الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
إلياس سحاب
إعلامي
أحدث مقالات إلياس سحاب
21 يوليو 2020
شعب فلسطين هو الضمانة
إلياس سحاب

شعب فلسطين بوجوده، وحتى من قبل أن يتحرك، هو الضمانة الكبرى لقضية فلسطين كلها، وليس في الضفة الغربية وحدها.

في اجتماع أمني استراتيجي عقد في السنوات الأخيرة في دولة الاحتلال لمناقشة مركز الخطر الوجودي الذي يحمل تهديداً وجودياً لهذه الدولة، تشعبت حتى التناقض الآراء التي طرحها علية القوم، من أركان السياسة والأمن في «إسرائيل»، حتى برز أحد القادة السابقين للموساد، وقال بصوت عالٍ: «يا سادة ليس الخطر الوجودي الأول الذي يهدد دولتنا هو احتمال امتلاك إيران للقنبلة الذرية، حتى لو تحقق هذا الاحتمال، ولم يبق احتمالاً، كما هو اليوم. إن الخطر الوجودي الأكبر الذي يهدد وجود دولة «إسرائيل» وبقاء هذا الوجود، هو استمرار بقاء وجود شعب فلسطين، هذا الوجود وحده هو الخطر الذي يهدد دولتنا بالزوال أكثر من الأخطار الأخرى التي تبحثونها».

نستذكر هذه الكلمة التي ألقيت في اجتماع أمني استراتيجي «إسرائيلي»، فيما تستعد «إسرائيل» لاستكمال ضم جزء كبير من أراضي الضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى منطقة الأغوار.

ها نحن نقترب من نهاية يوليو/تموز الذي كان مطلعه موعداً نهائياً للضم، ليس فقط دون أن يحدث الضم؛ بل تتراجع الأصوات الزاعقة التي كانت تهدد به إلى درجة الخفوت. فما الذي حدث، ومن الذي تدخل ليبدل الوضع من حال إلى حال؟.

يمكننا استعراض أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، منها مثلاً تراجع الموقف الأمريكي من حتمية الضم وفرض سرعة تنفيذه. لم يخفت فقط صوت الرئيس ترامب في هذا الموضوع؛ بل أهمله تماماً لينتقل كلياً إلى مشاكل العلاقة مع الصين، وهموم حملته الانتخابية التي اقترب موعدها قبل نهاية هذا العام، إضافة إلى هموم وباء كورونا.

فقد ارتفع رأي مخالف لسرعة الضم (وأحياناً للضم نفسه) في المجالس السياسية الأمريكية العليا، التي انعقدت لبحث هذا الموضوع، وكان الهم الأكبر في كل هذه الدوائر، هو التخوف من ردود فعل غير متوقعة، وغير محمودة العواقب، لما يمكن أن يقوم به الشعب الفلسطيني من ردات فعل غير محسوبة، ابتداء بفلسطينيي الضفة الغربية أولاً، وانتقالاً إلى بقية أماكن تَوزّع هذا الشعب في أراضي 1948، وفي غزة وفي الشتات العربي، وسائر مواقع الشتات الدولي.

هذه المخاطر وحدها كانت وراء تردد الدوائر الأمريكية في تأييد سرعة الضم، حتى وصل الأمر إلى انقسام في الموقف بين سفير أمريكا في الكيان (المؤيد لسرعة الضم)، والمستشار الأول للرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، الداعي إلى التمهل في هذه المسألة الحساسة.

تسارع بعد ذلك صعود أصوات دول أوروبية كبرى، من حلفاء الولايات المتحدة الموثوقين مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وحتى بريطانيا، تنادي بالتمهل والتروي إلى درجة النصح بصرف النظر نهائياً عن الضم.

ومن المواقع التي تحسب حساباً دقيقاً لردود فعل شعب فلسطين، والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه، مواقع كبيرة في المجتمع «الإسرائيلي» نفسه، تتوزع على عدة أحزاب، وتقف صراحة ضد الضم خوفاً من ردود فعل شعب فلسطين في كل مكان.

يلفت النظر والاهتمام في هذا المجال، أثر قرار الضم على الداخل الفلسطيني للمنظمات السياسية الفلسطينية، بين غزة والضفة الغربية، حيث ظهرت للمرة الأولى بوادر على درجة غير قليلة من الجدية، على التقارب بين حركتي فتح وحماس، بشكل رئيسي.

