لا تنقص المسلمين الأتراك الجوامع والمساجد، فعددها في إسطنبول وفي مختلف مدن وأرجاء تركيا هائل، ولا وجه لمشروعية في قيام حكومتها بتحويل كنيسة إلى جامع، أياً كانت الحجج والذرائع.
في الكثير من بلداننا العربية تتجاور الكنائس والجوامع ودور عبادة لطوائف دينية أخرى، وينظر إلى ذلك على أنه وجه مهم من وجوه التسامح والتعايش بين أصحاب الديانات المختلفة، ودليل رقي وتحضر المجتمعات التي تستوعب في ثناياها أشخاصاً تجمع بينهم فقط قيم المواطنة.
وتدلّ التجارب القريبة على أن الرأي العام والنخب الدينية والثقافية والسياسية والحكومات توحد جهودها في رفض واستنكار بعض الأعمال الإرهابية التي استهدفت دور عبادة في بعض بلداننا، أكانت عائدة لديانات أخرى، خاصة الكنائس المسيحية، أو جوامع تخص أصحاب مذاهب إسلامية، على النحو الذي مارسه متطرفو «داعش».
وفي تركيا نفسها فإن مجاورة «آيا صوفيا» للجامع الأزرق والمطل مثلها على بحر مرمرة في إسطنبول، والذي بني في سنوات 1609- 1616 بأمر من السلطان أحمد الأول ظلت، منذ إقامة هذا الجامع، تحمل معنى حضارياً راقياً، بما يجسدّه من تجاور المعالم الدينية بقيمتها التاريخية والحضارية، وبما يعكسه من تنوع ثقافي وحضاري في تاريخ البلد، ولكن «حزب العدالة والتنمية»، وكل الأحزاب والتيارات التي على شاكلته، خارج تركيا، ليست من القماشة المنسوجة بالتنوع والتعدد والتسامح، إنما بخيوط الأحادية والتعصب وكراهية الآخر ورفضه.
مع ذلك، فإن «اليافطة» الدينية التي يرفعها المسؤولون الأتراك لتبرير تحويل «آيا صوفيا» إلى جامع، فيها الكثير من الزيف والادعاء، فلا أسباب دينية تصمد للحد الأدنى من النقاش في تفسير هذا القرار، فالأمر سياسي صرف لرجل يعدّ نفسه سلطاناً عثمانياً جديداً، يوهم نفسه بإعادة «أمجاد» العثمانية، في زمن لا مكان فيه لأوهامه خارج حدود بلده، بل إنه حتى داخل تركيا نفسها يجابه بمعارضة متنامية، وصلت إلى داخل صفوف حزبه الذي تتفاقم الانقسامات فيه.
بحساب أردوغان فإن هذه الخطوة التي يلعب فيها على الوتر الديني ستساعد على إعادة تكاتف أنصار حزب العدالة والتنمية حوله، وتسعفه في انتشال الحزب من الصعوبات الجمة التي يمّر بها ومن تناقص شعبيته، لذلك لا يبدو مكترثاً بحملة الاحتجاجات الدولية الواسعة على خطوته، التي أتت أيضاً من منظمات وهيئات دولية معنية بالتراث المعماري والديني، وبالذاكرة الثقافية عامة على المستوى العالمي، بل إن أردوغان بفعله هذا يبدو أنه أدار ظهره نهائياً لفكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وما يتطلبه من شروط.
لماذا آيا صوفيا؟
18 يوليو 2020 04:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 يوليو 04:19 2020
شارك
د. حسن مدن