هرم هوارة تاريخ حضارة منسية

شيد في عهد “امنمحات الثالث” وتم العثور عليه في العام 1889
20:30 مساء
قراءة 4 دقائق

من بين أكثر من 97 هرما تنتشر على طول المسافة من الجيزة الى حدود مدينة الفيوم المصرية، يحتل هرم هوارة موقعا متميزا، ليس فقط باعتباره ثالث هرم يتم بناؤه في مصر، بعد هرمي زوسر وميدوم، وإنما بما يكشف عنه من حضارة منسية قامت في تلك المنطقة من مصر، واستمرت لعقود طويلة، وكان من ابرز تجلياتها قصر اللابرنت الذي بني في عهد الأسرة الثانية عشرة الفرعونية، واعتبر أفخم بناء معماري في العالم، قبل أن تطمس معالمه الرمال وتعاقب القرون.

يقع هرم هوارة في تلك القرية التي تحمل اسمه، وتبعد نحو تسعة كيلومترات في الجنوب الشرقي لمدينة الفيوم، وقد كان الاسم المصري القديم للقرية هو حت وعرت الذي يعني موقع القدم، قبل أن يطلق عليها في عصور تالية اسم لابرنيس وهو اسم يعتقد كثيرون أنه مشتق من الاسم الأصلي لمعبد اللابرنت.

وتعد قرية هوارة واحدة من أهم القرى المصرية في مجال الآثار، فبخلاف وجود هرم امنمحات الثالث وقصره بها، إلا أنها تضم آثارا فرعونية أخرى لا تقل أهمية، لكنها اكتسبت شهرة دولية واسعة، بعد أن اكتشف فيها عالم الآثار الشهير بتري في نهايات القرن الثامن عشر، العديد من تصاوير الفيوم الشخصية التي يرجع تاريخها للقرن الأول، وحتى الثالث الميلادي في المقابر المحيطة بهرم هوارة.

والثابت عن هرم هوارة أنه شيد في عهد الملك امنمحات الثالث، وهو مبني من الطوب اللبن، قبل أن تتم كسوته من الخارج بالحجر الجيري، اكتشف لأول مرة في العام ،1889 ويبلغ ارتفاعه ما يقرب من 58 مترا، فيما يصل طول كل ضلع من أضلاعه إلى نحو مائة متر، وهو يضم مثل غيره من الأهرام المصرية التي بنيت في الأساس لدفن ملوك الفراعنة، حجرة للدفن تتكون من كتلة واحدة ضخمة من الحجر الكوارتسيت، يصل وزنها إلى نحو 110 أطنان، ورغم أن هذه الحجرة لم يكن لها باب معروف إلا أن لصوص الآثار في أحد الأزمنة غير المعلومة، نجحوا في الوصول إليها عن طريق فتحة في السقف على الأرجح، قبل أن يقوموا بنهب أهم محتوياتها.

وينظر كثير من خبراء الآثار في مصر إلى هرم هوارة باعتباره الأكثر تميزا بين العديد من الأهرام المصرية، فضلا عن كونه يكشف في الوقت ذاته تفرد بانيه الملك أمنمحات الثالث عمن سبقه من ملوك الدولة القديمة، فقد جعل مدخل الهرم الذي يحمل اسمه في الجهة الجنوبية، بدلاً من الجهة الشمالية التي اعتاد الملوك السابقون أن يجعلوا المدخل فيها، وقد فعل امنمحات الثالث ذلك بغرض تضليل اللصوص، حتى لا يتمكنوا من الوصول إلى مدخل الهرم الرئيسي بسهولة، ويقوموا بسرقة محتوياته.

بل إن امنمحات الثالث وإمعاناً في تضليل اللصوص صنع سلما طويلا، ينحدر إلى حجرة تبدو للوهلة الأولى كأنها مؤدية إلى حجرة الدفن، بينما الباب الحقيقي للغرفة يمكن للزائر الوصول إليه، عبر فتحة أرضية من ممر قصير، وقد كان هذا المدخل مسدودا بحجر ضخم يزن نحو خمسة وأربعين طناً.