إلى هذه الدرجة من الأهمية أدركت «إسرائيل» وأمريكا وأوروبا والدول العربية، أهمية ردود فعل شعب فلسطين على عملية الضم إذا حدثت. كل هذا قبل أن يحدث الضم، وتنطلق ردود فعل شعب فلسطين في كل مكان، انطلاقاً من القدس والخليل ونابلس، وسائر أرجاء الضفة الغربية.

إذن، شعب فلسطين بوجوده، وحتى من قبل أن يتحرك، هو الضمانة الكبرى لقضية فلسطين كلها، وليس في الضفة الغربية وحدها.

25 يونيو 2020
الضفة الغربية أم شرقي فلسطين؟
إلياس سحّاب

الضجة القائمة حالياً حول مصير الضفة الغربية لنهر الأردن: هل تضم كلياً، أم تضم جزئياً مع منطقة الأغوار؟ هل تضم دفعة واحدة، أم يقسم ضمها على خطوات متتالية، امتصاصاً مسبقاً لاحتمالات ردات الفعل الشعبية الفلسطينية؟
هذه الضجة ليست جديدة، لكن جذروها تعود إلى اللعبة الاستعمارية القديمة، أي عملية تهيئة أرض فلسطين التاريخية لتحويلها إلى وطن قومي يهودي، عن طريق إلغاء أرض فلسطين التاريخية، وطرد شعبها، وتحويلها إلى «أرض إسرائيل». وهي اللعبة التي ساهم فيها المجتمع الدولي بأسره، واتخذت شكلاً قانونياً لها في العام 1948.
فمنذ قيام القوات «الإسرائيلية» باحتلال المناطق الغربية من أرض فلسطين التاريخية، في العام 1948 تقرر استكمال إلغاء كامل أرض فلسطين التاريخية، عن طريق إخفاء اسم «الضفة الغربية» العام. والمعمم، على القطاع الشرقي من أرض فلسطين التاريخية، واختراع اسم جغرافي عام لها، يسلخها عن أرض فلسطين التاريخية.
لكن تغيراً مهماً طرأ على هذا الوضع المصطنع، عندما قامت القوات «الإسرائيلية» باحتلال هذه المنطقة التي حملت اسمها الحديث (الضفة الغربية). ومع عدم سقوط اسم الضفة الغربية بعد الاحتلال، أضيف إليه اسم «أرض محتلة» لمزيد من التعميم، واستبعاد نهائي لاسم أرض فلسطين التاريخية.
الفكرة الأولى التي ولدت في المحيط الدولي، هي مشروع إنشاء دولة فلسطينية في أرض الضفة الغربية وقطاع غزة، كعملية إلغاء نهائي للأصل التاريخي لأرض فلسطين، وشعب فلسطين.
لكن حتى هذا المشروع المسخ لم يصمد أمام مشاريع وادعاءات «أرض إسرائيل التاريخية» الراسخة في أعماق العقيدة الصهيونية، والعقيدة الاستعمارية الغربية (الأمريكية بالتحديد) بعد ذلك.
ولما تبوأ دونالد ترامب مقعد رئيس الولايات المتحدة، تبلورت هذه الرؤية الساعية بشتى الطرق إلى إلغاء سياسي لفلسطين التاريخية: أرضاً وشعباً. فولد مشروع «صففة القرن»، الذي يختصر الطريق، فيدعو إلى ضم هذا الجزء التاريخي من شرق أرض فلسطين التاريخية إلى الكيان الصهيوني.
حتى الآن، يحيط ركود تاريخي غريب حول مصير هذا المشروع الجديد، الذي تعمل عليه بدأب حكومة الوحدة «الإسرائيلية»، التي تضم سياسيين مع مجموعة الجنرالات السابقين، المبعوثين في حزب «أزرق أبيض».
فحركة حماس في غزة مشغولة بتحسين شروط وصول المعونة النقدية القطرية المحدودة، أما السلطة في رام الله فتبدو وكأنها غير موجودة، حتى أنها تهدد بخطوات عملية، سرعان ما تبدو على أرض الواقع مجرد تحركات سياسية فارغة، خاصة القرار الشكلي بإلغاء التنسيق الأمني مع «إسرائيل»؛ لأن هذا التنسيق يمنع قيام انتفاضة شعبية ثالثة قد تتجاوز «الضفة الغربية» إلى كافة أرجاء فلسطين.
حتى الآن تبدو الأمور وكأنها تسير بهدوء شديد بالنسبة للمخطط الأمريكي- «الإسرائيلي» للضفة الغربية، على طريق إلغاء هوية شرق فلسطين، بعد إلغاء هوية غربها، وتحويلها من فلسطين إلى «إسرائيل»، لكن حالة من الثورة حول أساليب الاستيلاء النهائي على مصير ما سمي بالضفة الغربية، تشير إلى أن الشيء الوحيد الذي تحسب الإدارة الأمريكية والحكومة «الإسرائيلية» حسابه، هو المدى الذي يمكن أن تذهب إليه انتفاضة يقوم بها شعب فلسطين في جميع مناطقه، تمسكاً بالحقيقة الراسخة لعروبة فلسطين بكل أجزائها، إلى درجة أن حسابات كثيرة بدأت تظهر لدى الجهة التي تبدو مرتبكة في تنفيذ سريع وحاسم وقاطع للعبة ضم الضفة الغربية (دفعة واحدة أم دفعات).
غير أن عنصراً آخر معرض للتحرك عند تنفيذ هذه الخطة الأمريكية- «الإسرائيلية»، وهي ردة فعل مختلف الشعوب العربية، رفضاً لسرقة ما تبقى من أرض فلسطين، بعد لعبة تحريك الأسماء المفتعلة لمناطق فلسطين التاريخية، وتقسيم الاستيلاء عليها من العام 1948 إلى العام 1967، إلى الربع الأول من القرن الجديد. فالأرض التي يتحدثون عن ضمها ل«إسرائيل» ليست بنظرهم سوى مكان عام اسمه الضفة الغربية، إنه القسم الشرقي من أرض فلسطين التاريخية، الذي تأجل احتلاله من العام 1948 إلى العام 1967، إلى لحظة صدور مشروع «صفقة القرن».

