عادي

اليمين المتطرف يخطط لـ «عرش أوروبا»

«فاشية دولية وسياسية» تهدد أمن واستقرار مختلف قارات العالم
04:40 صباحا
قراءة 15 دقيقة
إعداد: محمد هاني عطوي

منذ عام 2001، بدأ اليمين المتطرف يكتسب أرضية في أوروبا. وقد رصدت صحيفة لوفيجارو، أكثر من 250 حالة انتخابية في أوروبا على مدار 17 عاماً؛ بغية تحليل هذه الظاهرة على نطاق القارة. ووجدت الدراسة أنه اكتسح العديد من البلدان، وبات يلعب دوراً مهماً على الساحة السياسية؛ ولكنه شهد على المستوى المحلي، بعض التراجع؛ بسبب الانهيار الانتخابي أو خفوت نجم أحد المرشحين.
وربما لا تترجم الزيادة في نتائج الانتخابات حقاً السيطرة الفعلية لليمين المتطرف؛ لكنها تمثل اتجاهاً واضحاً لليمين بهدف السيطرة على القارة الأوروبية قريباً.
حسب لوفيجارو، تم اختيار عام 2001 كمؤشر للدراسة؛ لأن المجتمعات الأوروبية ما تزال تعيش في المشهد السياسي، الذي طغى بعد الهجوم، الذي وقع في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/‏‏‏أيلول، وكذلك الحال بالنسبة لليمين المتطرف. وبشكل عام بات صعود اليمين المتطرف يرتبط بنقد الإسلام والعالم الإسلامي، وغدت هذه الهجمات عناصر مركزية في الخطاب الشعبوي الجديد.
كشفت الدراسة أن معظم أعضاء اليمين المتطرف الأوروبي تطوروا وتكيفوا مع التغيرات الجيوسياسية، واختاروا مواقف سياسية توصف بالقومية الشعبوية أو بالشعبوية الجديدة علماً بأنهم كانوا أقلية قصوى، كما تراجعت الرغبة لديهم في خلق فكرة الرجل المميز والمجتمع الجديد، التي كانت رائجة في النصف الأول من القرن، ليحل محلها انتقاد دولة الرفاهية والحنين إلى الماضي، ومكافحة التعددية الثقافية، والمطالبة بتعزيز الهوية.
الباحث نيكولا ليبورج، المتخصص في اليمين المتطرف، وعضو مرصد السياسات الراديكالية وأحد المراقبين لصعود اليمين المتطرف ومؤلف كتاب «اليمين المتطرف في أوروبا»، الذي نشر في عام 2015، مع جان إيف كامو يرى أن الفاشية الدولية، هي التي أوجدت هذا التفرد اليميني المتطرف في أوروبا. وكل طرف يضيف، حسب تاريخه أو واقعه القومي، طلباً تنظيمياً، وليبرالياً، ويطالب بسيطرة الدولة، ورفض الهجرة والتعددية الثقافية.

