أندرياس كلوث *
هناك طريقة رائعة يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلالها مواجهة تحديين كبيرين في حملة سياسية واحدة. إنها إنشاء «نادي الكربون» المشترك عبر المحيط الأطلسي.
والبعد الجيوسياسي لهذه الفكرة هو إحياء فكرة «الغرب»، في وقت تتباعد فيه الولايات المتحدة، وأوروبا، ولكنهما ما زالا يأملان في تجديد تحالفهما بعد أن أصبح جو بايدن رئيساً. والهدف الأكبر هو كسب المعركة ضد ظاهرة الاحتباس الحراري التي يعتبرها كل من بايدن، والاتحاد الأوروبي، من أولوياتهما.
والطريقة الوحيدة لإبطاء تغيرات المناخ هي خفض انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى كوكبنا بشكل كبير. وأفضل نهج لذلك هو تحديد سعر مرتفع ومتصاعد للكربون. مثل هذه النهج يمكن أن يجبر المنتجين والمستهلكين على تبني السلوكات والتقنيات الكفيلة بخفض التلوث.
وعندما يتم تشكيل هيئة دولية للفصل في قضايا التلوث يمكن الاتفاق على كيفية تحديد سعر الكربون. ويمكن فرض ضرائب على الانبعاثات مباشرة. أو يمكن تحديد مقدارها الإجمالي بموجب القانون، ثم إصدار مخصصات الكربون التي يمكن للشركات شراءها وبيعها في سوق مفتوح، بسعر يتغير باستمرار. بهذه الطريقة سيتم خفض الانبعاثات بأسرع ما يمكن حيثما كان ذلك أسهل، وأرخص.
وفي ظل نظام التداول وتجارة الكربون هذه، سوف يتحمل الاتحاد الأوروبي والنرويج وأيسلندا وليختنشتاين مسؤولية النسبة الأعلى من الكربون في العالم. هذا الكلام يغطي فقط القطاعات التي تمثل 40% من الانبعاثات الأوروبية- من شركات توليد الطاقة إلى شركات صناعة الصلب وشركات الطيران -، لذلك يجب توسيع النظام ليشمل بقية القطاعات. وحتى ذلك الحين، لا نزال نواجه مشكلة أكبر.
فدول العالم الأخرى غير مشمولة بهذا النظام، ما قد يؤدي إلى تغيير في قواعد اللعبة ضد الشركات الأوروبية. فشركات الصلب الأوروبية تشتري كوبونات الكربون بمبالغ ضخمة، ما يدفعها لتطوير تقنيات جديدة للحد من التلوث.
في المقابل، لا تتحمل شركات الصلب الصينية مثل هذه التكاليف، وبالتالي، فإن الشركة الأوروبية التي تستخدم الفولاذ يمكن أن تتحول ببساطة إلى شرائه من الصين بسعر أرخص من السوق المحلية. وبالتالي، قد تخرج من السوق، وقد يخسر العالم بسبب انبعاث الكمية نفسها من الكربون، بينما يستمر الصينيون في تحقيق المكاسب. والحقيقة أن تحالف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في دعم قضية المناخ يقضي على ظاهرة اللامبالاة التي تتعامل بها بعض دول العالم في ظل بروتوكول كيوتو الذي عفا عليه الزمن، وحتى اتفاقية باريس غير الملزمة حتى الآن.
والحل في معضلة الارتباط المجاني الذي يحكم اتفاقية باريس يكمن في تحديد سعر الكربون عالمياً الذي ينبغي أن تتفق الدول على حد أدنى له.
ثم يبدأ جميع أعضاء النادي بالتعامل بهذا السعر، إما من خلال فرض ضريبة الكربون، أو نظام الحد الأقصى والتداول الذي يقرره النادي الجديد. وطالما أن أسعار الكربون المحلية مرتفعة بدرجة كافية، فلا داعي لأن يلجأ أعضاء النادي لمعاقبة واردات بعضهم بعضاً، لذلك يتداولون بحرية إذا تم تجاهل التعريفات، والحصص الأخرى في الوقت الحالي.
وعلى النقيض من ذلك، سيتعين على الدول غير الأعضاء في النادي دفع رسوم الكربون التعويضية على صادراتهم إلى النادي. ويسمي الاتحاد الأوروبي هذا الرسم «آلية تعديل حدود الكربون».
وبالنسبة إلى لأعضاء الحاليين، ستكون مزايا العضوية واضحة، لذا سيكون النادي تحالفاً مستقراً، بينما يكتشف الآخرون بسرعة الجانب الإيجابي للانضمام إلى النادي من خلال السعي إلى الحصول على سعر الكربون الدولي نفسه داخلياً.
