بعض الكتاب في بعض أنحاء العالم، بكّروا في التطرق المباشر إلى التنبؤ بالآثار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية البعيدة، التي سيخلفها وباء كورونا، على البشرية بأسرها.
ومع أن بعض هذه التوقعات تبدو منذ الآن منطقية، ومعقولة، إلا أن من الحكمة عدم الإبحار بعيداً في الحديث عن الآثار البعيدة التي سيخلفها وباء كورونا في السياسة الدولية، والاكتفاء من باب التواضع، وعدم الوقوع في المبالغة والخطأ، بالمرور على بعض الآثار المباشرة، والمؤكدة، التي أحدثها انتشار الوباء.
قبل أن ينتصف شهر إبريل/ نيسان المنصرم، خرج مصدر رفيع في الإدارة الأمريكية يعلن أن عدد ضحايا «كورونا» في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، قد تجاوز حتى ذلك الحين عدد الضحايا التي تكبدتها أمريكا في حرب فيتنام. ومع أن المصدر لم يحدد أعداد هذا التجاوز، يكفي أن نتذكر أن حرب فيتنام تلك كانت كلفت واشنطن في منتصف سبعينات القرن العشرين هزيمة سياسية، وعسكرية، مدوية.
هذه حقيقة أولى أردنا أن نفتتح بها استعراض ما يخطر على البال من الآثار المباشرة لانتشار وباء كورونا، التي لا تحتمل أي شك، أو تشكيك.
الأثر الثاني الذي أصبح مؤكداً، أن هذا الوباء استطاع أن يهزم، (حتى الآن على الأقل)، كل ادعاءات العالم المتقدم بإنجاز سبق في الأبحاث العلمية. ذلك أن أكثر المتحدثين في هذا الموضوع تفاؤلاً، يتحدث عن حاجات مختبرات العالم المتقدم، إلى سنة، للوصول إلى اكتشاف عقار مضاد للوباء يتمتع بفعالية أكيدة.
والمعنى المباشر لهذه الحقيقة، أن البشرية ما زالت حيث كانت في نهاية الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين.
ومن الآثار المباشرة التي كشفت كثيراً من عيوب ادعاء أن التقدم العلمي قد شمل البشرية كلها بخيراته، ما انكشف من تصرف الدول الكبرى، مع الدول المتوسطة، والصغرى، حتى ضمن الأحلاف السياسية كحلف شمال الأطلسي، من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية.
لقد تركت دول مثل إيطاليا، وإسبانيا، ومعها فرنسا، وبريطانيا، تعاني وحدها كل الويلات التي أتى بها وباء كورونا، من دون أي مساعدة من حلفائها السياسيين الطبيعيين، بل جاءت المساعدات من دول مثل روسيا، والصين.
إن هذا الأثر المباشر سيترك من غير شك نتائج وخيمة قد تؤدي، على الأقل، إلى إضعاف (وربما إلى إلغاء) الشعور بالأمان لمجرد انتماء دولة متوسطة، أو صغيرة إلى حلف شمال الأطلسي، أو إلى الاتحاد الأوروبي. وهذا الأثر المباشر مرشح منذ الآن لأن يترك آثاراً يسهل التنبؤ بسلبيتها المؤكدة في المستقبل القريب، والبعيد، على خريطة التحالفات الدولية.
ومن الآثار المباشرة، التي أصبحت مؤكدة منذ الشهر الثالث لانتشار وباء كورونا، هو أن هذا الوباء قد ألحق هزيمة مدوية بالدولة الكبرى. فمع أن الإدارة الأمريكية لا تكف في عهد دونالد ترامب بالذات، عن المبالغة في فرض العقوبات القاسية على كل دولة لا تدخل بيت الطاعة الأمريكي، إذا بالعقوبة الكبرى للوباء حلت في ديار الولايات المتحدة نفسها، حيث لم يتوقف الأمر عند الفشل في وضع حد لانتشار الوباء، واستفحاله، بل كشف الغطاء عن زعامة أمريكا، وحجمها في ما يخص التقدم العلمي.
هذا ما يخطر على البال في تعداد بعض الآثار المباشرة في ميدان الدول المتقدمة التي تدعي أنها بتقدمها قد اكتشفت كل أسرار السعادة البشرية.
لكن آثاراً قريبة ظهرت أيضاً في الدول الصغرى، والنامية، والمتخلفة، وهي أنه ليس من الذكاء، ولا من الحكمة، إيقاف قطار التنمية في هذه الدولة، أو تلك، والاعتماد على مساعدات التبعية للدول المتقدمة.
لقد اكتشفت تلك الدول الصغرى أنه لا سبيل للتقدم المضمون والمؤكد، سوى المضي في نشاط عميق في كل مجالات التنمية الصناعية، والزراعية، والتكنولوجية، وأن تنمية كهذه هي وحدها التي تضمن مستقبل هذه الدول.
الآثار السياسية المباشرة لـ «الجائحة»
14 مايو 2020 04:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 مايو 04:07 2020
شارك
الياس سحّاب