التطرف السياسي يتزايد

في فرنسا مثلاً شهدت السنوات ال 17 الماضية ارتفاعاً مطرداً لليمين المتطرف، وكانت الفترة بين (2001-2019) حاسمة للجبهة الوطنية (FN). وبعد 30 سنة، دخلت الجبهة مرحلة حاسمة وتم تجديد عقيدتها تحت نبض مارين لوبان ابنة المؤسس جون ماري لوبن، التي تولت السلطة في عام (2011)، ووصلت إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في عام 2017. وأخيراً، تم تغيير اسم الجبهة الوطنية إلى التجمع الوطني (RN) في عام 2018.
ووفقاً للدراسة: حدثت على مدى 18 سنة زيادة في نتائج التصويت لدى الجبهة الوطنية على الرغم من بعض الإخفاقات البسيطة. ومنذ تغيير القيادة، وإطاحة العناصر الأكثر راديكالية، وتنفيذ الخطة الشهيرة «استبعاد الشيطنة»، استطاعت الجبهة، الاستفادة من ديناميكية مواتية، وفرض العديد من موضوعاتها المفضلة؛ مثل: (الهجرة، والزعامة، ومعارضة التكامل مع الاتحاد الأوروبي، والإسلام) في قلب النقاش.
ويثبت التاريخ الحديث للجبهة الوطنية أن تلميع صورتها وفق رؤية مارين لوبان زاد من عدد جمهورها؛ ولكن لم يسمح لها ببلوغ السلطة. ومع ذلك نجد أن مارين لوبان احتلت خلال الانتخابات الرئاسية في عام 2017 المرتبة الثانية كمرشحة عن اليمين المتطرف، وأصبحت جنباً إلى جنب في استطلاعات الرأي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الجولة الأولى مع 21.30٪ من الأصوات.
تخلت الجبهة عن مسألة الخروج من اليورو، كما انعكس البريكست سلبياً، ودفعها إلى التخلي عن فكرة Frexit؛ لمصلحة الانتقال إلى «تحالف الأمم الأوروبية».
والتجمع الوطني، أكثر من استفاد من أزمة «السترات الصفراء» من الناحية السياسية؛ ليجسّد في أعين الفرنسيين المعارضة ضد إيمانويل ماكرون وحركة فرنسا المتمردة التابعة لجان لوك ميلنشون. وأظهرت الاستطلاعات أن مارين لوبان هي الشخصية السياسية الوحيدة التي شهدت ارتفاعاً حاداً في شعبيتها خلال الأزمة، خاصة أنها أرسلت مناضليها إلى الميدان؛ ليتمكنوا من الترويج لأفكار «اللوبنية» في قلب «السترات الصفراء».
وخلال الفترة التي شملتها الدراسة (2001-2019)، ظهرت حركات يمينية أخرى تتنافس على هيمنة الجبهة الوطنية؛ مثل: الحركة الجمهورية الوطنية (يترأسها برونو ميجريه) بعد انقسام الجبهة الوطنية في أواخر التسعينات، والرابطة الجنوبية (أسسها جاك بومبار أحد المنشقين المعروفين جداً في الجبهة الوطنية).

هولندا: توجه شعبوي متأصل

منذ فترة طويلة، واليمين المتطرف في هولندا منقسم بين تشكيلات متعددة، وحقق نتائج مبهرة؛ ولذا بدا التوجه الشعبوي متأصلاً في المشهد السياسي الهولندي.
ظهور شخصية مميزة؛ مثل بيم فورتاين، أثبت أنه يمكن لليمين المتطرف أن يفعل ما يشاء، خاصة أنه رفض الإسلام، وانتقده، وطالب الشعب بمواجهة النخب في خطابه. اغتيال فورتاين في عام 2002 من قبل أحد نشطاء اليسار المتطرف؛ دفعت قوائمه إلى نتائج غير متوقعة بلغت 17٪. ولكن لم تتم المحافظة على هذا الزخم، وتلاشى في السنة التالية إلا أن أفكاره زرعت وخلفه حزب الحرية الذي أنشأه في عام 2006، جيرت فيلدرز، الذي نما بانتظام حتى حصل على 10٪ من الأصوات مركزاً على مواضيع مشابهة كان يدعمها فورتاين.
وفي عام 2010، ومع 15٪ من الأصوات، أصبح حزب الحرية القوة السياسية الثالثة في البلاد. وفي انتخابات عام 2017، لمع نجم جيرت فيلدرز في استطلاعات الرأي لعدة شهور. وأدت مقترحاته إلى شحذ النقاش السياسي، خاصة أنه نادى بمنع بيع القرآن، وفرض قيوداً صارمة على الهجرة، ونادى بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وإغلاق الحدود. وبدا خطاب اليميني مارك روت متصلباً؛ لكن النتائج كانت فشلاً في نهاية المطاف لفيلدرز. ومع ذلك فقد أصبح القوة السياسية الثانية في البرلمان مع 20 مقعداً وحقق حزبه المركز الثاني في أوروبا 2019، مع 14،64٪ من الأصوات بزيادة قدرها 2.62٪.