وطوال الوقت دأب الدبلوماسيون على إعداد شروط إنشاء نادي الكربون عبر المحيط الأطلسي، وهو منطقة تجارية من دون رسوم كربون داخلية. وحان الوقت كي يتم فرض هذا النادي بقوة التحالفات الغربية، كما حصل في التفاوض على صفقات تجارة حرة شاملة، مثل شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي.
وفي هذه العملية، سوف تعمل الديمقراطيات الغربية مرة أخرى من موقع قيادة العالم، وهم لاعبون في الفريق نفسه. لكن ناديهم ليس من المفترض أن يكون حصرياً لأن نجاحه سوف يتوقف إلى حد كبير على عدد الأعضاء الجدد الذين يمكنه جذبهم بمرور الوقت. وسيكون موضع ترحيب الدول التي تنفث الكميات الأكبر من الكربون في العالم.
وإذا كان لا يزال لدينا فرصة للسيطرة على الاحتباس الحراري، فإن هذا النوع من التعاون الإيجابي بين المتنافسين في الشرق والغرب سيكون له فوائد أخرى. وفي الوقت الذي يتزايد القلق من أن ينتهي العداء بين الولايات المتحدة والصين يوماً ما، كما انتهت المنافسة بين الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية البريطانية، أي إلى الحرب، فإن التعاون الناجح ضد العدو المشترك، الاحتباس الحراري، يمكن أن ينزع فتيل هذا الصراع، وينقذ الكوكب أيضاً.
* كاتب عمود في «بلومبيرج»
أندرياس كلوث*
لقد غيّر الوباء كل الأولويات كما تفعل الكوارث والحروب. ففي عام 2020، بدت الحرية الفردية أقل أهمية، وبدت الصحة العامة أكثر إلحاحاً. وصارت سلطة الدولة ووصايتها فجأة مقبولة بلا تردد، أو ضرورية على الأقل.
لكن الوباء مع مرور الوقت، صار ذريعة مثالية للمتشككين، والمستبدين، في كل مكان، الذين احتقروا الحرية، وحاولوا دفنها كلياً. ومع بزوغ فجر عام 2021، نتساءل هل الحرية في تراجع عالمياً؟ وهل «الليبرالية» عفا عليها الزمن؟
لم تكن الصورة واضحة تماماً حتى بداية عام 2020، حيث بدت الليبرالية الكلاسيكية على وشك الذبول وسط تصاعد موجة التكتلات الداخلية التي عجّل «كوفيد-19» من ترسيخها.
ولتجنب الارتباك، أو اللبس، لا بد أن نكون واضحين في فهمنا لكلمة «ليبرالية» في هذا المقام. فهي ليست ليبرالية بمعناها الأمريكي لحكومة يسارية، أو منفتحة، أو كبيرة. ولا مع الكاريكاتير الأوروبي باعتباره «الليبرالية الجديدة». نحن نتحدث عن فلسفة جليلة تعتبر الحرية الفردية أعلى قيمة، مقرّين بتنسيق هذا المبدأ على مستوى المجتمع ككل.
ولذلك، لا يوجد شيء غير ليبرالي بطبيعته في قرارات الإغلاق لكبح انتشار الوباء، أو إلزامنا بارتداء الأقنعة في الأماكن العامة. كما أنه ليس من غير الليبرالي أن تتدخل الدولة مؤقتاً، في حالة الاضطراب والضيق الاقتصادي، بشكل مؤقت، باعتبارها الفاعل الاقتصادي الأساسي، وتدفع الأموال للشركات والأفراد حتى يتمكنوا من كسب عيشهم مرة أخرى.
تبدأ المشكلة عندما يتم تكييف هذه التدابير، أو تمديدها، أو إساءة استخدامها. وقد انتشرت مظاهر الاستبداد في العالم خلال السنوات الأخيرة. فلم يكن ألكسندر لوكاشينكو بحاجة إليه لاضطهاد البيلاروسيين. لكن العديد من الحكام استغلوا فيروس كورونا كذريعة أخرى لقمع منتقديهم، ومنع الصحافة الحرة، وكبت الأقليات.
لقد تدهورت الديمقراطية وحقوق الإنسان في 80 دولة عام 2020، وفقاً لمؤسسة «فريدوم هاوس» الأمريكية. ففي زيمبابوي تم اعتقال، أو اختطاف، أو الاعتداء على قادة المعارضة والنشطاء، وغيرهم من المعارضين. ولم تكن السلطات في كمبوديا، وجواتيمالا، والعديد من الأماكن الأخرى، أقل سوءاً.
