ما من شعب على وجه الأرض، بالغاً ما بلغ ارتقاؤه في مدارج التطور إلا وتخالط ثقافته المعتقديّة ضروب من الميتافيزيقيا عبر آلاف السنوات.
على كثرة الجهود التي ظلت تُبذل، منذ استقلال السودان، لإرساء دعائم السلام في ربوعه، وما يُبذل في سبيل ذلك من مال، ووقت، فإنها ظلت جهوداً إجرائية، تبدأ، وتنتهي، حول طاولات التفاوض الرسمي، من جولة لأخرى، بوساطات إقليمية، أو بغيرها. غير أن ثمة جهداً آخر، عملياتياً وليس إجرائياً، تحتاج إليه صناعة السلام، ويتمثل في التركيز على تضافر السياسات الاقتصادية، والثقافية، والتعليمية، والتربوية، وما إليها، باتجاه تكامل الشخصية الوطنية، مما يستحيل تحققه من دون أن تتصالح هذه الشخصية مع ذاتها، الأمر الذي ينبني على تصالحها، قبل كل شيء، مع واقعها المتنوع، تنوعاً يتمظهر حتى في أبسط الرؤى الميتافيزيقية. ومن أمثلة ذلك قصة حقيقية رواها الفريق سلفا كير ميارديت، النائب الأول لرئيس الجمهورية، قبل الانفصال، ورئيس دولة الجنوب لاحقاً، وكنا قصدناه في جوبا، ذات نهار خريفي من أواخر يوليو/ تموز 2010م، لنعزيه في الفقيد سامسونق كواجي، أحد الرموز النضالية للحركة الشعبية الحاكمة، ووزير الزراعة في الإقليم.
استقبلنا في مجلسه بأمانة الحكومة، في عاصمة الجنوب، وكنا خليطاً من عناصر مستعربة، وغير مستعربة، مسلمة وغير مسلمة، من الحكومة الاتحادية، ومن المعارضة السياسية، ومن المجتمع المدني. وفي بعض منعرجات المؤانسات المعتادة في المآتم، حكى لنا سلفا، ولم يكن سبق لي أن اقتربت منه، شخصياً، أو لامست أسلوبه الشائق في الحكي، أنه، وفي أحد الأيام التي أعقبت مفاوضات السلام بضاحية نيفاشا الكينية بين حكومة السودان، وبين الحركة الشعبية، وقبيل التوقيع النهائي على اتفاقية السلام الشامل، حدث أن قام الزعيم الراحل د. جون قرنق بزيارة إلى منطقة «نيو سايت»، ضمن «الأراضي المحررة»، بصحبة وفد يضم بعض رموز الحركة السياسية، والعسكرية، والإعلامية، للالتقاء مع بعض السلاطين المحليين، والشخصيات الروحية «الكجور»، بغرض التأكيد على الدور الكبير الذي لعبوه، خلال الحرب، والتشديد على الدور الأكبر الذي ينتظرهم خلال المرحلة القادمة. وواصل سلفا روايته قائلاً: ما لبث «الكجور» أن انخرطوا، عند نهاية اللقاء، كما هي العادة، في طقس خاص لمباركة السلام. وكان ضمن من جاؤوا معنا من نيروبي صحفي نوبي من أقاصي شمال السودان. كان "الطقس" يقضي بأن يؤتى بثور ضخم إلى وسط حلقة واسعة من الأهالي، ثم يهمس «الكجور» في أذن هذا الثور ببعض الأدعية «الروحية»، وشرح البعض للصحفي النوبي أن الثور، إذا هز رأسه، بعد سماع الهمس، وتبوّل، ثم برك ميمّماً وجهه شطر الشمال، فإن تلك ستكون دلالة على القبول، وأن السلام مبارك! أما إذا لم يفعل، فلن يكونا مقبولين! واستطرد سلفا قائلاً: على الرغم من أن صديقنا النوبي ظل صادقاً، دائماً، في حماسه لمشروعية الاختلاف، ولفكر التنوع، إلا أنه لم يكن ليصدق، بطبيعة الحال، أن شيئاً مما قيل له سوف يحدث! مع ذلك، ما أن أكمل «الكجور» التمتمة في أذن الثور، حتى هز رأسه، وتبوّل ملياً، ثم برك ميمّماً وجهه صوب الشمال!
ومضى سلفا يقول: في تلك اللحظة، بالتحديد، حانت مني التفاتة إلى الصحفي النوبي، فرأيت وجهه يشحب رويداً رويداً، حتى إذا أكمل الثور تداعيه على الأرض، ووجهه إلى الشمال، وعيناه جاحظتان، وسيقانه متيبسة، وبوله «يسرسب» من تحته، أطلق صاحبنا ساقيه للريح، ما كبد الشباب رهقاً في اللحاق به، وطمأنته، ثم إحضاره إلى حيث وجدنا منفجرين بضحك مجلجل، بما فينا قرنق ذاته، بل و«الكجور» أنفسهم.
ووسط لجة الصخب الذي أحدثته الحكاية جعلت أفكر كم هي هائلة منظومة الوحدة المتعددة، بطوابعها المتنوعة، وذائقاتها الدينية، والثقافية، والإسلامية، والمسيحية، و«الأرواحية» التي لا حصر لها. فما من شعب، على وجه الأرض، بالغاً ما بلغ ارتقاؤه في مدارج التطور المادي، والاقتصادي، والعلمي، إلا وتخالط ثقافته المعتقدية ضروب من الميتافيزيقيا عبر آلاف السنوات، حيث مؤسسات البنية الفوقية للمجتمع عادة ما تكون أبطأ في التغير من مؤسساتها التحتية، وأن الناس في هذه الدنيا ما زالوا أسرى حاجتهم البكرة للسحر، ولما لا حصر له من التصورات، والأخيلة الميتافيزيقية التي تعينهم على التماسك إزاء ظواهر الطبيعة، ونزقها، وتفلتاتها. لكن، بقدر ما تتكافأ وتتساوى القيمة الثقافية والروحية لهذه التصورات والأخيلة، ودلالاتها المعتقدية، لدى مختلف الشعوب، والتكوينات الإثنية، والقبلية، بقدر ما تتنوع وتختلف الأشكال والطرائق التي تتمظهر بها هذه التصورات والأخيلة، من دون أن يكسبها هذا التنوع والاختلاف أية ميزة نوعية على بعضها بعضاً.