حزب البديل لألمانيا

لم تنج بعض البلدان من موجة اليمين المتطرف، وأصبحت في النهاية محاصرة به كما في ألمانيا. فعلى الرغم من أن نتائج الحزب النازي الجديد، والحزب الوطني الديمقراطي لألمانيا (NDP)، كانت لا تكاد تذكر؛ لكن ال1 ٪ التي حققاها في الانتخابات الأوروبية في عام 2014 سمحت لهما بدخول البرلمان الأوروبي لأول مرة، ومنحتهما فيما كان يسمى سابقاً بألمانيا الشرقية كممثلين محليين، لاسيما في ساكسونيا وميكلنبرغ- فوربومرن. وبعيداً عن الحزب الوطني الديمقراطي، كان اليمين المتطرف الألماني منذ فترة طويلة مختصراً بمجموعات صغيرة من المتطرفين المشهورين بالعنف؛ مثل: جماعات حليقي الرؤوس. ووفقاً للأكاديمي ستيفان فرانسوا، «ظهر النازيون الجدد إلى حد ما في المناطق الصناعية التي شهدت انخفاضاً في الطبقة العاملة الفقيرة البيضاء» وتجسّدت راديكالية بعض العناصر في موجة جرائم القتل التي ارتكبت بحق المهاجرين والشرطة، من أعضاء في الحزب الوطني الاشتراكي السري (NSU) بين عامي 2000 و2006.
وقد يفسر غياب حزب رئيسي يطمح للتصويت ضد هذه الحركات جزئياً ظهور حركة يمينية؛ مثل: (Pegida) بيجيدا أي: (الوطنيون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب)، في بداية عام 2015، والتي جمعت عشرات الآلاف من المحتجين خلال أسابيع. وإذا كانت الحركة نفسها قد لفظت أنفاسها، إلا أن زخمها امتد جزئياً عبر حزب «البديل لألمانيا»، الذي تم إنشاؤه في عام 2013، ما جعله يحقق أول دفعة له في الانتخابات الأوروبية 2014، بنتيجة بلغت7 ٪.
ومع ظهور أزمة الهجرة، تغير خطاب حزب البديل لألمانيا، وأصبح أكثر راديكالية. وظهرت شخصية مثل فروم بتري ذات الخطاب الراديكالي. وفي حملة الانتخابات التشريعية في سبتمبر/‏‏‏أيلول 2017 تم تكليف أليس فيدل، التي تشتهر بحزب يعارض زواج المثليين والمهاجرين، وألكسندر جولاند. كان الإسلام والهجرة الهدف الرئيسي للحزب خلال الحملة. وتمكن حزب البديل لألمانيا من توحيد أولئك الذين تركوا خارج إطار صعود نجم الحزب والمحافظين المتصلبين. هذا التشكيل تضاعفت نقاطه، مقارنة بالانتخابات السابقة: فال 13٪، تعني حوالي 94 نائباً في البرلمان، وعلى المستوى الأوروبي، انضم هذا التكوين الجديد إلى فكرة أوروبا الأممية والحريات، التي أطلقتها مارين لوبان.
أصبح حزب البديل لألمانيا أكبر حزب معارض يميني متطرف؛ ليفوز برئاسة اللجنة البرلمانية للعدالة، وكذلك بمقعد السياحة؛ لكن الجلوس في البرلمان لم يؤد إلى اعتدال خطابه؛ بل إن خوف فروك بتري كان يقوم على أسس سليمة؛ إذ فشل الحزب في التعامل مع نواب حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي؛ لبناء تحالف حكومي. وتقلص أنصاره من 94 إلى 91 نائباً.

المملكة المتحدة: هزيمة (يوكيب)