14 مايو 2020
الآثار السياسية المباشرة لـ «الجائحة»
الياس سحّاب

بعض الكتاب في بعض أنحاء العالم، بكّروا في التطرق المباشر إلى التنبؤ بالآثار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية البعيدة، التي سيخلفها وباء كورونا، على البشرية بأسرها.
ومع أن بعض هذه التوقعات تبدو منذ الآن منطقية، ومعقولة، إلا أن من الحكمة عدم الإبحار بعيداً في الحديث عن الآثار البعيدة التي سيخلفها وباء كورونا في السياسة الدولية، والاكتفاء من باب التواضع، وعدم الوقوع في المبالغة والخطأ، بالمرور على بعض الآثار المباشرة، والمؤكدة، التي أحدثها انتشار الوباء.
قبل أن ينتصف شهر إبريل/ نيسان المنصرم، خرج مصدر رفيع في الإدارة الأمريكية يعلن أن عدد ضحايا «كورونا» في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، قد تجاوز حتى ذلك الحين عدد الضحايا التي تكبدتها أمريكا في حرب فيتنام. ومع أن المصدر لم يحدد أعداد هذا التجاوز، يكفي أن نتذكر أن حرب فيتنام تلك كانت كلفت واشنطن في منتصف سبعينات القرن العشرين هزيمة سياسية، وعسكرية، مدوية.
هذه حقيقة أولى أردنا أن نفتتح بها استعراض ما يخطر على البال من الآثار المباشرة لانتشار وباء كورونا، التي لا تحتمل أي شك، أو تشكيك.
الأثر الثاني الذي أصبح مؤكداً، أن هذا الوباء استطاع أن يهزم، (حتى الآن على الأقل)، كل ادعاءات العالم المتقدم بإنجاز سبق في الأبحاث العلمية. ذلك أن أكثر المتحدثين في هذا الموضوع تفاؤلاً، يتحدث عن حاجات مختبرات العالم المتقدم، إلى سنة، للوصول إلى اكتشاف عقار مضاد للوباء يتمتع بفعالية أكيدة.
والمعنى المباشر لهذه الحقيقة، أن البشرية ما زالت حيث كانت في نهاية الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين.
ومن الآثار المباشرة التي كشفت كثيراً من عيوب ادعاء أن التقدم العلمي قد شمل البشرية كلها بخيراته، ما انكشف من تصرف الدول الكبرى، مع الدول المتوسطة، والصغرى، حتى ضمن الأحلاف السياسية كحلف شمال الأطلسي، من جهة، والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية.
لقد تركت دول مثل إيطاليا، وإسبانيا، ومعها فرنسا، وبريطانيا، تعاني وحدها كل الويلات التي أتى بها وباء كورونا، من دون أي مساعدة من حلفائها السياسيين الطبيعيين، بل جاءت المساعدات من دول مثل روسيا، والصين.
إن هذا الأثر المباشر سيترك من غير شك نتائج وخيمة قد تؤدي، على الأقل، إلى إضعاف (وربما إلى إلغاء) الشعور بالأمان لمجرد انتماء دولة متوسطة، أو صغيرة إلى حلف شمال الأطلسي، أو إلى الاتحاد الأوروبي. وهذا الأثر المباشر مرشح منذ الآن لأن يترك آثاراً يسهل التنبؤ بسلبيتها المؤكدة في المستقبل القريب، والبعيد، على خريطة التحالفات الدولية.
ومن الآثار المباشرة، التي أصبحت مؤكدة منذ الشهر الثالث لانتشار وباء كورونا، هو أن هذا الوباء قد ألحق هزيمة مدوية بالدولة الكبرى. فمع أن الإدارة الأمريكية لا تكف في عهد دونالد ترامب بالذات، عن المبالغة في فرض العقوبات القاسية على كل دولة لا تدخل بيت الطاعة الأمريكي، إذا بالعقوبة الكبرى للوباء حلت في ديار الولايات المتحدة نفسها، حيث لم يتوقف الأمر عند الفشل في وضع حد لانتشار الوباء، واستفحاله، بل كشف الغطاء عن زعامة أمريكا، وحجمها في ما يخص التقدم العلمي.
هذا ما يخطر على البال في تعداد بعض الآثار المباشرة في ميدان الدول المتقدمة التي تدعي أنها بتقدمها قد اكتشفت كل أسرار السعادة البشرية.
لكن آثاراً قريبة ظهرت أيضاً في الدول الصغرى، والنامية، والمتخلفة، وهي أنه ليس من الذكاء، ولا من الحكمة، إيقاف قطار التنمية في هذه الدولة، أو تلك، والاعتماد على مساعدات التبعية للدول المتقدمة.
لقد اكتشفت تلك الدول الصغرى أنه لا سبيل للتقدم المضمون والمؤكد، سوى المضي في نشاط عميق في كل مجالات التنمية الصناعية، والزراعية، والتكنولوجية، وأن تنمية كهذه هي وحدها التي تضمن مستقبل هذه الدول.