وفي الديمقراطيات الناضجة مثل ألمانيا، أو الولايات المتحدة، تظل الضوابط والتوازنات قوية بما يكفي لمنع مثل هذا الواقع المرير في المستقبل المنظور. ولكن حتى في تلك الدول يتراجع الخطاب الديمقراطي، والمتحضر، وهو الشرط المسبق لأي مجتمع ليبرالي.
ربما يتحمل كامل المسؤولية عن ذلك التراجع، دعاة نظرية المؤامرة الذين تعلو أصواتهم في زمن الكوارث، حتى إنهم ينتهكون، بشكل تعسفي، الحق في حرية التعبير، والتجمع - وهي المبادئ الأساسية لليبرالية - في نشر المعلومات المضللة، والأكاذيب.
وسيكون الليبراليون أول من يدافع عن حق هؤلاء الأشخاص في الاختلاف مع سياسات الحكومة، أو تفسير الحقائق بشكل مختلف. لكن عندما يسيء الناس استخدام حريتهم في الطعن في الحقائق وتزييفها، فإنهم يخربون مشاعرك الفكرية، والنفسية، والثقافية.
وبرز اتجاه ليبرالي آخر في ظل الوباء هو الاتجاه الاقتصادي. وقبل تفشي الوباء، قدمت الصين نموذجها الخاص من رأسمالية الدولة كنموذج مضاد لاقتصادات السوق المفتوحة والتنافسية في الغرب. وفي مواجهة ذلك، بدأت الدول الغربية تميل نحو المزيد من تدخل الدولة.
وقد عزز الفيروس هذا التغيير في التوجه، حيث كان تدخل الحكومة ضرورياً في البداية. ونظراً لأن الصدمة الخارجية للوباء فرضت الجمود على اقتصادات بأكملها، وجدت الدولة نفسها مضطرة لتحمل أعباء جانب الطلب، والحيلولة دون انتشار الفاقة الجماعية.
ويبقى السؤال الأهم لعام 2021 هو ما إذا كانت الدولة ستظل قادرة، أو راغبة في فصل الاقتصادات مرة أخرى عن حزم التحفيز الضخمة، وبرامج الإجازات بلا أجر، وتأجيل حالات الإفلاس، وتقديم الإعانات، وغيرها من التدخلات.
الاقتصاديون الألمان، على سبيل المثال، يحذرون من أن بلادهم قد يكون لديها 800 ألف شركة وهمية العام المقبل. هذه الشركات كان من المفترض أن تكون ماتت، وخرجت من السوق لأسباب لا علاقة لها بالوباء، ولكن تم إبقاؤها حية بشكل مصطنع من خلال سياسة الحكومة.
وسط هذه الفوضى ساد الشك في أن الأسواق، والرأسمالية، والانتخابات، والقوانين، والأنظمة بأكملها، مزورة بطريقة ما. وصارت الليبرالية أيديولوجية النخب، والنخب فقط.
* كاتب في «بلومبيرج» مؤلف كتاب «أنا وهانيبال»
أندريا كلوث *
يوشك الاتحاد الأوروبي على إعلان حدوث انفراج في اتفاقية استثمار متبادل شاملة مع الصين، إذا حدث هذا؛ فإن بكين وبروكسل - إلى جانب برلين، التي لا تزال تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي - ستعلن النصر في المحادثات التي بدأت في عام 2013؛ لكنها تعثرت منذ فترة طويلة إلى حد كبير؛ بسبب المماطلة الصينية؛ لكن هذه الصفقة ليست انتصاراً؛ بل خطأ فادح.
فالتقارب الصيني الأوروبي المفاجئ سيكون محل استهجان الإدارة الأمريكية القادمة بقيادة جو بايدن، قبل ثلاثة أسابيع فقط من تنصيبه. بعد أربع سنوات من النزعة القومية الترامبية، كان بايدن يستعد للتمييز مرة أخرى بين الحلفاء الاستراتيجيين؛ مثل أوروبا، والمنافسين مثل الصين، والتنسيق بشكل أوثق مع الأولى؛ لاحتواء الثانية.
وقد أسعد الأوروبيين عموماً التغيير الحاصل في واشنطن. كان البعض، مثل الألمان، يتحدثون عن عرض «صفقة جديدة عبر الأطلسي» على بايدن؛ لتجديد التحالف. ولا يزال آخرون، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يؤكدون هدف جعل أوروبا «مستقلة» و«ذات سيادة» في الجغرافيا السياسية، مع الاعتراف بالحاجة إلى العمل عن كثب مع الولايات المتحدة؛ لمقاومة الاستبداد الصيني.
