د. حسن مدن

ختمنا مقالنا عن المناوشة بين طه حسين وإبراهيم المازني بالإشارة إلى أنه من القليل القول إن العميد ردّ الصاع صاعين على المازني. والصاع، لغةً، «مكيال يساوي أربعة أمداد، والمدّ يساوي (650) جراماً أي ملء يدي رجل واحد، وكايله: قال له مثل قوله أو فَعَلَ كفعله، فهي مثل شاتَمَه في المعنى»، وتعبير: ردّ له الصاع صاعين كناية عن أنه جازاه بضعف شَرِّه، فهو تعبير اصطلاحي «خرج عن معناه الأصلي إلى معنى آخر بلاغي».
مثلّت المناوشة بين الرجلين «التجني والتظالم على أعنف ما يكون»، وفق زكي مبارك في «رسالة الأدب»، وطه حسين أراد، حسب مبارك أيضاً، «دفع العدوان بما هو أقسى من العدوان».
أخرج المازني الموضوع عن سياق نقده لديوان عزيز أباظة «أنّات حائرة»، فلم يكتفِ بنقد تقديم طه حسين للديوان، إنما تناول شخصه بانتقاد قبوله مناصب إدارية في الجامعة والوزارة، ولم يكتف بالقول إن الأدب خسره بانصرافه لمثل هذه المهام، لأنه يضيع وقته ونفسه في مناصب تشغله وتستنفد جهده ووقته، وإنما أضاف أن الحكومة لن تستفيد منه، لأنه غير مؤهل لتولي ما أسند إليه من مهام.
انطلق طه حسين في رده على المازني باتهامه أن دافع نقده له هي الغيرة والحسد، غامزاً من قناته حين دعاه لقراءة «سورة الفلق» في القرآن الكريم، لكن دون أن يشير إلى مضمون الآية التي قصدها، والقائلة: «ومن شرّ حاسد إذا حسد»، كما دعاه لقراءة لامية المتنبي، ملغزاً إلى بيتين فيهما يقولان:
أرى المُتَشاعِرينَ غَرُوا بِذَمّي *** وَمَن ذا يَحمَدُ الداءَ العُضالا
وَمَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ *** يَجِد مُرًّا بِهِ الماءَ الزُلالا»
فضلاً عن تلغيزات أخرى لنصوص لطرفة بن العبد، ولبيد، والأخطل، وقدوته أبي العلاء المعري.
وخلص طه حسين إلى القول: «إني آسف أشدّ الأسف، لأن عزيز أباظة لم يطلب من المازني كتابة هذا التصدير، إذن لكان له المحصول، كل المحصول، وآسف أشدّ الأسف، لأن الحكومة لم تكل إلى الأستاذ عملي في وزارة المعارف وفي جامعة فاروق، إذن لكسبته الحكومة والأدب جميعاً».
وواصل طه حسين «صاعاته»: «أحببُ إليّ بأن أستقيل، وأتفرغ للأدب، ولكني أودّ أن أستيقن، قبل ذلك، بأن الحكومة ستضع الأستاذ المازني مكاني، لنرى أيكتب كلاماً كالذي أكتبه أم يكتب كلاماً خيراً منه».
لام زكي مبارك الرجلين. لام المازني، لأنه من بدأ الهجوم، والبادي أظلم، ولام طه حسين قائلاً: «نرفض تسليمك إلى الحكومة، وسنجاهد إلى أن نستردّك».

[email protected]