ظلت المملكة المتحدة، لفترة طويلة منيعة هي الأخرى عن اليمين المتطرف. ولم تتمكن الأحزاب الراديكالية؛ مثل الجبهة الوطنية أو الحزب الوطني البريطاني من العثور على أنصار انتخابيين مماثلين للجبهة الوطنية (سابقاً) في فرنسا.
وكان لا بد من انتظار قدوم حزب الشعبويين (يوكيب) (Ukip) أو حزب استقلال المملكة المتحدة، لرؤية بداية التغيير وتحقيق نتائج وطنية بلغت 12٪. وفي الانتخابات الأوروبية، تجاوز الحزب 16٪ منذ عام 2004. والحقيقة أن سبب وجود (يوكيب)، كان الدعوة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما ناضل الحزب بنشاط من أجله في حملته الانتخابية، حتى نجاح استفتاء عام 2016.
ولكن بمجرد الوصول إلى هذا الهدف، فقد (يوكيب) سبب وجوده، وسقط في الانتخابات، وانخفضت أصواته إلى 1.8٪ فقط في الانتخابات التشريعية، وتخلى قائده التاريخي نايجل فرج عن منصبه كرئيس.
أما الرئيس الحالي، جيرارد باتن فقرر ترسيخ حزب (يوكيب) بقوة في اليمين المتطرف؛ بعد أن أطلق الحزب حرباً ضد الإسلام. وهو خط جديد تجسّد في توظيف صاحب اللسان السليط تومي روبنسون، والقائد السابق لجماعة اليمين المتطرفة في رابطة الدفاع الإنجليزية (EDL) التي تتألف في جزء منها من عناصر من مثيري الشغب (الهوليجان ). وعلى نفس المنوال، قرر جيرارد باتن، الترحيب بال(يوكيب) كأحد المساهمين في موقع (InfoWars) الخاص بمتآمرين أمريكيين. وكعلامة على هذا التمكين القوي لليمين المتطرف، على المستوى الأوروبي، غادر نواب (يوكيب) مجموعة (EDL)، برئاسة رفيقهم السابق نايجل فراج؛ للانضمام إلى المجموعة ENL، التي يهيمن عليها حزب التجمع الوطني، الذي ترأسه مارين لوبن. وبعد بضعة أشهر، حقق نتائج قوية في صناديق الاقتراع في الانتخابات الأوروبية عام 2019، وحصل على أكثر من 30 ٪ من الأصوات.

إيطاليا: أرض التجارب

تمكنت الحركة الاشتراكية الإيطالية (MSI)، من الاستمرار في مجلس النواب منذ 40 عاماً. وشهدت الحركة تحوّلاً مؤكداً في التسعينات؛ لتصبح حزباَ يمينياً كلاسيكياً في ظل زخم رئيسها آنذاك، جيانفرانكو فيني، الذي أنهى حياته المهنية بالاندماج مع الحركة الليبرالية لسيلفيو بيرلسكوني. وفي السنوات الأخيرة، كانت إيطاليا مهداً لحركتين أصليتين. ففي شمال البلاد، تطورت نزعة غير مسبوقة للإقليمية مع إنشاء رابطة الشمال التي أسست خطابها في سنواتها الأولى، على صعود بادانيا، وهو كيان وهمي يجمع شمال البلاد. ومع مرور الوقت، مال الخط السياسي إلى التأميم، وركز انتقاداته على الهجرة.

حركة ال 5 نجوم

حققت حركة M5S ال5 نجوم نجاحاً مذهلاً في الانتخابات، وهي ظاهرة غيّرت الحياة السياسية الإيطالية علماً بأنها ظلت لفترة طويلة صعبة التحديد، على الرغم من أن بعض تصريحات قادتها صنفت منذ البداية في معسكر الشعوبية الجديدة؛ فمواقفها من الهجرة كانت قريبة جداً من اليمين المتطرف التقليدي، وطالبت بالخروج من اليورو. كل ذلك بصيغة شعبوية مزعومة. فازت الحركة بنسبة 25 ٪ من الأصوات في الانتخابات التشريعية عام 2013 (109 نواب من أصل 630). وحققت 21 ٪ في الانتخابات الأوروبية في العام التالي. وفي عام 2016، تمكنت الحركة مرة أخرى من ترك انطباع بالفوز بمدن مهمة مثل مدينة روما (مع فيرجينيا راجي، 38 سنة ) وتورين (مع كيارا أبيندينو، 33سنة )؛ لكن سوء إدارة البلدية للعاصمة الإيطالية وشكوك فساد بعض الأعضاء شوه صورة الحركة.

