«من غشنا فليس منا»

مكارم الأخلاق
03:53 صباحا
قراءة دقيقتين
د. رشاد سالم *

إن الغش والخداع والغدر خلائق وضيعة، تنافي الصدق ولا تلائمه، ذلك أن الصدق يستدعي النصيحة والاستقامة والوفاء والإنصاف والعدل، ويتجافى عن الكذب، والمداورة، والغش، والخداع.
وإن الفطرة النقية لتنفر من الغش والخداع والغدر، وترى هذه الأخلاق السيئة أمارة على انسلاخ صاحبها من الانتساب للإسلام، كما قرر الرسول، صلى الله عليه وسلم بقوله: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا». رواه مسلم.
ولقد مرّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس! من غش فليس مني». رواه مسلم.
ذلك أن مجتمع المسلمين قائم على نظافة المشاعر الإنسانية، وعلى النصيحة لكل مسلم، وعلى الوفاء بالعهد لكل فرد من أفراده، فإذا ما وُجد فيهم غاش مخادع غدار، فإنما هو دخيل على هذا المجتمع، غريب عن أفراده، مجانب لسجاياهم الغر وخلائقهم الحسان.
ولهذا عد الإسلام الغش والخديعة والغدر من الجرائم البشعة التي تزري بصاحبها في الدنيا، وتسوّد وجهه في الآخرة. يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان». متفق عليه.
فيا لخجلة الغدارين والغدارات الذين حسبوا أن غدراتهم طوتها الأيام، فإذا هي تنشر يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وألويتها مرفوعة بأيديهم.
وإن خجلتهم لتزداد سوءاً وخزياً يوم القيامة، حين يجدون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو المؤمل المرجّى للشفاعة في هذا الموقف الرهيب، يعلن أن رب العزة يقف خصماً لهم، لأنهم اقترفوا جريمة الغدر الفادحة، وإنها لجريمة كبرى تحجب عن صاحبها رحمة الله، وتحرمه شفاعة رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم.
جاء في فتح الباري: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره».
إن المسلم الصادق الذي ارتوى من هدي دينه الحق، ليبتعد عن خلائق الغش والغدر والخديعة بكل صورها وأشكالها، وإنها لكثيرة في عالمنا المعاصر، ويربأ بنفسه أن يسلكها في زمرة الغشاشين المخادعين الغدارين الذين عدهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم من المنافقين. يقول عليه الصلاة والسلام: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». متفق عليه.

* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"