يحل شهر رمضان على حلب ضيفاً عزيزاً كريماً بعد ترقب وشوق وطول انتظار من الأهالي الذين استعدوا له بشكل جيد وارتادوا الأسواق لشراء مستلزمات هذا الشهر الفضيل. وفي أول ليلة محتملة لشهر رمضان يترقب الناس إثبات هذا الشهر عبر التلفاز أو المذياع بعد أن كانوا في القديم يترقبون رؤية الهلال من القلعة والأماكن المرتفعة وما أن يتم إثبات شهر رمضان حتى تتعالى أصوات المدافع وتنار المآذن وتعلو التكبيرات في المساجد في حين ينتشر الأطفال في الشوارع معبرين عن فرحتهم بقدوم هذا الشهر الفضيل ويعمد الأهل والأقارب لتهنئة بعضهم بعضاً عبر الهواتف والرسائل الخليوية بهذا الزائر الكريم.
خلال الليلة الأولى تكثر المشادات بين الأهل والأطفال الذين يصرون على إيقاظهم للسحور رغبة في الصيام. وكان الحلبيون قديما يقيمون للأطفال صياماً خاصاً على مراحل يسمونه /درجات المئذنة/ منذ الصباح وحتى الظهيرة ومن الظهر حتى المغرب ويعدون لهم الطعام الخاص بهم.
وتنتشر بين أهالي حلب عادة السكبة وهي متواصلة منذ القدم حيث يقوم الجيران بسكب الطعام لجيرانهم مما يوفر تنوعاً في الأطعمة على مائدة الإفطار ولا يعاد الصحن الذي تم سكب الطعام فيه فارغاً وإنما مملوءاً مهما كان نوع الطعام وهذه العادة من شأنها توثيق الصلات الاجتماعية بين الأهالي.
وفي هذا الشهر الكريم يقوم الصائمون بتزيين المساجد والطرقات والمنازل ويضعون الرايات التي كتبت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويكثر المصلون من قراءة القرآن ويحافظون على صلاة الجماعة في الجوامع رجالاً وأطفالاً ونساء لأداء صلاة التراويح يستمعون بعدها إلى الدروس والمواعظ الدينية التي تحض على مكارم الاخلاق وتكثر حلقات الذكر والوعظ والارشاد وخاصة في الايام الاخيرة من شهر رمضان.
وكثير من المسلمين يعكفون في المساجد أيام العشر الأخيرة من شهر رمضان في حين تشدو حناجر المؤذنين بوداع رمضان وذلك بالأناشيد والمدائح النبوية ويكثرون من الموشحات والقصائد الدينية وكانت النساء قديماً يصعدن على أسطح المنازل والشرفات ويبكين شهر رمضان ويقوم الأطفال بتقليدهم بذلك.
إفطار اليوم الأول
واعتاد الحلبيون أن يكون فطور اليوم الأول من شهر رمضان عند كبير العائلة كنوع من التواصل والتراحم وهناك عادة الزيارة الرمضانية التي هي واجبة وتبدأ مع بداية الشهر وحتى الثامن والعشرين منه مهما كانت الخلافات ويقولون نحن اليوم /رايحين نرمضن بيت فلان/.
ويعمد الصائمون في هذا الشهر إلى توزيع زكاة الفطر التي يبدأ موعدها من أول الشهر وحتى قبل صلاة العيد وتكون قمحاً أو تمراً أو قيمة ذلك نقوداً وتختلف قيمتها من عام لآخر.
ولا تزال شخصية مسحر رمضان حاضرة ينتظرها الصائمون عند السحور ويكون المسحر عالماً بالأوزان والأنغام ويختار المدائح النبوية في تجواله وهو يضرب على طبلته كما انه يعرف أهل الحي أو الحارة وبخاصة في حلب القديمة. ولا يتجاوز بيتاً حتى ينار الضوء فيه علامة الاستيقاظ وينادي صاحب البيت باسمه وأغلب الصبيان يحملون بعض الطعام للمسحر الذي يحمل سلة مخصصة لذلك وكثيراً ما يرافقه الأطفال في مشواره في الأزقة والحارات.
وتكثر في شهر رمضان أعمال الخير حيث يتم تقديم المعونات للأسر الفقيرة وتكثر الجمعيات الخيرية من إقامة موائد الإفطار ويقوم الصائمون بتوزيع الطعام عن موتاهم /حسنة/ للفقراء.
وفي الساعات الأولى من أيام رمضان تخف الحركة في الشوارع وتزداد رويداً مع منتصف النهار وتبلغ أوجها بعد صلاة العصر حيث الازدحام في الأسواق ومواقف السيارات لأن الكل يريد أن يشتري حاجياته والوصول إلى المنزل قبل أذان المغرب في حين تكون النسوة منهمكات في التحضير للإفطار وبعد انجاز طعام الفطور يصطف أفراد الأسرة حول مائدة الطعام وهم ينتظرون أذان المغرب بفارغ الصبر في حين يقف الآخرون على شرفات المنازل والنوافذ ترقبا لسماع الأذان.
