عادي

الحب في زمن الهاتف المحمول

00:57 صباحا
قراءة 6 دقائق
1

 القاهرة: مدحت صفوت

في قصة الروائي والقاص الأمريكي جون شيفر، «الراديو الهائل»، يشتري زوجان جهاز راديو بعد أن توقف القديم عن العمل، خلال الاستماع إلى المحطات المختلفة يسمع الزوجان الثريان أصوات أجراس أبواب شقق الجيران، ليتضح لهما أن الراديو الجديد يمكن ضبطه للاستماع إلى محادثات السكان في المبنى ذاته.

يتيح الراديو إذاً أن يتعرف الزوجان إلى محادثات الآخرين ومعرفة تفاصيل حياتهم، الأمر الذي يبدو مغرياً لهما فيستيقظان ليلًا ويذهبان إلى غرفة المعيشة، ويشغلان قرص الراديو قبل أن يدب التساؤل في نفوسهما عن إمكانية سماع الجيران لحياتهما أيضاً.

القصة التي نشرت في عام 1947، وتسبق اختراع أجهزة الكمبيوتر المنزلية والهواتف الذكية، والإنترنت، ومنصات التواصل بعقود، تتوقع انهيار ذلك الخط الفاصل بين الحياة الخاصة والعامة، تلاشي الحدود حتى بدا الناس وكأنهم عرايا في بيوت من زجاج، وسرعان ما تحول إلى مصدر لانعدام الأمن والشك بالنفس.

في «الراديو الهائل» أدى التعرض إلى حياة الآخرين وانتهاك خصوصيتهم إلى فرض الزوجين رقابة ذاتية على حياتهما، خاصة عند الاستماع إلى الراديو. الآن وفي عالم تتواجد فيه محادثاتنا داخل مركز الخوادم الرقمية، كيف يمكننا أن نطمئن إلى خصوصيتنا خاصة في الحب، وبمقدور بعض الحكومات مثلًا استدعاء السجلات المخزنة.

في الحب نمارس خصوصيتنا، نحب أسرارنا، ربما إلى الدرجة التي اعتقد فيها العرب قديماً حد الربط بين الحب والجنون، فهل يمكن أن نمارس رومانسيتنا في عالم التكنولوجيا الفائقة؟ وكيف يمكن للشعراء والأدباء أن يعبروا عن هذا الشيء القوي المسمى بالحب في كتابتهم؟ وأخيراً كيف تلعب نصوصهم دور الوسيط بين المحبين في تطبيقات المواعدة و«تيندر»؟ 

تغير لحظي

 البحث عن الإجابة تستدعي بالضرورة الإقرار بأن التقنيات الرقمية تغزو عالمنا اليوم، بدءاً من أجهزة الكمبيوتر، والهواتف الذكية، حتى أدوات المطابخ والغسالات وصولًا إلى السيارات، صف الأمر كما شئت، فمنذ عقود قليلة ومع إطلاق أول كمبيوتر بدا الأمر رفاهية، الآن أصبحت الحياة من دون التكنولوجيا لا يمكن تصورها، إلى الدرجة التي نحمل فيها باستمرار جهازاً في جيوبنا، هاتفاً ذكياً، بعد أن نجحت هذه التقنيات الرقمية في تكييف أسلوب حياتنا تماماً وقلبه رأساً على عقب.

مع الوقت، تعقدت علاقتنا بالتكنولوجيا الرقمية على نحو مطرد، ففي هذه الأيام، لن يغادر معظم الأشخاص المنزل من دون هواتفهم الذكية أو الأجهزة اللوحية أو الكمبيوتر المحمول، في اتصال ينتج علاقة فريدة بين الفرد والجهاز، الإنسان والآلة، والأخيرة لم تعد مجرد أداة لتنفيذ مهمة واحدة أو إجراء وحيد، وإنما أصبحت امتداداً لشخصيتنا مما يمكننا من الاستجابة لمتطلبات المجتمع الحالية، وبطريقة ماكرة جداً، أصبحت التكنولوجيا متشابكة في حياتنا اليومية وحياتنا الجسدية؛ بحيث أصبح من الصعب جداً التمييز بين الحياتين، هنا دون وعي منا نقدم التكنولوجيا في حديثنا كما لو كانت لديها قوة إرادتها الخاصة.

