أندرياس كلوث *
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام: «أنا أختلف بشدة» مع وزيرة الدفاع الألمانية، واصفًا وجهة نظرها بشأن العلاقات عبر الأطلسي بأنها «سوء تفسير تاريخي». وصعّدت الوزيرة الألمانية المعنية، أنجريت كرامب-كارينباور، اللهجة دون تأخير، واصفة رؤية ماكرون المتناقضة بأنها «واهمة».
يشير هذا الجدل غير المعتاد بين الرئيس الفرنسي والوزيرة الألمانية إلى أن هناك أمراً مهماً يدور في الخفاء. في الواقع، إنها العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ليس فقط خلال الرئاسة القادمة لجو بايدن، وإنما في المستقبل البعيد.
وينشأ الجدل من رؤية ماكرون بأن على الاتحاد الأوروبي أن يسعى جاهداً من أجل ما يسميه الحكم الذاتي الاستراتيجي والسيادة. فهو يريد أن تكون أوروبا قوية بما يكفي لإعلان الاستقلال عن الولايات المتحدة والوقوف في وجه الصين وروسيا أيضاً.
جاء رد كرامب-كارينباور ليؤكد حقيقة أن أوروبا لا يمكنها أن تسير بمفردها. فبدون القدرات النووية والتقليدية الأمريكية، لا تستطيع ألمانيا وأوروبا تأمين الحماية الكافية. هذه حقائق واضحة حيث تملك الولايات المتحدة حالياً حوالي 75 ٪ من قدرات «الناتو»، التي تشمل الاستطلاع بالأقمار الصناعية وطائرات الهليكوبتر وأنظمة الصواريخ بالإضافة إلى ترسانتها النووية.
الدافع وراء هذا الجدل طبعاً، رئاسة دونالد ترامب وازدراء الحلفاء مثل ألمانيا، وهو ما أثار مخاوف معظم قادة الاتحاد الأوروبي، وعزز فكرة تخلي واشنطن عن الأوروبيين عند مواجهة أي أزمة قادمة.
صحيح أن الرئيس المنتخب جو بايدن يؤمن بالتحالفات والتعددية، وقد يهدئ هذه المخاوف الأوروبية، لكن الترامبية قد تعود بشكل ما في غضون أربع سنوات. وحتى لو لم تعد، فإن أمريكا ستظل مشتتة بسبب الاستقطاب في الداخل وتنافسها مع الصين في الخارج. وفي المستقبل المنظور، ستكون الولايات المتحدة مهتمة بآسيا وليس بأوروبا.
تعكس الرؤية الألمانية مخلفات الحرب العالمية الثانية على الذهنية الألمانية، بينما تعكس دعوات ماكرون الاستقلالية ثقافة فرنسية ديجولية قامت على الحد من الدور الأمريكي وإبراز القوة الفرنسية بشكل أفضل من خلال مؤسسات بروكسل. وإذا كانت الماكرونية تختلف عن الديجولية، فذلك من خلال التركيز على عظمة القارة كلها وليس فرنسا فقط.
ورغم التباين الظاهر في موقفي ماكرون وكرامب -كارينباور، تلتقي النظرتان في رؤية موحدة حول العالم. فالجانبان متفقان على أن البديل للقيادة الأمريكية في الناتو على المدى البعيد، يجب أن يكون «جيشاً أوروبياً». ومع ذلك، يبدو أن الاثنين يقران بأن هذا من غير المرجح أن يحدث في أي وقت قريب.
هذا المشروع يبدو غير واقعي جزئياً لأن دول الاتحاد الأوروبي ليست مستعدة للتخلي عن جيوشها الفردية التي تعتبر آخر سهم في جعبة سيادتها الوطنية. أما في الخمسينات فقد كانت فرنسا في الواقع هي التي وأدت فكرة الجيش المشترك والسبب احتفاظها بسيادتها الوطنية. أضف إلى ذلك أن البولنديين والفرنسيين والألمان والإيطاليين واليونانيين وغيرهم، لا يمكنهم حتى الاتفاق على التهديدات التي يجب عليهم مواجهتها معاً. وحتى لو تم دمج كل الجيوش بجرة قلم، فلن يكون ذلك الجيش الموحد بديلاً للقوة الأمريكية.
من هنا تلتقي مواقف كل من فرنسا وألمانيا عند هدف جعل أوروبا أقوى عسكرياً وأن تنسق قواتها بشكل أفضل. وهناك جهود تبذل في هذا الاتجاه لكنها تتلاشى أمام العجز عن إنجاز أهداف أسهل بكثير مثل الاتحاد المالي والتنسيق السياسي.
وتتفق كلتا الدولتين على أن أوروبا يجب أن يكون لديها جيش أقوى، تستطيع نشره بسهولة بعيداً عن الدعم الأمريكي في بؤر تهدد أمن القارة مثل شرق المتوسط، أو لحماية مصالحها في البلطيق وإفريقيا.. والقائمة تطول.
لكن زيادة الإنفاق الدفاعي وتعدد المهام العسكرية، ناهيك عن أكياس الجثث التي لا مفر منها، ستكون محل خلاف شديد وسيصعب تبريرها أمام شعوب القارة، خاصة في ألمانيا. ومع ذلك يبقى من الضروري أن تتمتع أوروبا بدرجة ما من المصداقية الجيوسياسية، قد تسميها تعزيزاً للسيادة كما يدعي ماكرون، ويمكن تسميتها تقسيماً للأعباء كما ترى كرامب كارينباور، بين أوروبا والولايات المتحدة.
* مؤلف كتاب «هانيبال وأنا» (بلومبيرج)