وتتميز حجرة الدفن في هرم هوارة بكونها منحوتة في الصخر الأصم، وهي تتخذ شكلا مستطيلا، ويرجح الخبراء أن يكون قد وضع في تجويفها كتلة واحدة من حجر الكوارتسيت المصقول، قبل أن يتم تفريغ هذه الكتلة بدقة، حتى تتخذ شكل حجرة ذات جدران أربعة، يصل سمك الجدار الواحد فيها إلى نحو نصف متر، فيما يصل طولها إلى نحو سبعة أمتار.

ويتوسط تابوت الملك حجرة الدفن، وهو مصنوع من حجر الكوارتسيت المصقول، ويقول خبراء الآثار إن غطاء هذه الحجرة كان مركبا من ثلاث كتل من الحجر نفسه، تزن أكبرها حوالي 45 طناً، وقد تم بناء الهرم فوق هذه الحجرة وفق الطقوس الفرعونية القديمة، وبنيت الممرات الداخلية المنحوتة من الحجر الصلب، بطريقة فنية لتضليل اللصوص.

وتجاور مقبرة الأميرة نفروبتاح هرم هوارة، حيث لا تزيد المسافة بينهما على كيلومتر، بينما تقل المسافة كثيرا بين الهرم وبقايا قصر اللابرنت الذي كان معبدا لامنمحات الثالث، يضم 12 بهوا مسقوفا، ستة منها تتجه شمالا وستة تتجه جنوبا، فضلا عن 300 حجرة، نصفها أسفل الأرض وهي تضم ضريح الملك وأحزمة التماسيح المقدسة، ونصفها الآخر فوق سطح الأرض، وقد طمرت الرمال القصر فلم يتبق منه سوى بعض آثار أعمدة الطابق العلوي، فيما لم يتم اكتشاف الطابق السفلي حتى الآن.

وما يزيد من أهمية هرم هوارة في نظر الأثريين هو أنه الهرم الوحيد في مصر، الذي كان يضم مومياوين ملكيين، الأولى للملك امنمحات الثالث، والثانية لابنته نفروبتاح، ويقول هؤلاء إن الملك صنع لابنته تابوتا جميلا، وضعه معه في نفس الهرم حتى تدفن معه، مخالفا بذلك التقاليد القديمة التي تحتم أن يكون قبر الملك له وحده، وقد وضع هذا التابوت في الفضاء الذي تخلف بين قاعدة تابوت الملك وجدران الحجرة، وقد دفنت الأميرة فيه بالفعل قبل أن يهتدي اللصوص إلى حجرة الدفن، ويقوموا بسرقة كل ما كان حول الجثتين من ذهب، قبل أن يتلفوهما ويشعلوا فيهما النار، وهو الأمر الذي يكشف عنه بعض الآثار القليلة الموجودة في الحجرة، وتبدو عليها آثار التدمير، ومنها مائدة القرابين الموجودة حاليا في المتحف المصري، والمنقوش عليها اسم الأميرة.

ومنذ سنوات وهرم هوارة يتعرض لمخاطر جمة نتيجة الارتفاع الكبير في منسوب المياه الجوفية، وهي ذاتها المشكلة التي بات يعاني منها عدد كبير من الآثار المصرية، لكن الوضع يختلف كثيرا في الفيوم، حيث يبدو الهرم حاليا وكأنه يعوم فوق بحيرة من المياه الجوفية، بسبب قربه الشديد من بحر يوسف، حيث سبق أن أغرقت المياه مقبرة نفروبتاح ودمرت المومياء الخاصة بها والأثاث الجنائزي، ولم ينج من هذه الكنوز سوى عدد قليل من القطع الذهبية والفضيات.

_

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"