المتأمل في قصص المتطوعين ضمن الجهود القائمة حالياً؛ والمتمثلة في التصدي لجائحة «كورونا»؛ يجد الكثير من الدروس والعبر والمواقف، ويفخر بوجود وعي حقيقي، وإدراك عميق لمعنى التطوع، والإسهام المجتمعي على الرغم من الظروف والتحديات التي نعيشها حالياً، والتي دفعت الكثير للعمل في الميدان التطوعي، خاصة من الشباب وطلبة الجامعات الذين عادوا استثنائياً من الخارج؛ بعد توقف دراستهم أو الدارسين في جامعات الدولة، والذين انضموا للعمل الميداني، ربما للمرة الأولى في حياتهم، وقدموا دروساً في التضحية والعطاء وتحمل المسؤولية، وهي في الحقيقة تعد مؤشرات بارزة على إدراك أبناء هذا الجيل لما يدور حولهم، والتعاطي معه بواقعية.
جميل أن تسمع عن شاب يتطوع في أكثر من موقع ومجال، ويضع نصب عينيه هدفاً واحداً؛ وهو العطاء، ودفع جهود الدولة للأمام، واتخاذ القدوة الملائمة التي تتمثل أمامه اليوم في أكثر من مكان، ويبحث عن الاستغلال الأمثل لوقته، وهو الأمر الذي سيشكل منعطفاً مهماً في حياته، ويدفع به للمساهمة الإيجابية في كل مجاﻻت الحياة، ويفتح مداركه؛ لرسم خط مستقيم لحياته المهنية أوﻻً، وحياته الاجتماعية كمواطن صالح ونافع تعول عليه الدولة الكثير.
من المهم أيضاً أن يستمر هذا النهج طوال العام، وﻻ يرتبط بمناسبات معينة هي مواسم عمل له، كما ينبغي أن يشمل فئات جديدة، كما فعلت «كلية فاطمة للعلوم الصحية» التي شجعت طالباتها على استثمار دراستهن والمعلومات والخبرات التي اكتسبنها في المجال الطبي والإسعاف في هذا الوقت بالذات، والوقوف إلى جانب أفراد خط الدفاع الأول، وكسب الخبرات والمهارات من الميدان؛ ليكون تطوعهن الحالي كتدريب عملي حقيقي أكثر وقعاً وتأثيراً من التدريب الأكاديمي المرتبط بالخطة الدراسية، وهو الأمر الذي تحقق فعلاً لدرجة أن هناك طالبات يعملن 12 ساعة يومياً ضمن طواقم الإسعاف بعيداً عن أسرهن، وفي ظل ظروف صارمة.
ومع إطلاق منصات التطوع، وتوحيد الجهود الدافعة لها، خاصة بعد فعاليات الحملة الوطنية «الإمارات تتطوع» التي تستهدف توحيد الأنشطة التطوعية على مستوى الدولة، وتعزيز التكامل والتعاون بين القطاعات الحكومية والخاصة، ومشاركة المجتمع؛ فإن التطوع يجب أن يكون ثقافة مستمرة طوال العام، وأن تتحمل مؤسسات المجتمع دورها في دعم هذا المجال، وابتكار الأنشطة التطوعية التي تتلاءم وجيل اليوم، وتستقطبه حتى ولو كان افتراضياً وعن بُعد، ودمج الشباب مع أصحاب الخبرات؛ سعياً لكسب الخبرات واستغلال الطاقات بصورة أمثل مع إطلاق برامج تحفيزية للمتطوعين؛ تجعل من التطوع بيئة جاذبة وحديثة في شكلها ومضمونها.
راشد محمد النعيمي