30 أبريل 2020
كورونا.. الحرب العالمية الأقوى
الياس سحّاب

القرن ال20 المنصرم، افتتح حسب التقويم الكرونولوجي في عام 1900؛ لكن افتتاحه التاريخي الحقيقي تأجل حتى نهاية العقد الثاني، أي في مطلع العشرينات؛ بعد أن انتهت الأحداث العسكرية للحرب العالمية الأولى في عام 1918، وتأجلت الأحداث السياسية الكبرى الناجمة عن تلك الحرب العالمية الأولى، حتى مطلع عشرينات القرن الماضي.
واليوم، فإن البداية المؤخرة للقرن العشرين حتى اكتمال الحرب العالمية الأولى، تبدو وكأنها تكرر نفسها مع مطلع القرن الجديد الحادي والعشرين، بنشوب ما يمكن تسميته بالحرب العالمية الثالثة، باجتياح وباء «كورونا» القاتل كل الكرة الأرضية فيما يمكن تسميته الحرب العالمية الثالثة. التي جاءت متفوقة في ويلاتها على الحربين العالميتين ( الأولى والثانية)؛ وذلك إذا قارنا المساحة التي غطتها كل حرب من تلك الحروب العالمية ال3؛ حيث اكتفت كل حرب من الحربين الأولى والثانية على فظاعتهما، باجتياح بقع محدودة من الكرة الارضية، أما الحرب العالمية الثالثة الحالية، فقد اجتاحت كل بلاد القارات الخمس للكرة الأرضية، في حرب اختفت فيها شخصية العدو بشكل فيروس قاتل، عجزت حتى الآن كل مختبرات العلوم المتقدمة في العالم، عن إيجاد دواء قاتل لهذا العدو الفتاك.
عندما انتهت الحرب العالمية الأولى بكل فظاعاتها العسكرية، كان غريباً أن يترافق ذلك، مع زحف وباء الإنفلونزا الإسبانية، التي وصل عدد ضحاياها إلى خسمين مليون إنسان، وكأنها جاءت لتكمل الفظاعات العسكرية للحرب.
وبعد انحسار موجة الحرب العسكرية والوباء الجرثومي، انطلقت في عقد العشرينات موجة ثقافية عالمية، قاد فيها فلاسفة ذلك الزمن حملة أخلاقية وثقافية شهيرة على وصف التدهور الأخلاقي الذي انحدرت إليه البشرية، في الحرب العالمية الاولى؛ حيث أثبتت الإنسانية أنها تقدمت كثيراً في المجالات العلمية؛ لكنها تراجعت إلى الدرك الأسفل في مجال الأخلاق والإنسانية، حتى وصلت إلى درك وحشي من التخلف الإنساني والأخلاقي.
لكن هذه الصحوة الفلسفية الأخلاقية ما لبثت أن ذهبت أدراج الرياح؛ لأن البشرية أنتجت في منتصف القرن العشرين حربها العالمية الثانية، التي لم تكن أقل بشاعة من الحرب العالمية الأولى، بدليل أنها انتهت بالقاء قنبلتين ذريتين على مدينتين يابانيتين، وبسرقة فلسطين وطرد شعبها؛ لإقامة دولة «اسرائيل».