وفي ظل هذا التعقيد والتشابك، ثمة من يتحدث عن العواطف التكنولوجية، وهي إضفاء السمات الإنسانية على المخترعات التكنولوجية، الأمر الذي يفتح باب مخاوف المفكرين والفلاسفة على مستقبل العواطف الإنسانية، وطبيعتها الخاصة التي لا يمكن قياسها أو تأطيرها آلياً، وهو ما يدفعنا إلى البحث عن سبب غياب أو تراجع الأدبيات الغرامية بخاصة في مجال الكتابة الشعرية.

طريقة جديدة 

إذاً غيرت التكنولوجيا نظرتنا للحب والطريقة التي نحب بها، والتعابير التي نستخدمها، وبدأ الشعر أيضاً يلحق بالركب، فلم يعد لدينا غربياً الشاعرة اليونانية «سافو» ولا الإنجليز وليام شكسبير وجون دون وإليزابيث باريت براونينج، ولا لدينا عربياً عمر بن أبي ربيعة ولا العباس بن الأحنف ولا مجنون ليلى، ثم حديثاً إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ولا نزار قباني.

الأمر لا يتعلق بالرومانسية كنزعة، تشير إلى الموقف أو التوجه الفكري الذي ميز العديد من الأعمال الأدبية والرسم والموسيقى والهندسة المعمارية والنقد والتأريخ في الحضارة الغربية على مدى فترة من أواخر القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتمثلت في رفض مبادئ النظام والهدوء والوئام والتوازن والمثالية والعقلانية التي ميزت الكلاسيكية بشكل عام وأواخر القرن الثامن عشر والكلاسيكية الجديدة على وجه الخصوص، فضلًا عن كونها إلى حد ما رد فعل ضد التنوير وضد عقلانية القرن الثامن عشر والمادية في كليتها، لتؤكد على الفرد والذاتية واللاعقلانية والخيالية والشخصية والعفوية والعاطفية والرؤيوية والمتسامية.

إنما نعني هنا بغياب الشعرية التي تحفل بالعواطف الملتهبة والمشاعر الجياشة وخلجات قلب محروم، هي التي ترى في الحب ضرورة حياتية لا غنى عنها من منطلق «الحب في الأرض، بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها؛ لاخترعناه».

عبث بضغطة زر

 أين ذهبت شعرية الغرام؟ نعتقد في زمن المواعدة الافتراضية يصبح من العبث أن يخاطب الفرد محبوبته بقول عنترة بن شداد «ولقد ذكرتك والرماح نواهل/ مني وبيض الهند تقطر من دمي. فوددت تقبيل السيوف لأنها/ لمعت كبارق ثغرك المتبسم»، الأمر حقاً يبدو مسخرة.

الآن أصبح اللقاء بضغطة زر، فتطبيقات المواعدة تحتل المرتبة الثانية في قائمة الوسائل الأكثر شيوعاً في الولايات المتحدة لإقامة علاقات عاطفية، ومن خلالها تتخلق فكرة آلاف الاحتمالات للشراكة المتاحة، لم يعد المحب مجرد فرد، فالخيارات مفتوحة ومتعددة، هنا تعلق البروفيسور في جامعة كاليفورنيا، جولي أولبرايت، بأن المواعدة غدت رياضة وليست وسيلة لبناء علاقة طويلة الأمد.

في هذا العالم المتغير لم يعد المرء يطيق الصبر على محبوب واحد، قد يكون من الصعب أو شبه المستحيل أن تتحدث إلى 300 سيدة في ليلة في مكان واقعي، بينما وفرت التكنولوجيا الفائقة إمكانية أن تخاطب العدد نفسه على تطبيقات المواعدة، وطالما تواعد في خضم مستمر، فلا مستقبل ولا أمل في الأفق، والنتيجة هي أن الناس يجدون أنفسهم وحيدين وقلقين دون معرفة السبب.

في زمن ال«تيندر»، لا تحتاج إلى الشعر الفيكتوري ولا أن تحاكي الرومانسية، ولا أن تلجأ لمحاكاة نصوص مجنون ليلى، فالعالم متشظي ومملوء بالتفاصيل، والأرض ليست يباباً كاملًا ولا عامرة حد الفراديس، الأمر ببساطة لا يحتاج إلى أكثر من إنشاء ملف تعريفي، العبارات فيه قصيرة والكلمات محددة، لا يهم أن تكون صادقة، فالافتراضية قد تجعل من هذه الجمل المحدودة فخاخاً خطرة.

