الكتّاب العرب ينتظرون «جودو»

03:27 صباحا
قراءة 4 دقائق
علاء الدين محمود

تعتبر جائزة نوبل التي انطلقت عام 1901، هي الأشهر والأرفع في العالم، وظلت الجائزة تمنح سنوياً في عدد من المجالات مثل العلوم والسياسة، ولكن أهم هذه المجالات التي تخصصت فيها الجائزة هي الآداب، حيث ظلت حلماً لكل الأدباء في مختلف أنحاء العالم، وبالفعل، فقد فاز بها كبار الأدباء العالميين من روائيين، وشعراء، وكتاب، فقد كان الفوز بالجائزة مثابة اعتراف بالأديب، يتخطى حدود بلاده، وإقليمه الجغرافي، إلى رحابة العالمية، ولئن مثلت «نوبل» للعديدين حلماً، فإن آخرين قد رفضوا أن تدخل ضمن سيرتهم الذاتية الإبداعية، حيث رفضها الكثيرون، رغم إعلان فوزهم بها، لأسباب مختلفة، أهمها شبهة التسييس والمحاباة، حيث يظن بعض الأدباء أن الجائزة ظلت تمنح لمؤيدي «مركزية الغرب»، و«النظام الرأسمالي»، أو ربما لجغرافية معينة متمثلة في أوروبا، وأمريكا، وهنالك من رفضها بسبب الحروب، وغير ذلك من الأسباب التي جعلت الجائزة رهينة لشروط غير معلنة، لكنها ذات تأثير حاسم في نيلها، وربما هنالك استثناءات لكتاب معينين كانوا جديرين بالجائزة عن حق، وهنالك من رفضها بمبرر أن الأديب الحقيقي والأدب الراقي لا يحتاج إلى جائزة تعلن عنه وترفع من شأنه، لكن الحقيقة أن «نوبل»، رفعت من شأن الكثيرين الذين لم يعرفوا إلا بعد الجائزة، حيث نالوا شهرة وترجمت أعمالهم لمختلف اللغات العالمية.

وفي كل عام تعلن فيه أكاديمية السويدية المعنية بجائزة نوبل عن موسم جديد للترشيح للجائزة في مجال الآداب، تشرئب أعناق بعض الأدباء العرب وتهفو نفوسهم شوقاً لمعانقة هذه الجائزة ذات القيمة المعنوية العالية، وكذلك المالية، بل وربما ظن بعضهم في نفسه الأحقية التي لا يقترب منها شك في «نوبل»، بل إن بعض القصص الطريفة المتداولة تحكي عن أن كتّاباً بعينهم ظلوا ينتظرون كل موسم جديد نوبل، وهم على ثقة تامة بنيلها، في مشهد أقرب لانتظار «جودو»، رائعة الكاتب الكبير صمويل بيكيت، لكن الجائزة ظلت تخاصم العرب تماماً، ولم تبتسم للثقافة العربية ومنجزها الإبداعي إلا مرة واحدة فقط، عندما فاز بها الأديب والروائي المصري الكبير نجيب محفوظ عام 1988.

جاء نيل محفوظ للجائزة، بمثابة التفاتة ل«نوبل»، نحو العالم العربي لأول مرة، ما يعني الاعتراف بالأدب العربي في أحد أهم الأجناس وهو الرواية، وهو ما يؤكد أن المنجز الثقافي الإبداعي العربي حافل بما يستحق أرفع الألقاب العالمية، وبالتالي هذا يشير إلى أن تلك الالتفاتة ربما تتكرر مرة أخرى، بل ومرات، ما يعني أن فوز محفوظ بالجائزة قد صنع حالة من الأمل لدى كثير من الأدباء، صارت تداعبهم الرغبة الكبيرة في الحصول على اللقب الكبير، لكن منذ عام 1988، صارت الجائزة «كبيضة الديك»، ورويداً رويداً تسرب اليأس إلى كثير من العرب، حيث انتجت تلك الجفوة تجاههم من قبل أكاديمية نوبل نوعاً من اليأس والسخط، بل إن بعضهم صار يشكك في الجائزة، ليس من ناحية أهميتها، بل في ما يشاع عن تحيزها للكتاب الغربيين من دون الأدباء في بقية أنحاء العالم، ولعل ما يدعم ذلك فوز قلة خارج تلك الجغرافيا والثقافة الغربية، فقد ذهبت «نوبل»، عبر ومضات خاطفة تجاه أمريكا الجنوبية بصورة أكبر، ثم آسيا، وإفريقيا، لكن الأمل يظل موجوداً وهو معقود ومرتبط، في الأغلب الأعم بعيداً عن التحفظات المذكورة، بشيء في غاية الأهمية، وهو وجود أدباء يستحقون الجائزة فعلاً، حيث إن الأمر لا يتعلق بالمخزون الحضاري والثقافي في أمة ما، أو بلد ما، بقدر ما هو مرتبط بأديب قادر على تمثل قيم وحضارة وهوية وثقافة تلك البلاد، والتعبير عنها في منتوج أدبي وإبداعي، فهل ذلك متوفر في العالم العربي؟

الحقيقة أن الجائزة لم تذهب إلى نجيب محفوظ سدى، أو ضربة حظ، فالرجل صاحب إسهام كبير في الثقافة العربية، وفي تجديد وترسيخ أدب السرد، ومنتوجاته الأدبية في مجال الرواية لامست الوجدانين المصري والعربي، وعبرت عن الحضارة والثقافة العربية خير تعبير، خاصة في ما يتعلق بالمجتمع وما يحدث فيه، فقد كان أدب محفوظ مرآة حقيقية لحركة المجتمع المصري والتغيرات التي حدثت فيه، غير أن هذا الأمر ربما ينطبق على أدباء آخرين جافتهم الجائزة حتى أدركهم الموت، ومن هؤلاء برز اسم الأديب الطيب صالح أكثر من مرة في قائمة الترشيحات، لكنه لم ينلها حتى وفاته عام 2009، وكذلك هنالك من كانوا يستحقون لقب نوبل بالفعل بما قدموه من إنتاج أدبي رفيع مثل الدكتور يوسف إدريس، الذي تحدثت أعماله الروائية والقصصية عن المجتمع العربي ومعاناة إنسانه، في إنتاج إبداعي مميز، بل وعدد من الروائيين الذين أبدعوا في ميدان السرد.

الملاحظة التي تفرض نفسها بقوة في ما يتعلق بنوبل والعرب، أن الجائزة لم تمنح في المرة الوحيدة التي ابتسمت فيها للعرب لشاعر، بل لروائي، رغم التاريخ العظيم للشعر في العالم العربي، وهذا بالطبع لا يعني أن معين ديوان العرب قد نضب تماماً من شعراء يستحقون نوبل، فهنالك أكثر من شاعر استطاع أن يفرض أدبه، وانتشرت رسالته الشعرية في الكثير من أنحاء العالم مثل محمود درويش، ومحمد الفيتوري، وغيرهما من الذين وافتهم المنية من دون أن يدركوا نوبل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"