يبدأ الصائمون بشرب الماء والعرقسوس أو شراب التمر هندي وتناول التمر ثم يأتي دور الشوربة والفتوش والسلطات بأنواعها وقلما تخلو مائدة من الكبة النية والمحمرة ويبقى الحديث عن الطعام ولذته ودائما قرص المعروك يتصدر المائدة وغالبا ما يقتصر الطعام على المسقعات بأنواعها وأحياناً الكبب.
ويتميز رمضان في حلب بصناعة غزل البنات على شكل طابات محشية بالفستق الحلبي أو الجوز أو فستق العبيد. وكان غزل البنات قديما يصنع طويلاً كشعر الفتيات كما يتقن الحلبيون صناعة خبز رمضان المحشي بالموز والعسل والشوكولاتة في حين كان سابقاً يصنع من الطحين والسكر.
ودرجت العادة في حلب على أن يقيم رجال الطوائف المسيحية مآدب إفطار يدعى إليها رجال الدين الإسلامي وكبار الشخصيات الرسمية العامة في خطوة تعبر عن حالة العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد.
خصوصية حلبية
يقول الدكتور محمود عكام المفتي الثاني بحلب: حين يحل شهر رمضان فإن نظامه هو المعمول به. ومجمل هذا النظام: استيقاظ قبل الفجر للسحور وصلاة الفجر وغالبا ما تكون في المسجد ونوم ثم عمل كل في مجاله، التاجر في متجره والموظف في وظيفته والعامل في معمله وهلم جرا... ومراد الكل في صومهم ان يكون صياما مقبولا وللتأكيد على هذه الارادة ترى الناس هذا ممسك بسبحته يذكر الله، وذاك عاهد نفسه وربه ان ينهي ختمة او ختمتين او اكثر للقرآن الكريم في هذا الشهر.
وبعد أن يعود هؤلاء من أعمالهم المختلفة إلى بيوتهم، ينام من ينام، وبعضهم يأبى النوم ويتابع نشاطه العبادي، لكنهم جميعا قبل المغرب/الإفطار/ بسويعة مستيقظون منتظرون.
يشارك الرجال النساء في إعداد الطعام وتحضير أعداد من صحون المائدة الناشفة والأولاد والشباب في شؤون شتى بعضهم يتسلى بلعبة وبعضهم يحادث زميله أو صديقه وبعضهم واقف على باب داره مع جار له ينظرون حركة الناس السريعة والكثيفة في هذا الوقت فالكل يبغي الوصول إلى بيته قبيل الإفطار حتى ينعم بتناوله مع أهله الذين يعدون رمضان فرصة السنة من اجل لمّ شمل الأسرة وجمع أفرادها على طاولة واحدة أو في بؤرة سعادة قلبية وجسمية واحدة.
ويفطر الجميع ثم يصلون المغرب وبعد ذلك تراهم في مسالك شتى، فواحد يود أداء صلاة العشاء والتراويح في المسجد الفلاني وذاك في مسجد آخر وثالث يريد قضاء هذه الفترة في بيت زميله يساهره ويسامره وهكذا، وبعد انتهاء صلاة العشاء والتراويح يعود من يعود من أفراد الأسرة إلى البيت وتبدأ السهرة.
ورمضان حلب كرمضان سائر المدن العربية والإسلامية لكن خصوصيته الحلبية تكمن في بعض أنواع الطعام والحلوى التي تختص بها حلب وبشكلية صلاة التراويح لديهم وربما كان من خصوصيات رمضان حلب أن الناس يتفننون في صنع أنواع وأشكال من الطعام والشراب. والمهم أن هذا الشهر الفضيل يلف الناس الصائمين بثوب انس ولطف وشفافية ويلبسهم لباس التعاون والتضامن فيما بينهم ويجعل منهم منظمين مرتبين ويهيئ لقلوبهم وأرواحهم فرص الاسترواح في محاريب العبادة والطاعة.
وأخيراً: رمضان مدرسة وسيظل مدرسة يرتادها المسلمون شهرا كل سنة يتعلمون فيها التعاون والمواساة والصبر والقرآن والفرح الجميل والبهجة والسعادة وكل هاتيك المعاني التي يتكون منها الإنسان الجميل.
تغير كامل
ويقول الباحث والمؤرخ الدكتور محمود حريتاني إن شهر رمضان المبارك يبقى مناسبة مهمة ورائعة يستعد لها الحلبي مع المحيطين به من الأهل والأصدقاء والأقارب بأكثر من شهر قبل حلولها من حيث تهيئة المؤونة والزيارات والمناسبات.