الشعر، والأدب عموماً، مجال استعاري، لكنه عذب، أما في عالم الافتراضيات فالملفات الكاذبة ليست استعارات مجازية، بالتالي تقدم أولبرايت نصيحتها بتجاوز هذا العالم ومعايشة الحب والتعبير عنه واقعياً، «اقضيا الوقت معاً، وتعرفا إلى بعضكما البعض، واجعلا بناء هذه العلاقة مساحة مقدسة، دون تدخل أي أجهزة»، باختصار «في الحب وقبل كل شيء، اغلق هاتفك».

نصائح تقليدية

 تراجع الشعرية الرومانسية أو قصائد الحب المفرطة في أحساسيها دفع موقع «masterclass» إلى استشارة عدد من الشعراء والكتاب وتقديم نصائح بعنوان «كيف تكتب قصيدة حب؟» انطلاقاً من كون الحب أحد الموضوعات الشعرية الأكثر شيوعاً، لكن كتابة قصيدة جيدة تدور في فلكه، وبشرط ألاّ تكون مبتذلة أو سطحية يمكن أن يصير تحدياً حقيقياً.

وعلى الرغم من تقليدية النصائح، لكن اهتمام المنصات المعنية بالإبداع بتخصيص نصائح لكتابة قصائد الحب، إشارة دالة على أزمة التعبير الرومانسي والعاطفي في ظل عصر التطور التكنولوجي. فيبدأ الموقع نصائحه «إذا كنت ترغب في كتابة قصيدة حب، فإن أفضل مكان للبدء هو جمع بعض قصائد الحب المفضلة لديك ومعرفة ما هو مشترك بينها، مع العلم أن أفضل قصائد الحب تقول أكثر من «أحبك». غالباً ما تنقل جانباً معيناً من الوقوع في الحب ويميل أصحابها إلى أن تجاوز ذاتهم وتخطي خصوصية الشخص الواحد، وبمجرد قضاء بعض الوقت مع القصائد الرومانسية، يمكنك استخدام تقنيات الكتابة الإبداعية لكتابة قصيدتك الخاصة لمن تحب».

ويرى الموقع الأمريكي، ضرورة التركيز على الشكل. يمكن أن يساعدك جمع قصائد الحب المفضلة لديك في تحديد ما إذا كنت تريد كتابة قصائد مثل ويليام شكسبير وبابلو نيرودا أو ويليام بتلر ييتس، أو قصائد مجانية مثل الأمريكية مايا أنجيلو، شاعرة بلاط النساء السود، ويمكنك دائماً تجربة أشكال شعرية مختلفة للعثور على ما يناسبك.

وتعتمد معظم القصائد على الصور والتفاصيل الحسية لخلق صورة مرئية لقرائها، وتعتبر الصور والرمزية واللغة التصويرية مهمة على نحو خاص، فغالباً ما يقف كائن غير حي أو ظاهرة طبيعية كرمز للحب. حسبما يقول الشاعر الإسكتلندي في القرن الثامن عشر روبرت برنز «حبي مثل وردة حمراء». على الجانب الآخر، الحب الرومانسي نفسه يخدم أحياناً كرمز لمواضيع أخرى- مثل حب الوطن- في القصائد التي تبدو وكأنها قصائد حب على السطح، لكنها في الحقيقة تدور حول شيء مختلف.

ملخصات كاذبة

 في عام 1984، كتب الروائي والمفكر الإيطالي أمبرتو إيكو في تذييل رواية «اسم الوردة» عن صعوبات قول «أنا أحبك» في عصر استنفدت فيه هذه الكلمات.

كان إيكو يكتب عبارته قبل الوصول إلى عصر الإنترنت، أو تحول البشرية إلى عصر التكنولوجيا الفائقة، لكن فكرته يتردد صداها في عصر نشجع فيه كل منا على تكوين شخصية «افتراضية» على الإنترنت؛ عندما نعلم- ونعلم أننا نعلم- أنه يمكن الاستفادة من الكلمات الحميمة للإيماءات الاجتماعية والقلوب والإعجابات، لكن مع انهيار الخط الفاصل بين الحقيقي والافتراضي، وغموض الفارق بين الخاص والعام هل من الممكن أن نكون صادقين؟ عندما نتجادل، هل نفكر في كيفية تلخيص الأحداث في تغريدة بليغة؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"