هذا الاحتمال؛ المتمثل في تحالف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، هو ما يريد الرئيس الصيني شي جين بينج بشكل عاجل تعطيله. ولعل هذا ما يفسر تدخله شخصياً في المفاوضات حول الاتفاقية الشاملة للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، ما أدى إلى انطلاق المحادثات التي كانت ميتة.
وقامت حيثيات اتفاقية الاستثمار على النهج غير المتوازن في قطاع الأعمال الذي يتبعه كل من الاتحاد الأوروبي والصين. فعلى الرغم من أن أوروبا بدأت مؤخراً في التدقيق على المعاملات الحساسة، فإنها كانت منفتحة إلى حد كبير أمام استثمارات الشركات الصينية.
ويكفي وجود خصم أكثر مهارة في البيت الأبيض إلى جانب مقاومة أشد من أوروبا؛ لإثارة مخاوف شي جين بينج حول فشل خططه لصعود الصين؛ لذا فقد ضاعف جهوده؛ من أجل إبرام اتفاقيات دولية بديلة تستبعد الولايات المتحدة.
وكان أكبر نجاح له هو الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة؛ وهي اتفاقية تجارية مع 14 دولة أخرى في آسيا والمحيط الهادئ. وتحقق ذلك فقط؛ لأن الرئيس دونالد ترامب كان قد ألغى في وقت سابق تحالفاً تجارياً مختلفاً لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ كان من شأنه أن يشمل الولايات المتحدة؛ لكنه يستبعد الصين.
ويبدو أن اتفاق الاستثمار الصيني الأوروبي ليس صفقة تجارية؛ لكن من الواضح أنه يهدف إلى أن يكون مقدمة لصفقة سياسية؛ لذلك فهو جزء من محاولة بكين لإنشاء بنية جيوسياسية ثلاثية بين أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا، والتي تجعل الصين أقوى في الصراع القادم مع الولايات المتحدة.
* كاتب عمود في «بلومبيرج»
أندرياس كلوث*
من المؤكد أن أنجيلا ميركل التي دخلت عامها السادس عشر والأخير كمستشارة ألمانية، تميل إلى التوصل إلى حل وسط مع المجر وبولندا، من أجل إنقاذ صفقة مالية تاريخية للاتحاد الأوروبي، لكن يجب ألا تفعل.
ذلك أن تلك الصفقة بغض النظر عن حجمها، ستترتب عليها مشاكل تنظيمية وسياسية معقدة. ففي الأسابيع المتبقية حتى تمرر ألمانيا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي إلى البرتغال، في الأول من يناير/كانون الثاني، يجب على ميركل أن تلعب كل أوراقها الرابحة لحل المشكلة.
تحاول بودابست ووارسو في الواقع، ابتزاز الاتحاد الأوروبي. فالدولتان تهددان باستخدام حق النقض ضد حزمة مالية بقيمة 1.8 تريليون يورو (2.2 تريليون دولار)، وتتكون من ميزانية الاتحاد للسنوات السبع القادمة، وصندوق تحفيز إضافي لفيروس كورونا، يتم تمويله من خلال سندات الاتحاد الأوروبي المشتركة. وتطالب الدولتان، الاتحاد الأوروبي بإسقاط شرط يربط تلقي هذه الأموال، بالتزام الدول بسيادة القانون، طمعاً في الحصول على فدية لقاء موافقة كل منهما عليه.
إلا أن تطبيق هذا الشرط المخفف، مقارنة مع ما جاء في المسودات السابقة للقانون، لن يبدأ إلا عندما تفسد المخالفات في أي دولة عضو، قنوات إنفاق الأموال الأوروبية. ولكن بالنسبة للمجر وبولندا، يبدو هذا شرطاً مجحفاً، علماً بأن الدولتين تخضعان للتحقيق من قبل الاتحاد الأوروبي، لانتهاكات تتعلق باستقلال القضاء وأساسيات سيادة القانون الأخرى.
وتستخدم الحكومتان الشعبويتان هذه المواجهة للدعاية المناهضة لبروكسل في الداخل. ويتم تصوير الاتحاد الأوروبي حسب رواية كل منهما، على أنه امبراطورية قمعية مثل الاتحاد السوفييتي، وتتهمان بروكسل بأنها تريد فرض أسلوب حياة غريب وليبرالي يتضمن أجندة للمثليين والمتحولين جنسياً، لا يمكن التوفيق بينها وبين الثقافة البولندية الكاثوليكية.
