تلاعب غير مبرر

04:01 صباحا
قراءة دقيقتين
راشد محمد النعيمي

لا نستطيع أن نُنكر أن الأمور قد تغيرت منذ تطبيق التأمين الصحي، وأصبحنا نشهد ممارسات جديدة سواء من الأطباء والمنشآت الصحية من جانب أو من المرضى والمؤمن عليهم من جانب آخر، تشترك جميعها في نوعية الاستفادة من هذه الخدمة المميزة بشكل موضوعي، ووفق الشروط والالتزامات الأخلاقية، التي كان من المفترض أن تصاحبها إلى جانب الثقة من الطرفين في تقدير المرض وعلاجه من دون الانحدار لأمور تجارية وتسويقية، تُفرغ هذه الآلية من مضمونها، وتجرها إلى أمور تتعلق بالربح والخسارة، وتوسيع دائرة الاستفادة من كل زيارة، مما بات يؤثر في مصداقية بعض المنشآت الطبية، التي تغيرت؛ بعد أن وجدت في التأمين الصحي وسيلة لأرباح إضافية.
تزور مركزاً طبياً للعلاج من نزلة برد، فتفاجأ بحجم الاهتمام، الذي يبديه الطبيب ويتحول مرضك البسيط، الذي كان من الممكن أن يعالج بأقل التكاليف إلى منجم ذهب يتطلب فحوصات استثنائية، وأدوية متنوعة، تعجز حتى عن تفسير حاجتك لها، بينما يستغرق الطبيب مع مساعديه وقتاً طويلاً في تعبئة استمارات التأمين أكثر مما يخصصه لك، ولاستبيان حالتك، وتفاصيلها؛ علّه يمنحك العلاج الذي تحتاج إليه فقط من دون الولوج إلى فحوصات إضافية، يعلم يقيناً أنك لست بحاجة إليها؛ لكن تأمينك الصحي متوفر وقادر على التغطية، ولا ضرر من الاطمئنان على صحتك كما يقول !!
تلك الأمور والممارسات خرجت عن حدودها الطبيعية عند البعض، وأصبحت تجر مرضى إلى عمليات جراحية من الممكن تلافيها، وعلاجات وجلسات لا حاجة لهم بها، وأدوية عبارة عن صيدليات مصغرة تنتفي الحاجة لها منذ اليوم الأول، ويكون مصيرها التلف من دون وجه حق؛ لتشكل نوعاً من الهدر والتشكيك في مصداقية أطباء أصحاب رسالة يعملون تحت القسم، وشرف المهنة؛ لكن يبدو أن الأمور قد تغيرت، ما دفع شركات التأمين هي الأخرى لمراجعة حساباتها، وتقليص امتيازاتها، والتفكير جدياً في إعادة النظر في سياسات قبول العلاج أو تعقيدها على الأقل؛ عملاً بمبدأ التحوط، الذي قد يحرم محتاجين حقيقين منها لا ذنب لهم سوى تلك الممارسات السلبية.
سوء الاستغلال لا ينطبق على الأطباء والمراكز الصحية؛ بل ينسحب أيضاً على المرضى الذين يتعمدون التردد على تلك المنشآت بأعذار واهية، مستغلين نسبة المسؤولية المادية الضئيلة تجاه الزيارات، ورغبتهم في الاستفادة بأي صورة وصلت في بعض الحالات إلى إعادة بيع الأدوية لأصحاب الصيدليات، والحصول بدلاً عنها على منتجات تجميلية قد لا تتوفر لها تغطية تأمينية ضمن بوالص الضمان الصحي المخصصة لهم أو منح بطاقاتهم لآخرين؛ للاستفادة منها ليشاركوا بدورهم في هذا التلاعب غير المبرر.
خلاصة القول، إن التأمين الصحي يتطلب الثقة بين جميع الأطراف، والمحافظة على الحقوق والالتزام بالأخلاقيات من الجميع مع ضرورة العلم بأن قطاع التأمين يعد شريكاً استراتيجياً وأساسياً للقطاع الصحي، وأن التسبب في إلحاق الضرر بالمريض بصورة مباشرة أو غير مباشرة قد يؤثر ويضر بالمنظومة الطبية مع الحرص على توفر الثقة بين الأطراف ذات العلاقة، والعلم أن تلك الممارسات مجرمة قانوناً.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"