يهل رمضان وتكون الاستعدادات قد بلغت أوجها، فالمظهر الخارجي للمدينة يتغير تماما والحياة العامة صباحا تتأخر نتيجة السحور وتنشط بعد الظهر وتصبح الأمور أحياناً لدى الجهلة نوعا من التوتر والعصبية لأنهم تركوا السيجارة والطعام والشراب ولكن مع هذه التوترات تنشط الحياة العامة قبيل الإفطار وغالبا إنهاء الأعمال وبالدرجة الأولى تهيئة الطعام، والطعام في رمضان يأخذ طابعا خاصاً والمائدة على الإفطار.
والمآكل تبدأ من التمر حسب سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتستمر إلى الكبة النية وإلى بعض الاطعمة مثل الفول والمآكل الأخرى المتنوعة وغير المعتادة، إن كانت من تحضير العائلة أو السكبة وتعني ضيافة الآخرين بدءا من الأقرباء وانتهاء بالجيران وهنا تحضرني طرفتان:
الأولى: أن احد الأشخاص كان يحضر المؤونة لشهر رمضان ويقول لزوجته هذا لرمضان، وسمع كلامه لص اسمه رمضان ولما غاب الزوج عن البيت حضر اللص وقال للزوجة أنا رمضان، فأعطته الزوجة ما تم جمعه من مؤونة لشهر كامل.
أما الطرفة الثانية فهي أن احد الساكنين الجدد بأحد أحياء حلب القديمة طلب إليه أهالي الحي مغادرة المنزل والرحيل لأن رائحة الطعام كانت تفوح من منزله ولم يقدم لجيرانه السكبة.
وحين تتنوع المائدة تكون الكبة النية والمشوية والمطبوخة متربعة على عرشها كونها تأخذ وقتا طويلا في إعدادها ويقال: حلب أم المحاشي والكبب حيث يوجد اكثر من 70 صنفا من الكبة الحلبية.
وتجمع مائدة الإفطار في رمضان بين الفطور والغداء والعشاء، وتعتبر في تنوعها متعة بصرية وهناك مائدة السحور وهي تختلف من فئة اجتماعية لأخرى.
وتتوقف الأعمال قبل غروب الشمس في رمضان لتحضير مائدة الإفطار بعد يوم عمل طويل وأخذ قيلولة قصيرة، أما كبار السن فيقضون تلك الفترة في المساجد بعد صلاة العصر وقراءة الذكر الحكيم والاستماع للدروس الدينية.
وتتميز أمسيات رمضان بصلاة التراويح وزيارة الأقارب والأصدقاء وقضاء السهرات الطويلة مع أنواع الضيافة والحلويات حتى فترة السحور التي تعتبر فترة قصيرة، وفي العصر الحديث أعطوا هذه الفترة مفاهيم جديدة كخيمة رمضان أو سهرة رمضان لكسب الزبون وتناول طعام السحور بعد حفلة غنائية.
وفي الأيام العشرة الأخيرة من رمضان يتأسف الناس على اقتراب رحيل شهر رمضان وتكثر المدائح والدعاء وتتميز ليلة القدر بالصلاة والسجود وقراءة القرآن والسهر حتى مطلع الفجر.
ترتيبات العي
بعد ذلك تبدأ ترتيبات العيد بشراء الحاجيات والملابس الجديدة ترافقها تحضيرات دينية كدفع زكاة الفطر وتحضير الذبائح. وفي يوم العيد يذهب الناس لزيارة القبور ثم يجتمع افراد العائلة للمعايدة ثم زيارة الأقرباء. وهنا نشير إلى نقطة مهمة جداً وهي الصلة بين العامل ورب العمل فالعامل يبقى على رأس عمله حتى ساعات قليلة قبل العيد ثم يذهب بعدها للاغتسال في الحمامات ويلبس اللباس الجديد ثم يدعوه رب العمل لحضور فطور العيد الدسم. وربما يكون العيد مهماً للعامل أكثر من غيره نظراً للجهد الذي بذله في رمضان لتوفير الحاجيات الضرورية للناس ثم تكون استراحته أطول بعد العيد ولا ضرورة لعمله بعدما تزود الناس بكل ما يحتاجونه من لباس ومأكل.
هذه صور من أيام رمضان عاشها أهالي حلب وكانت تتكرر من عام لآخر، حتى بدأت تظهر عادات جديدة دخيلة على حياة المجتمع فرزها التطور العلمي والعصري في العالم وانعكست بشكل كبير على تصرفات الأفراد وبدؤوا باستساغتها فمثلا التهنئة بقدوم رمضان والعيد باتت رسائل يتم تبادلها عبر أجهزة الخليوي وحلت الحلويات الجاهزة من الأسواق محل الحلويات التي كانت تعدها ربة المنزل وكذلك شراب العرقسوس والتمر هندي حل محله الشراب المصنع مسبقا كمسحوق يمكن اذابته بدقائق وتقلصت الزيارات بين الأقارب نظراً لبعد المسافات بين أحياء المدينة المترامية الأطراف وانتشرت خيم رمضان وبرامجها الفنية البعيدة عن اجواء رمضان القديمة. ومع ذلك تبقى لأيام رمضان نكهة خاصة يعيشها اهالي حلب ويضفون عليها طابعا مميزا.