خلق الله الإنسان ورسم له طريق الحياة الكريمة والمعيشة الرغدة، فلن ينعم الإنسان بالاستقرار والسعادة من دون أن يؤمن بالله، ويؤدي ما عليه من واجبات دينية لكي تستقر نفسه، كما أوضح الخالق أن تعمير الأرض وتمهيدها للعيش الكريم هو مسؤولية الإنسان، فهو مطالب أولا بأن يتسلح بالعلم الذي من خلاله يستطيع أن يقوم بهذه المهمة . ولأن العلم وحده لا يقيم عمراناً ولا ينشئ حضارة إلا إذا انضم إليه العمل لتطبيق نتائج هذا العلم حتى تصبح واقعاً ملموساً يستفيد منه كل من يعيش على هذه الأرض من إنسان وحيوان، كان اهتمام الإسلام بالعمل والحث عليه ودفع الناس إليه دفعاً حتى تستقيم أمور حياتهم ويأكلوا من عرق جبينهم وينعموا بما صنعته أياديهم .
ومن هنا جعل الإسلام العمل إحدى مسؤوليات الإنسان الأساسية التي لا غنى عنها في هذه الحياة، وعلى الإنسان الذي يريد أن يعيش على هذه الأرض حياة طيبة كريمة أن يعمل ويكدح ويتقن عمله، فلا يجوز أن يكون المسلم طفيلياً على الآخرين يأكل من ثمرة عمل وكفاح الآخرين من دون أن يشاركهم في هذا العمل . والمطلوب من كل فرد أن يقوم بالعمل الذي يتناسب مع قدراته البدنية ومواهبه العقلية، فكل ميسّر لما خلق له، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وليس من المقبول ولا من المعقول أن يستخف الإنسان بقيمة العمل وأهميتها البالغة للحياة والأحياء . فلا خير في إنسان كسول لا يعمل، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى في المسجد رجلا يتحامل على الناس فسأل عنه فقالوا: هذا عابدنا، فسأل عمن يرعاه ويؤكله؟ قالوا كلنا يا رسول الله، فقال: كلكم خير منه . وهذا يعني أن ترك العمل بحجة العبادة يعد لوناً من ألوان التنطع في الدين . فالعمل نفسه عبادة، لأنه امتثال لأمر الله تعالى للإنسان بإعمار الأرض وصنع الحضارة فيها في قوله: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها أي: طلب منكم عمارتها .
إن واجب كل مسلم أن يدرك أن عمارة الأرض لا تتحقق إلا بالعمل الدؤوب، وبذل الجهد، والسعي في الأرض بحثا عن خيراتها، واستخراجا لمعادنها، وتمهيدا لطرقها، واستزراع كل شبر صالح للزراعة فيها، وغير ذلك من مسؤوليات عديدة اختص الله بها الإنسان .
وتقديراً من النبي صلى الله عليه وسلم للعمل وحثا عليه وجدناه يمتدح اليد العاملة، ويصفها بأنها يد يحبها الله ورسوله وأنها يد لا تمسها النار أبداً . كما ينبه إلى أن الإيمان من دون عمل لا خير فيه . فالإيمان كما جاء في حديث شريف ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل . وتأكيدا لذلك نجد ارتباط الإيمان بالعمل الصالح في معظم الآيات التي تتحدث عن الإيمان . والعمل الصالح مفهوم شامل لكل الأعمال النافعة للإنسان في دنياه وأخراه . وإذا كان هذا هو الأساس الديني لقيمة العمل وأهميتها في حياة الناس . فإن العقل والمنطق يؤكدان هذه النظرة الدينية ويدعمانها .
فالإنسان وهو صانع الحضارة لا يمكن أن يصل إلى هدفه إلا ببذل كل الجهود الممكنة لتحويل تصوراته إلى عمل، وترجمتها إلى واقع ملموس يكون له أثره في دفع عجلة الحياة وإثرائها وترقيتها إلى ما فيه الخير للبشرية جمعاء .
والمسلم ليس مطلوباً منه أي عمل، ولكنه مطالب بالعمل المنتج المفيد، ولن يكون كذلك إلا إذا كان عملاً متقناً . والعمل المتقن نابع من الإخلاص فيه والتفاني في إنجازه . وفي ذلك من الخير ما فيه للعمال وللمستفيدين منه . وحثا على إتقان العمل والإخلاص فيه يقول النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه .
ونحن في عصرنا الحاضر عصر المنافسة الاقتصادية الشرسة بين الدول نواجه تحدي الجودة في المنتجات التي ندخل بها ساحة هذه المنافسة التي يشهدها العالم حالياً ويتعامل مع عالمنا العربي والإسلامي على أنها أكبر سوق استهلاكية .
ولا يجوز لنا في هذا الصدد أن ننسى أن الفارق بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة يتمثل في أن الأولى تعمل بهمة ونشاط وجد وإتقان والأخرى يخيم عليها الكسل في العمل، والتراخي في إنجازه، والإهمال في تجويده وإتقانه . وهذا يعني أنها بذلك لن تستطيع أن تدخل حلبة المنافسة، بل ستظل خارج إطار السباق العالمي معتمدة على غيرها حتى في قوتها . وهذا يعني بالتالي أن تظل قانعة بالعيش على هامش الحياة، مفرطة في استقلال قرارها وكرامة أبنائها . وهذا أسوأ ما تبتلى به دولة في عالمنا المعاصر .
* عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر