أحمد البيرق
منذ 5 سنوات مضت كنت حاضراً هناك عندما تفضل بافتتاح مبنى اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية بمحافظة الجيزة في جمهورية مصر العربية، وكنت أخال ما يقوم به ما هو إلا مجرد رد لجميل تلك البلد لما قدمت لنا على هذه الأرض وما قدمت للأمة ككل وما قدمت له شخصياً، وقبل يومين فقط أدركت عمق ذلك العطاء الذي تفضل به، واتضحت لي رؤيته التي تتجاوز إدراكنا، وانبلجت أمامي أنوار تطلعاته وطموحاته.
في تلك السنة ذاتها يمنح بقرار جمهوري من رئيس جمهورية مصر العربية العضوية الفخرية في مجلس مجمع اللغة العربية بمصر، وبذلك يكون أول شخصية تمنح هذه العضوية منذ افتتاح المجمع في عام 1936، وجل اعتقادي أن يكون المنح مقابل ذلك التفضل، أي إنه تكريم له على ما بذل في إنشاء مبنى الاتحاد، ولكن الحقيقة كانت أعظم بكثير مما خيل إلي، وأن الاستحقاق صادف أهله، وأن ما يقوم به ليس مجرد ثورة بناء أسمنتية، ولكنها ثورة يسعى من خلالها إلى بناء العقول وتدوين تاريخ الأمة عبر مشروع عجز عن إتمامه من سبقوه على مدى ما يقارب قرن من الزمان.
صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، احتفى يوم الخميس الموافق 5 نوفمبر 2020 في - عروس الساحل الشرقي لإمارة الشارقة - مدينة خورفكان بولادة أول ثمانية أجزاء من - حلمه الذي راوده طوال عقدين – المعجم التاريخي للغة العربية، هذا المنجز العلمي الفكري المعرفي الأهم والأجسم والأجل للأمة، فقد دون ألفاظها ووثق أشعارها وأخبارها وتعابيرها ونسقها اللغوية التي يستعملها أبناؤها اليوم وعلى امتداد 17 قرناً قبل اليوم.
مثلي كمثل أي شخص عامي لم يفطن للمراد من هذا المعجم، حسبته كما حسب غيري بأنه مجرد معجم أبحث فيه عن معنى كلمة أو مرادفها أو ضدها، ولكني وجدت أموراً أعمق من ذلك عندما وقعت بعض نسخ هذا السفر العظيم بين يدي وقمت بتقليب بعض صفحاته وقراءة جزء يسير من محتواه.
وجدت اللفظة مقرب شرح معناها لي، أنا الذي أعيش في هذا الزمان، مع توضيح معانيها واستخداماتها في العصور الماضية، إما من خلال آية قرآنية أو بيت شعر أو خطبة أو مقولة وكيف أن استخداماتها وأغراضها تطورت واستجدت، وفي أحيان يتم تبيان من أي لغة قوم اشتقت وأحيان أخرى كيف تغيرت في زمننا ولم تعد تستخدم بذات المعنى المقصود في عصور متقدمة.
ستظل هذه الأسطر لا تفي هذا المورد العظيم حقه، ولن توضح غزير عمقه، ولن يدرك قارئها جلالة مكانته وأهميته، فهو وبكل حق سيحفظ تاريخ الأمة، بصون حضارتها وتخليد أيامها وذاكرة أهلها وأخبارهم ومآثرهم وأقوالهم وعلومهم.
لنا الحق أن نفخر ونتفاخر بأن يسجل هذا الحدث التاريخي المفصلي على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديداً من على أرض الشارقة قبلة المعرفة والعلم والثقافة والأدب والفنون في العصر الحديث وعلى يد معين العطاء ومبعث الخير ملجأ اللغة والتراث والتاريخ، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حفظه الله ورعاه.