د. حسن مدن

غنت السيدة أم كلثوم قصيدة أبي فراس الحمداني: «أراك عصي الدمع» بثلاثة ألحان. نحن نشأنا على اللحن الذي وضعه رياض السنباطي، ملحن «الست» المفضل حين يتصل الأمر بالقصائد الفصحى، لكن الدارسين والمهتمين يعرفون أن أم كلثوم سبق أن غنت الأغنية بلحنين مختلفين أحدهما لعبده الحامولي، والثاني للشيخ زكريا أحمد.
يفصل بين اللحن والآخر عدة سنوات، فهي غنت القصيدة بلحن الحامولي في العام 1926، وغنتها بلحن زكريا أحمد عام 1944، ثم عادت، بعد عشرين عاماً، في العام 1964، لتطلب من رياض السنباطي إعادة تلحينها، بعد أن اختارت أبياتاً أخرى من القصيدة لتضيفها إلى ما سبق أن غنته.
لم يُلحن الحامولى هذه القصيدة خصيصاً لأم كلثوم، وإنما للشيخ أبي العلا محمد، الذي طلبت منه الشابة أم كلثوم القادمة للتو من قريتها بمحافظة الدقهلية أن تغنيها، فأذن لها، لما لمسه في صوتها من تميّز، حتى أنها سجلتها على أسطوانة.
بالوسع القول إن هذه الأغنية بالذات أسست لعلاقة أم كلثوم بالشعر العربي الكلاسيكي الفصيح، ولشدّة إعجابها بقصيدة أبي فراس طلبت من الشيخ زكريا أحمد أن يضع لحناً خاصاً بها هي، لتغنيه، وهذا ما جرى بالفعل، لكنها لم تسجلها على أسطوانة كما فعلت مع لحن الحامولي، ما قد يطرح سؤالاً عما إذا كانت لم تجد نفسها تماماً في هذا اللحن، ما جعلها بعد عقدين تطلب من السنباطي أن يضع اللحن الثالث الذي ذاع صيته.
حين سافرت أم كلثوم إلى الاتحاد السوفييتي لتقديم حفلات لدعم المجهود الحربي، كما ذكرنا قبل يومين، تضمّن برنامجها إقامة أربع حفلات، اثنتان في العاصمة موسكو، واثنتان في طشقند عاصمة جمهورية أوزبكستان السوفييتية يومها، فاختارت هذه القصيدة بالذات لتغنيها في أحد حفلي طشقند.
كان المنظمون قد أعدّوا ترجمة إلى اللغة الروسية لكلمات الأغاني التي ستؤديها أم كلثوم هناك، ليتضمنها الكتيب الذي سيوزع على الجمهور، لكن مترجمي وزارة الثقافة الروسية أخفقوا في فهم عبارة: «عصي الدمع»، فتمت الاستعانة بمصري يدرس في موسكو، وحين سئلت «الست» عن اختيارها هذه الأغنية رغم صعوبة كلماتها، أجابت أنها تناسب ذوق الجمهور المسلم في طشقند.
يظهر ذلك فهم أم كلثوم لما يمكن أن نصفه بمزاج الجمهور الذي تغني أمامه، فكأنها شعرت أن ما يعجب الأوروبيين في موسكو، لن ينال القبول نفسه لدى الآسيويين في طشقند، وهذا ما حداها لأن تختار في حفلها الثاني هناك أغنية «ألف ليلة وليلة». وللحديث بقية.

[email protected]