الهواتف بين أيدي الصغار والمراهقين، ومعها باقات الإنترنت أينما حلوا وذهبوا، ينتقلون بين مختلف الظواهر والثقافات، ويطلعون على أمور لا تناسبهم ولا تراعي أعمارهم، ويواكبون يوميات المشاهير التي تؤثر في وعيهم وإدراكهم، ومن ثم تنعكس سلوكاً يطبقونه من حيث لا يعلمون، أما الفهم الخاطئ الذي ينظر به العديد من أولياء الأمور إلى هذه الظاهرة، فهي أن أبنائهم منشغلون ومواكبون لمختلف التطورات ما ظهر منها وما بطن، حتى تنحرف سلوكياتهم ويغرر بالبعض منهم في أمور مفاجئة لم تكن في الحسبان!
للأسف فإن كثيراً منا لا يفعّل الرقابة المفروضة على العمر، والتي يمكن الاستفادة منها في التعاطي مع تكنولوجيا التواصل الاجتماعي وتطبيقات الإنترنت من برامج فيديو وتواصل ومقاطع وغيرها، ولا يسعى إلى مناقشة المحتوى مع أبنائه الذين يكبرون قبل أوانهم، وتقع أعينهم على أمور ينبغي ألا يروها إلا وقد اشتد عودهم، وتحصنوا إيجابياً لمواجهتها، وبالتالي يحدث ما لا تحمد عقباه، وهو الذي نراه بأعيننا اليوم، ونلمسه ونحن نراهم يتجولون بأجهزتهم الذكية التي أثرت أشد التأثيرات حتى في مداركهم ونظرتهم للحياة.
مخطئ من ما زال يعتقد أن ألعاب الفيديو والبلاي ستيشن وغيرها مجرد (ألعاب)، وأنها وسيلة ناجعة للتخلص من إزعاج الأبناء أو الملل الذي قد يشعرون به، أو حمايتهم من الخروج من المنزل والتسكع في الخارج، لأن ما يحدث في تلك الألعاب أشد خطراً وأذى من غيره، وقد وصل إلى حد دخول المراهقين إلى نفق الجريمة والإرهاب، فضلاً عن التغير السلوكي الواضح والعدوانية والنظرة المتطرفة إلى كثير من الأمور، وكل ذلك يحدث في غفلة من الآباء، وعدم مسايرتهم للتطورات من حولهم، ومحاولة توجيه أبنائهم لمحتوى هادف، والتدقيق على التغيرات التي تطرأ على تصرفاتهم، لأن هناك من لا يكتفي باللعب والمشاهدة، بل يصل إلى حد الانبهار بما حقق في تلك اللعبة، ويسعى لنقله إلى أرض الواقع.
غريب أن ندع هذا العالم الذي يعيشه أبناؤنا اليوم بلا حواجز، كما ابتغيناه لأنفسنا، لأنهم بحاجة إلى تحصين لم يتحصلوا عليه بعد، لذلك فنتيجة ذلك نعانيها اليوم من ظواهر جديدة يلحظها المتابع ويراها، لكن للأسف لا يحرك ساكناً تجاهها، وهي تشبه قيادة المراهقين للسيارات من دون رخصة، التي كان البعض يعتبرها رجولة مبكرة، ويغض الطرف عنها حتى يتورط أحدهم في حادث مميت، لذلك فليس من المستغرب انتشار حالات السمنة، وقصر النظر، وقلة النوم، وآلام العنق والظهر جراء الاستخدام المفرط لتلك الوسائل، والذي قد يمتد لساعات، وأصبح الواحد منهم لا يقدر أن يفارق هاتفه أو جهازه اللوحي لدقائق.
ما نظنه عادياً هو في الحقيقة غير ذلك، لأن الأمور تغيرت، وبات هناك من يوظفها لأهداف سيئة، علينا أن نعيد النظر فيما يحدث خاصة أن العالم الافتراضي يسرق منا أبنائنا، بينما نحن لا نزال نعتقد أنهم في مأمن.
راشد محمد النعيمي