تحول الرابطة

في الوقت نفسه، تغيرت الأمور في رابطة الشمال. فقد تم تغيير الزعيم القديم، أمبرتو بوسي، المتورط في فضيحة فساد، في عام 2013 بماتيو سالفيني. وتم التخلي تدريجياً عن المرجعية الجغرافية لمنطقة بادانيا لمصلحة خطاب يشمل جميع أنحاء إيطاليا، وتمت المصادقة على هذا التحول عن طريق تغيير اسم: «رابطة الشمال» لتصبح «الرابطة» في عام 2018. اقتفى سالفيني باستراتيجيته استراتيجية الجبهة الوطنية الفرنسية، مع التركيز في خطابه على الهجرة، وانتقاد العملة الأوروبية. ويبدو أن هذا الاختيار آتى أكله، فقد فازت الرابطة بحوالي 18٪ في عام 2018. وتقدم هذا التشكيل بكثير على حليفه، فورزا إيطاليا لسيلفيو بيرلسكوني، الذي حصل فقط على 14٪؛ لذلك طالب سلفيني بقيادة الائتلاف والحكومة.
لم يتم استبعاد الحركة وأصبحت الحزب الأول في البلاد برصيد 32.6 ٪، محققة قفزة قدرها 7 نقاط عن عام 2013. ومع هذه النتيجة، أعلن لويجي دي مايو أيضاً مسؤوليته عن تشكيل الحكومة.
وعلى الرغم من أن الحزبين ( الرابطة والحركة ) متحالفان في الحكومة إلا أنهما يتنافسان في صناديق الاقتراع. ففي النهاية، انتصرت الرابطة في انتخابات 2019، وحصلت على 34٪ من الأصوات (بزيادة قدرها 28٪ مقارنة بعام 2014، 29 مقعداً). في حين أن الحركة فازت ب17 ٪؛ لكنها فقدت 4% من الأصوات، ونالت 14 مقعداً علماً بأنها تدعي تشبهها بحركة الفاشيين في الألفية الثالثة (
CasaPound

اليونان: الفجر الذهبي

في اليونان، ربما يكون اليمين المتطرف أحد أكثر المواضيع التي تم الحديث عنها في السنوات الأخيرة في أوروبا. ومع ذلك، فقد سقط بعد سنوات قليلة من سقوط نظام الجنرالات (1974)؛ لكنه تصاعد مع بداية الألفية الثالثة؛ بفضل حركة لاوس LAOS
(حركة التحذير الأرثوذكسي الشعبي)، التي انتهى بها الأمر إلى دخول الحكومة في عام 2011 مع تحالف لم يكن بالحسبان مع اليسار، والحصول على وزير وثلاثة نواب وزراء كوزير النقل، العضو في حزب النازيين الجدد، ونائب وزير الزراعة المتعاون مع ديكتاتورية الجنرالات. والحقيقة أن المشاركة الحكومية اكتسحت مواقف لاوس التي فقدت نوابها من الوطنيين والأوروبيين في السنوات التالية، والتي اندلعت خلالها الأزمة الاقتصادية.
هذا الاختفاء للاوس سمح بظهور الفجر الذهبي (XA)، وهو تشكيل يستلهم النازية الجديدة، واستطاع أن يصبح الحزب السياسي الثالث في البلاد؛ ليصدم العقول بشعاراته التي تذكر بحقبة الثلاثينات.
تمكن الفجر الذهبي من المحافظة على نتائجه منذ عام 2012، ولكن في عام 2014، عانى نكسة كبيرة بعد إلقاء القبض على 69 من أعضائه، بما في ذلك زعيمه نيكوس ميكولولياكوس؛ لاتهامه بالانتماء لمنظمة إجرامية، والتواطؤ في اغتيال مغني الراب بافلوس فيساس.
بعد هذه الاتهامات والمحاكمات شهد الفجر الذهبي تراجعاً سريعاً؛ لكن هذا لم يمنع أعضاءه من التحدث عن أعمالهم العنيفة، كما حدث في يناير/‏‏‏كانون الثاني 2019 أثناء التظاهرات المعارضة للاتفاق على اسم مقدونيا مع جمهورية يوغسلافيا السابقة. وحقق الفجر الذهبي ولاوس في الانتخابات الأوروبية 2019، ما يزيد قليلاً على 6٪ (4.9 و 1.2 على التوالي).