المشهد السائد عالمياً في هذه الأيام يعطينا حق الاستنتاج بأن بداية القرن الجديد الحادي والعشرين، تكاد تكون نسخة مكررة عن بداية القرن العشرين.
فكما تأخرت ولادة القرن العشرين التاريخية لعشرين عاماً بانتظار الحرب العالمية الأولى، فإن البداية التاريخية الحقيقية للقرن الجديد، أي للحادي والعشرين، قد تأخرت عشرين عاماً بالتمام والكمال، بانتظار انفجار «الحرب» العالمية الثالثة، على شكل وباء سيطر هذه المرة على كامل الكتلة البشرية، في خمس قارات من الكرة الأرضية.
ومع أن العدو هذه المرة خفي، لا يحمل إلا اسم ال«كورونا»، فإنه جاء يكشف كل الحقائق التي يعبر عنها الانهيار الخلقي، الذي أوصل إليه البشر التقدم العلمي الهائل، وصناعة الأسلحة، وصناعة الجراثيم، وصناعة سيطرة الدول الغنية على الدول الفقيرة، حتى أن الوباء هجم يضرب بالدرجة الأعلى من العنف، الدول الأكثر تقدماً، في الصين وأوروبا الغربية بالذات، ثم الولايات المتحدة الأمريكية.
إن هذه الطبيعة الجماعية لمواقع «هجوم» الحرب العالمية الثالثة، قد بدأت في الحقيقة، وبعد انقضاء الشهرين الأولين لتلك الحرب العجيبة الغريبة، فها هي ترسم لنا الآن خريطة العالم الجديد التي جاء وباء ال«كورونا» يفرضها على حركة التاريخ، في تطور البشرية. فالنتيجة الأولى التي أنجزها الفصل الأول من هذه الحرب، قد أدت إلى تحول الشهرين الأولين إلى بداية هجوم الوباء، وفرض إجازة إجبارية على كل البشرية، أدت إلى تحسن هائل في البيئة المحيطة بالكرة الأرضية، والتي كاد يدمرها التقدم الوحشي للبشرية، حتى أنهم في الهند، شاهدوا لأول مرة منذ مئة وعشرين عاماً، قمة الهملايا بالعين المجردة، بعد انقشاع موجة التلوث.
لقد جاء الوباء يفرض على البشرية وعياً اضطرارياً لفساد أسلوب الحياة الذي انحدرت إليه البشرية؛ وذلك ليس على صعيد العلاقة بطبيعة الكرة الأرضية فقط؛ بل بالإدارة السياسية المتوحشة التي انحدرت إليها السياسة طوال القرن العشرين.
في الأفق يبدو أمامنا عصر ما بعد انحسار وباء «كورونا»، عن عالم تنتهي فيه أحادية الزعامة الأحادية للنظام الدولي المسجلة باسم الولايات المتحدة الأمريكية.
كذلك يبدو أمامنا تضعضع، إن لم يكن تفكك وحدة الاتحاد الأوروبي، بعد أن وقعت إيطاليا الأوروبية في قعر الوباء، فتخلت عنها دول الاتحاد، ولم تجد أمامها مسعفاً سوى الصين وروسيا.
يبدو باختصار أن التغيرات التي ستجلبها الحرب العالمية الثالثة، حرب «كورونا»، ستكون أعمق بكثير من التغيرات التي أتت بها الحربان العالميتان الأولى والثانية.

