقافة في البلدان العربية، أسهمت في تراجع قيمة القراءة أو المعرفة أو الفكر في دولها . أيضاً في وسائل الإعلام، ألاحظ أن هناك مقدمين ومذيعين ومخرجين، لا يمتلكون من المعرفة في مجالهم، ما يجعلهم مؤثرين، فما بالكم في المجالات الأخرى؟ وأعتقد أن هذه عملية متكاملة، ليست قضية ناشر أو كاتب، وإنما قضية مجتمعية، والمسؤولية تقع على عاتق الكل في توعية المجتمع .

** ناص جروس: توصلنا إلى نتيجة مشتركة، بأن أساس الأزمة هو عادة القراءة في المجتمع العربي، ولذلك على الحكومات والمؤسسات الثقافية الاهتمام بعملية القراءة والتوعية والمجتمعية، بحيث تكون لدينا سياسة تنموية لتشجيع المطالعة وتمكين الطفل الذي عمره 5 أعوام من القراءة واعتبارها عادة يومية يمارسها، وعدا ذلك سنظل نشتكي ضعف معدلات القراءة وغياب الثقافة، ثم إن هناك ناشرين مبدعين وشباباً رائعين في الوطن العربي، ينتظرون الفرص والمناسبات، وهناك جوائز أدبية مهمة الآن في الوطن العربي، ومنها في دولة الإمارات، لاكتشاف المواهب، وعلينا تشجيع هذه المواهب لأنها المستقبل، وهي التي تعطي صورة حقيقية عن الثقافة العربية .

محمد صالح المعالج: مشكلة المجتمع العربي في الأصل هي القراءة، وقد قمنا في تونس على سبيل المثال، بتخصيص حصص للمطالعة في المدارس الابتدائية، لأن الطفل حين نرغبه في المطالعة يصبح محباً للكتاب، وبالتالي نُكون مجتمعاً قارئاً .

** جهاد أبو حشيش: بالنسبة لمسألة وجود الكاتب المبدع، لماذا ننشر إذا كنا لا نؤمن أصلاً بوجوده؟ هناك كتّاب عظماء في الوطن العربي، لكن لا أحد يهتم بهم، وهناك بعض الناشرين يهتمون بشكل حقيقي بهؤلاء الكتاب، لكن تنقصهم إمكانات مالية كبيرة، وحينما طلبنا من وكيل أدبي، تسويق كتاب في أوروبا، طلب نصف مليون دولار .

توصيات الندوة

1- إنشاء شركات ومنافذ مختصة في توزيع وتسويق الكتب وضمان وصولها إلى القارئ العربي .

2- دعوة الحكومات والمؤسسات الثقافية إلى الاهتمام بعملية القراءة والتوعية المجتمعية .

3- دعوة إلى إلغاء الرقابة على الكتب، خصوصاً في ظل عصر التكنولوجيا والمعلومات .

4- إيجاد آلية لإلزام القراءة خارج إطار المنهاج الدراسي .

5- الاهتمام بجيل الأطفال، وتعويدهم القراءة اليومية، وجعلها عادة عن طريق أساليب تتبع في المدارس وضمن مؤسسة الأسرة .

6- الاهتمام بالكتاب من حيث المحتوى والمعالجة والتأليف، وسيكولوجيا التعامل مع القارئ العصري .

7- تغيير مفاهيم وفلسفة التعامل مع الكتاب العصري عبر إعطاء الأهمية والاعتناء بالكتاب الرقمي .

8- تسويق الكتاب في الإعلام ودعمه في الإعلانات، وتخصيص صفحة في الجرائد المختلفة لنشر آخر الإصدارات من الكتب العربية الجديدة وتعريف الجمهور بها .

9- تخصيص مساحات أوسع لدور النشر والمطالبة بتخفيض الأسعار في ما يتعلق بتأجير أجنحة الكتب في المعارض .

10- تجنب تكرار الأسماء الثقافية المستضافة في المعارض المقبلة، وإيجاد فعاليات ثقافية نوعية .

11- استحداث محفزات للناشر والكاتب لإيجاد كتاب متميز.

المشاركون في الندوة

أحمد سفيان أبو طوق

الأهلية للنشر والتوزيع

أسماء الزرعوني:

نائبة رئيس اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات

باسمة يونس

رئيسة التأليف والنشر والرقابة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع

تامر سعيد فؤاد

مدير تطوير الأعمال في دار كلمات

جهاد أبو حشيش

مدير دار فضاءات للنشر

د . حصة لوتاه

جامعة الإمارات

سعيد البرغوثي

مدير دار كنعان للدراسات

عائشة العاجل

رئيسة قسم الإعلام بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة

عبدالمحسن الحارثي

مدير الشؤون الثقافية في الملحقية الثقافية السعودية

د . عمر عبدالعزيز

رئيس تحرير مجلة الرافد

ماجد بوشليبي

الأمين العام للمنتدى الإسلامي في الشارقة

محمد صالح المعالج

أستاذ جامعي وصاحب دار كنوز للنشر والتوزيع في تونس

د . محمد غياث مكتبي

ناشر وباحث، دار المكتبي في دمشق

ناصر جروس

جروس برس

د . نبيل أبو حلتم

مدير دار أسامة للنشر

هيثم حافظ

مدير عام دار الحافظ، وعضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب

وفاء ثابت المزغني

مدير وحدة بحث أدب الطفل في جمعية معرض صفاقس لكتاب الطفل

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"