السويد: التوحد ضد الديمقراطيين

تعد السويد أيضاً واحدة من البلدان المعنية بالشعوبية الوطنية. ولطالما كان حزب الديمقراطيين في السويد (SD)، يتبنى منذ إنشائه أفكار اليمين المتطرف، ويقترب من دوائر النازية الجديدة؛ لكنه كان يشعر بالرضا عن نتائجه البسيطة التي كانت تقترب من الصفر ٪. وفي عام 2002، تجاوز الحزب ولأول مرة 1 ٪ من الأصوات.
وفي عام 2006، بدأ التحول العميق؛ بعد تخلي الحزب عن شعاره القديم، وهو المشعل، في إشارة إلى مسيرات المشاعل لليمين المتطرف، وتبني شعار الزهرة الزرقاء والصفراء، الأكثر ليناً. وخلال هذه الفترة، تخلص الحزب من أكثر عناصره تطرفاً وراقب خطابه، تاركاً العنصرية كواجهة، وتبنى مبدأ رفض التعددية الثقافية، مستبدلاً الدفاع عن الحقوق الاجتماعية ضد الليبرالية.
ومنذ ذلك الحين، ازدادت أصواته في كل الانتخابات البرلمانية. وحقق الحزب ما يقرب من 13 ٪ في انتخابات عام 2014، وفاز بخمسين مقعداً للنواب في البرلمان، وهو ما يكفي لمنع تشكيل أي تحالف بالأغلبية. هذه النتيجة أجبرت الأحزاب التقليدية من اليسار واليمين على عقد اتفاق؛ لإبادة هذه القوة المعيقة. وفي الانتخابات التشريعية، كان حزب الديمقراطيين في السويد لا يزال يتقدم في الانتخابات؛ حيث وصل إلى نسبة 17.5 ٪. وانتقل من 49 إلى 62 نائباً.

فنلندا: انقسام على اليمين المتطرف

ظلت فنلندا لفترة طويلة في منأى عن الحركات الشعبوية الوطنية. وبقيت الحياة السياسية فيها حتى وقت قريب، على قدم المساواة مع القوى الرئيسية الثلاث في البلاد، المتحالفة مع بعضها حسب الانتخابات. ولا توجد بالفعل معارضة حقيقية بين اليسار واليمين، وقد تم محو كل الإساءات بينهم.
وعلى مدى 10 سنوات، حقق الفنلنديون الحقيقيون (الذين غيروا اسمهم ليصبحوا حزب الفنلنديين) نتائج ضئيلة. وفي عام 2007 بدأت الأرقام في الارتفاع ، وفي عام 2015، ومع ما يقرب من 18 ٪، دخل «حزب الفنلنديين» في حكومة ائتلافية إلى جانب الوسط واليمين. وأصبح زعيمهم، تيمو سويني وزيراً للخارجية. ولعدم قدرته على تنفيذ التدابير الرئيسية لبرنامجه على الهجرة أو السياسة الأوروبية أو التقشف، خفف من وطأته بعض الشيء.
من جانبه، اختار حزب الفنلنديين لورا هوهتاساري (38 عاماً)؛ لتمثيلهم في الانتخابات الرئاسية لعام 2018. وهي معروفة بمواقف مجتمعية محافظة ومناهضة للهجرة وللاتحاد الأوروبي ومؤيدة قوية لدونالد ترامب. وعلى المستوى الدولي، تدعو إلى سحب عدد من المعاهدات الدولية (أوتاوا، بشأن الألغام المضادة للأفراد، باريس، حول المناخ). وتقول: إنها تخاف من قوة بوتين؛ لكنها تعارض اندماج فنلندا مع حلف الناتو.
وخلال حملة الانتخابات التشريعية لعام 2019، أظهرت استطلاعات الرأي ديناميكية لمصلحة حزب الفنلنديين الذين حصلوا على 17.48٪ (39 نائباً، مقابل 17 سابقاً) لكن في الانتخابات الأوروبية التالية، تراجعوا إلى 13.8 ٪.