19 مارس 2020
صفقة بين مَنْ ومَنْ؟
إلياس سحّاب

كأنما جاء توقيت انتشار وباء الكورونا عالمياً، في توقيت مناسب لتغطية أكبر عملية سرقة سياسية وجغرافية وإنسانية تتم في التاريخ البشري المعاصر، فيشغل العالم، المنشغل أصلا عن هذه السرقة، لاستكمال آخر محطات السرقة التاريخية التي أطلق عليها لمزيد من التعمية اسم «صفقة القرن»، تحت جنح كامل من الظلام والطمس والتواطؤ.
وكاد التاريخ البشري المعاصر، أن يشهد مثيلاً مطابقاً لصفقة سرقة فلسطين، بسرقة الاستعمار الأوروبي الاستيطاني لجنوب إفريقيا، غير أن حظ تلك القضية كان وما زال حتى الآن أفضل بكثير من الحظ السياسي لقضية فلسطين، حيث استطاع النضال التحريري لجنوب إفريقيا أن يتوج بقيادة تاريخية، كانت منسجمة قولاً وفعلاً مع المبادئ الأساسية للقضية، هي القيادة التاريخية لنيلسون مانديلا التي قادت من داخل السجن، نضال شعب جنوب إفريقيا، الأمر الذي لم يتوفر للنضال التحريري الفلسطيني، الذي تقلب وما زال يتقلب في محطات من الصعود والهبوط، حتى وقع في فخ البحث عن الحل عن طريق التعامل مع اتفاقية أوسلو.
والحقيقة تقول إن صفقة القرن هي تعبير عن الشراكة الاستعمارية الأمريكية مع الرابح الوحيد من «الصفقة»، نظام الاحتلال الاستيطاني للحركة الصهيونية.
وهكذا نرى أن هذه الصفقة ليست جديدة، بل تم التأسيس لها استعماريا منذ قرن ونيف. وخلاصة الصفقة كما تشي حقيقتها الأساسية، هي استكمال سرقة فلسطين من النهر إلى البحر، والعمل على إلغاء نهائي - إن أمكن- للوجود السياسي لشعب فلسطين، عن طريق تهجير ما أمكن تهجيره إلى دول الجوار العربي، وإخضاع من بقي على أرض فلسطين الى واقع الخاضع بالكامل للاستعياد الاستطياني، بعد تجريده من كامل حقوقه، وبعد تهويد ما تبقى من الأرض.
ومع أن نضال شعب فلسطين قد مر، بعد تلك المحطة، ببوادر بدت في فترات معينة إيجابية، فإن الوضع المزري الحالي، أوصل النضال الفلسطيني الى طرق شبه مسدودة.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، الذي كان يبدو في معظم المحطات أقرب الى منطق السارق والجلاد بالنسبة للضحية، فإنه بدأ منذ سنوات قليلة يعلن عدم الموافقة على المحطة الأخيرة من عملية السرقة، باستكمال تهويد ما احتل في عام 1967، مع ما سبق واحتل في عام 1948.