النمسا: FPÖيحكم مع اليمين

في بلدان أخرى، لم تكن نتائج اليمين المتطرف والوطنيين الشعبويين جديدة. وهذا هو حال النمسا، فهم يحافظون منذ خمسة عشر عاماً على نسبة أعلى من 15٪. وفي السنوات القليلة الماضية حققوا نسبة تراوحت ما بين 20٪ و 35٪.
حزب الحرية النمساوي (FPÖ) موجود منذ عقود في المشهد السياسي. وبفضل القائد الكاريزمي جورج حيدر الذي تولى قيادة ال(FPÖ) لسنوات عديدة، ارتفع رصيد الحزب مع التأسيس لنظرية رفض الأجانب المرتبطين بوضع اقتصادي ليبرالي للغاية. في عام 2005، قام جورج حيدر، الذي أراد مواصلة التحالف الحكومي، بالانشقاق وإنشاء BZÖ أي (التحالف من أجل مستقبل النمسا)، ونجح في كسب جزء من الناخبين من (FPÖ) لكن (BZÖ) انهار بعد وفاته في عام 2008.
ولا يزال ال(FPÖ) حزباً رئيسياً في الحياة السياسية النمساوية، خاصةً تحت قيادة هاينز كريستيان ستراشي، وهو رئيس الحزب الجديد. وفي عام 2015، انضم الحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPÖ) إلى (FPÖ ) محلياً؛ للحصول على الأغلبية في بعض المناطق، كاسراً إحدى المحرمات البالغة من العمر 30 عاماً.
وفي عام 2016، وصل المرشح الرئاسي، المهندس نوربرت هوفر المعروف دائماً بابتسامته، إلى الجولة الثانية، وساهم في تطور خطاب ال(FPÖ )، ليحل محل الهجمات التي ولدت كراهية الأجانب وانتقاد الهجرة.
وفي أكتوبر/‏‏‏تشرين الأول 2017 قاد الرئيس هاينز كريستيان ستراش حملة الانتخابات التشريعية، وركز حملته على رفض الإسلام. وهكذا وصل اليمين إلى القمة، وحصل على 31.5٪ من الأصوات. وبالنظر إلى الحملة اليمينية التي يقودها الزعيم اليميني سيباستيان كورز (31 عاماً)، كان من المنطقي أن يلجأ إلى اليمين المتطرف؛ لتشكيل حكومة ائتلافية. وعلى المستوى الدولي، لا يخفي ال(FPÖ) إعجابه بالقطب الكبير لليمين المتطرف الحديث: موسكو. ولكن في الانتخابات الأوروبية 2019، حقق FPÖ
17.2٪ فقط، وهو انخفاض مهم، مقارنة مع عام 2014.

إسبانيا: أول اختراق لليمين

في إسبانيا ظل اليمين المتطرف محصوراً منذ فترة طويلة في دور سياسي هامشي منذ نهاية الديكتاتورية. وتم دمج المعتدلين (أنصار الجنرال فرانكو ونظامه الذي أنشئ في إسبانيا عام 1936) في الحزب اليميني الكبير، وهو الحزب الشعبي (PP)، إضافة إلى ذلك، فإن النزعات القومية المحلية القوية جعلت من الصعب بناء قوة وطنية قوية منذ فترة طويلة.
ومع ذلك، يمكن للمعادلة أن تتغير. فقد حقق حزب (فوكس)، الذي تأسس في عام 2013، وظل سرياً تماماً لمدة 5 سنوات، اختراقاً ملحوظاً في أواخر عام 2018، خلال الانتخابات المحلية؛ بفوزه بنسبة 10.96٪ والفوز ب 12 نائباً محلياً. وبعد 36 عاماً من الإدارة الاشتراكية للمنطقة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في إسبانيا، تحالف حزب الشعب مع اليمين الليبرالي في سيودادانوس في الحكم، وتلقى التحالف الجديد دعماً من نواب فوكس، الذين يدعمون الحكومة دون المشاركة فيها. هذا التشكيل حصل على ما يزيد قليلاً على 10٪ من الأصوات في الانتخابات التشريعية في إبريل/‏‏‏نيسان 2019، ما أدى إلى حصوله على 24 نائباً في برلمان مدريد.
ولقد لعب إعلان استقلال كاتالونيا الفاشل بلا شك دوراً حاسماً في ظهور فوكس صاحب البرنامج المركزي الراديالي الذي اقترح سياسة حازمة تجاه المهاجرين، وإقامة جدار في سبتة ومليلية (الجيوب الإسبانية في المغرب)، وإنهاء الإعانات المقدمة إلى الحملة النسوية والقوانين التذكارية وإلغاء الإجهاض.