لكن رغم صدور بعض المواقف الإيجابية نسبياً التي أدت أحيانا الى صدور قرارات ايجابية تساند ولو جزئيا بعض الحقوق الفلسطينية والعربية الأساسية، فإن الكلمة العليا دوليا بقيت، وما زالت حتى اليوم، خاضعة للسياسة الأمريكية، التي دخلت الى القضية بقوة. فقد تم تثبيت وجود «إسرائيل» على قسم من أراضي فلسطين التاريخية من عام 1948، وإلغاء كامل الحقوق التاريخية لشعب فلسطين الأصلي. وفي هذه المرحلة من تطور القضية بدت القوة الأوروبية في المجتمع الدولي، أعجز من أن تعرض رأيها المتميز عن منطق صفقة القرن، بعد أن وصل الجانب العربي الى ما يشبه التخلي الرسمي عن أساسيات القضية.
ومع ذلك، فإننا إذا نظرنا الى الأطراف التي تحتل موقعاً أساسياً في لعبة الصفقة الحالية القذرة، فإننا لن نجد صفقة بين طرفين متخاصمين ومتواجهين، يحاولان الوصول إلى تسوية وسط، لكنها تتحول من ادعاء أنها «صفقة» بين طرفين، إلى استكمال عملية السرقة التاريخية، التي يتفق عليها كل من حماس الامريكي، والسارق الأساسي لفلسطين.
ومع كل هذا التدهور الذي وصلت اليه القضية، ومرور عمليات استكمال السرقة تحت اسم «صفقة القرن» هناك استحالة لاستكمال النجاح الكامل لعملية السرقة المفضوحة، حتى ولو اكتملت لها كل عناصر القوة، وسيطرت على الجهة المقابلة، كل عناصر الضعف، حتى الآن.
إن الصمت المريب الذي يسيطر منذ مدة على خطوات استكمال عملية السرقة التاريخية، والذي جاء انتشار وباء الكورونا، وتحوله الى هاجس يسيطر على جميع المجتمعات البشرية، في شتى أنحاء الأرض، يبقى العنصر الثابت من القضية، الذي لم يعرف تحولا أو تبدلا في المحطات الإيجابية والسلبية للقضية.
إن الوجود الحي لشعب حي هو شعب فلسطين الموزع بين أراضي 48 وأراضي 67 والشتات العربي والدولي يمثل حائط الصد الفعلي لمواجهة صفقة القرن.
ولنعد إلى عنوان الموضوع، إن أي صفقة في العالم، تجارية كانت أم سياسية، تفترض وجود طرفين متواجهين يتم إجراء محاولة لايجاد تسوية عادلة بين الاثنين تحفظ لكل طرف جانباً من جوانب الصفقة. إلا صفقة القرن التي ليس فيها سوى طرف واحد، متفق تمام الاتفاق على استكمال عملية السرقة التاريخية، دون تأمين أي جانب، ولو ضئيل، يحفظ للطرف الآخر شيئاً مهماً ضئيلاً من حقوقه.
إنها بالتأكيد ليست صفقة، ما يتم تقريره أمريكياً وصهيونياً لتصفية قضية فلسطين، هي سرقة موصوفة تشمل احتلال كل فلسطين التاريخية، وإلغاء شعبها وحقوقه، إذا أمكن ذلك، ولكن ذلك هو المستحيل بعينه.

23 يناير 2020
هل المصالحة الفلسطينية مستحيلة؟
إلياس سحّاب

مرت العلاقات بين حركتي فتح وحماس بامتحان صعب قبل أيام، سقطت فيه العلاقات بين المنظمتين سقوطاً مروعاً، يوحي وكأن المصالحة بين المنظمتين مستحيلة.
فمنذ أن تسلم إسماعيل هنية منصب الرجل الأول في حركة حماس، قبل عامين ونيف، وهو يبذل عدة محاولات، باءت كلها بالفشل، للحصول على إذن من الدولة المصرية، للسماح له بأن يجتاز أراضيها، للقيام بجولة للعلاقات الدولية. وقد منيت كل هذه المحاولات بالفشل، حتى جاءت نهاية العام 2019 المنصرم، وحدثت على ما يبدو تحولات معينة متعلقة بالدور الذي تلعبه مصر، الموقعة على اتفاقيات كامب ديفيد مع دولة الاحتلال، في لعب دور دبلوماسي، ينجح مرة ويفشل مرات، لتنظيم اتفاقات التهدئة بين قطاع غزة ودولة الاحتلال. ويبدو أن هذه التحولات منحت هنية لأول مرة الإذن في عبور أراضيها للانطلاق في جولة لبعض الدول.
وما إن بدأ هنية جولته، حتى انتصبت في وجهه، حيثما توجه، الحواجز السلبية التي أقامتها بوجه رحلته السلطة الفلسطينية، أي حركة فتح، وخصوصاً من جانب سفراء فلسطين.
ولو عدنا إلى عمق هذا الخلاف المستفحل الذي يحول دون أن تنعكس الوحدة الوطنية على العلاقات بين المنظمتين الكبيرتين فتح وحماس، لاكتشفنا أن هذا الخلاف يعود إلى نشأة وتطور كل من هاتين الحركتين.
فحركة فتح، كانت أم منظمات المقاومة الفلسطينية التي قامت في أواخر الستينات رداً على هزيمة عام 1967، وسرعان ما قفزت إلى زعامة منظمة التحرير الفلسطينية، بعد مرحلة عابرة لقيادة أحمد الشقيري. وكانت المحرك الأساس وراء صياغة ميثاق وطني لهذه المنظمة، كان يضع هدف تحرير فلسطين التاريخية، من البحر إلى النهر، هدفاً مركزياً لمنظمة التحرير، وينص صراحة على استخدام المقاومة المسلحة أسلوباً وحيداً لتحقيق هذا الهدف، بعد أن اعتبرت أن الجيوش العربية، قد فشلت في تحقيقه.
لكن تحولات كبيرة حصلت، أهمها، الغزو «الإسرائيلي» للبنان في العام 1982، حيث تمركزت منظمة التحرير بكل حركاتها إلى المنفى في تونس.
بعد ذلك، وبقيادة الزعيم التاريخي ياسر عرفات لكل من منظمة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، حصل التحول السلبي التاريخي، بالتنازل عن الأهداف الأساسية للميثاق الوطني، ودخلت القضية الفلسطينية منذ ذلك اليوم، وحتى يومنا هذا، في نفق اتفاقيات أوسلو، تحت الشعار الفضفاض الذي رفعه ياسر عرفات «أعطوني شبراً واحداً من فلسطين لأحرر الباقي».
تنفيذاً لهذا الشعار الفضفاض، دخلت القضية الفلسطينية في مسار مستمر منذ ما يقارب الثلاثين عاماً، لمزيد لا نهاية له من التنازلات الأساسية في الأهداف العامة، وفي وسائل تحقيق هذه الأهداف. ودخلت السلطة الفلسطينية في الفخ التاريخي للتنسيق الأمني مع الاحتلال، بعد مرحلة المقاومة المسلحة لهذا الاحتلال.
في هذه الظروف التاريخية، ولدت كل من حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، في قطاع غزة بشكل أساسي، مستعيدة هدف تحرير فلسطين، وأسلوب الكفاح المسلح، بعد أن تنازلت حركة فتح، والسلطة الفلسطينية في رام الله عن الاثنين.
يبدو للوهلة الأولى وكأن حدوث اللقاء بين هذين الطريقين المتناقضين أصبح أمراً مستحيلاً: فإما الإجماع على الأول وإما على الثاني.
لكن بعد حدوث تحولات نسبية في حركة حماس، يبدو أنه ليس من المستحيل إعادة النظر العميقة من كلا الحركتين (فتح وحماس) في المسيرة المستحيلة التي وصلت إليها قضية فلسطين، مع تفاقم الاحتلال، وشموله وسيطرته على كل أرض فلسطين التاريخية، للعمل بأوامر الوحدة الوطنية لشعب فلسطين، وإعادة الاتفاق على برنامج جديد موحد للعمل الوطني الفلسطيني، بعد تحديد دقيق وتفصيلي للحقوق الأساسية لشعب فلسطين التي لا يجوز التنازل عنها، وتوسيع بيكار مختلف الأساليب (السياسية والشعبية والعسكرية) لتحقيق هذه الأهداف، بعد الاتفاق الجماعي عليها.
من دون الوصول الصعب، ولكن غير المستحيل، لهذا البرنامج الفلسطيني الوطني الجديد، تبدو لي أن المصالحة الوطنية بين فتح وحماس، ستظل مستحيلة، كما بدت في رحلة إسماعيل هنية الدولية الأخيرة.