المجر: جوبييك وفيدسز

في بلدان الكتلة السوفييتية القديمة، يختلف المنطق. فمنذ سقوط الجدار والديمقراطيات الشعبية، سلك اليمينيون، والجمهوريون والراديكاليون، مساراً يختلف أحياناً كثيراً عن مثيله في الغرب. فقضايا المجتمع ليست هي نفسها، والتعددية الثقافية غائبة تقريباً وقضية المهاجرين الأخيرة كانت حدثاً جديداً بالنسبة للعديد من هذه البلدان. وهناك أسئلة ظهرت حول اليمين البولندي أو المجري، الذي أعلن قادته أنهم يريدون القيام «بثورة ثقافية مضادة» في أوروبا.
المجر مثلاً كانت منذ عدة سنوات أرضاً خصبة لصعود اليمين المتطرف والحلم برؤية عودة «المجر الكبير»، الذي تتجاوز حدوده الأرض التاريخية، التي يعود تاريخها إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية، والتي قسمتها معاهدة تريانون في عام 1920، وهي تضم الأراضي الموجودة الآن في النمسا وكرواتيا ورومانيا وصربيا وسلوفينيا وأوكرانيا. وشهدت المجر عودة عروض الزي العسكري الرسمي التي تذكر بموضة الثلاثينات، خاصة مع الحرس المجري، الذراع المسلحة لجوببيك (الحركة من أجل مجر أفضل).
وفي الآونة الأخيرة، تمكنت سياسة رئيس الوزراء فيكتور أوربان من خلال حزبه (فيدسز) من إرساء قوته اليمينية؛ بعد أن لعب على مسألة التفاخر الوطني للمجريين حسبما يرى المحلل السياسي جون إيف كامو، المتخصص في اليمين المتطرف.

الدنمارك والنرويج: معاقل يمينية

ظلت الدنمارك والنرويج منذ 15 عاماً تحتفظ بنسب عالية لليمين المتطرف، خاصة أنه ظهر فيهما في نفس الوقت، أي في سبعينات القرن الماضي. وفي البلدين، يتخذ اليمين المتطرف اسم حزب التقدم وتمثل القضايا العرقية وإدانة الهجرة جزءاً مهماً من الخطاب.
تراجع حزب الشعب الدنماركي، الذي يدعم الحكومة دون مشاركة بها، شعبيته نتيجة لعدة عمليات تمويل في عام 2019 خلال الانتخابات الأوروبية والتشريعية وواجه تنافساً من قبل مجموعتين جديدتين مناهضتين للهجرة ومعادية للإسلام: اليمين الجديد والخط المتشدد.
وفي النرويج، يمثل حزب التقدم (FrP) جزءاً من الحكومة منذ عام 2013، ويتعايش مع المحافظين الذين كسروا إحدى المحرمات من خلال التحالف معهم. وفي سبتمبر/‏‏‏أيلول 2017، حصل الحزب التقدمي (الشعب الثوري) على 15.2 ٪ من الأصوات في الانتخابات التشريعية، فاقداً 1.1 ٪ مقارنة بالنتيجة التي حققها قبل 4 سنوات.
وثمة بلدان لم تصل إليها الموجة اليمينية الأوروبية. فالبرتغال غريبة تماماً عن هذه الظاهرة منذ 18 عاماً. وعلى الرغم من وجود تشكيلات راديكالية إلى حد ما فإن وجودها في الانتخابات لا يزيد على إثبات الحضور فقط. من جهتها لم تشهد أيرلندا تصويتاً لليمين المتطرف أيضاً؛ لكن ذلك لن يطول فالتاريخ الحديث يسير نحو المزيد من التشدد والتطرف في كل البلاد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"