وينطوي هذا التهويش المفرط على نبرة تذكرنا بالهجوم الذي تعرضت له بروكسل في الصحافة البريطانية التي أدت إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
والحقيقة هي أن المجر وبولندا لا تعتمدان فقط على الاتحاد الأوروبي؛ بل إن القسم الأكبر من شعبي البلدين، يؤيد الاتحاد ويدافع عنه، لكن من يشن حملة التهويش هم فئة من المستبدين لتحقيق أغراض شخصية ما، قد ينقلب عليهم.
لنبدأ بتلك الميزانية وأموال التحفيز التي تهددان باستخدام حق النقض بشأنها. في الواقع، كانت بولندا إلى حد بعيد، أكبر مستفيد من النقد الأوروبي، والمجر أيضاً من بين أكبر المستفيدين. كما أن كلتا الدولتين ستكون في مقدمة المستفيدين من صندوق الإنعاش الذي تحتجزانه رهينة.
وفي هذا السياق، تبدو خيارات ميركل جيدة جداً. أولاً: لا داعي للخوف من دخول عام 2021 بدون صفقة ميزانية تحدد «الإطار المالي متعدد السنوات» للكتلة لمدة سبع سنوات. وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، فإن ميزانية 2020 ستمدد ببساطة لمدة عام إضافي، وستحصل البلدان الأعضاء على الأموال كما كانت من قبل، لكن بدون الزيادات المخطط لها والحوافز الإضافية. حتى المجر وبولندا ستستمران في الحصول على المال، ما لم يُحلْ شرط الالتزام بالقانون الذي تعارضانه دون ذلك.
وهناك عدة طرق للخروج من عنق الزجاجة، منها قانون التعاون المكثف الذي يسمح للدول الراغبة في المضي قدماً، بينما تنسحب الدول غير الراغبة، كما حصل في حالات سابقة مثل تنظيم براءات الاختراع، وقانون الطلاق، وفرض الضرائب على المعاملات المالية.
هناك حل آخر يتمثل في إنشاء الصندوق من خلال معاهدة حكومية تضم الدول الأعضاء في الاتحاد. أحد الأمثلة على مثل هذا الهيكل، هو آلية الاستقرار الأوروبية، وهي عبارة عن وعاء إنقاذ تشارك فيه 19 دولة في منطقة اليورو.
ولكن إذا أصرت المجر وبولندا على تعطيل هذا الحل، تبقى هناك خطة بديلة لمنح الإعانات المالية لدول مثل إسبانيا وإيطاليا، مع إرسال رسالة قوية إلى بودابست ووارسو، مفادها أن كلتا الدولتين معزولة حالياً، وموضع ترحيب في وقت لاحق.
لكن تبقى ميركل والاتحاد في مواجهة مشكلة معقدة تفرض على الدول الأعضاء الاختيار بين بيع القيم الديمقراطية، مقابل الحصول على المساعدات، أو تأجيل الحلول المالية حتى تكتمل التشريعات الاتحادية.
* كاتب عمود في «بلومبيرج»
أندرياس كلوث *
قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام: «أنا أختلف بشدة» مع وزيرة الدفاع الألمانية، واصفًا وجهة نظرها بشأن العلاقات عبر الأطلسي بأنها «سوء تفسير تاريخي». وصعّدت الوزيرة الألمانية المعنية، أنجريت كرامب-كارينباور، اللهجة دون تأخير، واصفة رؤية ماكرون المتناقضة بأنها «واهمة».
يشير هذا الجدل غير المعتاد بين الرئيس الفرنسي والوزيرة الألمانية إلى أن هناك أمراً مهماً يدور في الخفاء. في الواقع، إنها العلاقة المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ليس فقط خلال الرئاسة القادمة لجو بايدن، وإنما في المستقبل البعيد.
وينشأ الجدل من رؤية ماكرون بأن على الاتحاد الأوروبي أن يسعى جاهداً من أجل ما يسميه الحكم الذاتي الاستراتيجي والسيادة. فهو يريد أن تكون أوروبا قوية بما يكفي لإعلان الاستقلال عن الولايات المتحدة والوقوف في وجه الصين وروسيا أيضاً.
جاء رد كرامب-كارينباور ليؤكد حقيقة أن أوروبا لا يمكنها أن تسير بمفردها. فبدون القدرات النووية والتقليدية الأمريكية، لا تستطيع ألمانيا وأوروبا تأمين الحماية الكافية. هذه حقائق واضحة حيث تملك الولايات المتحدة حالياً حوالي 75 ٪ من قدرات «الناتو»، التي تشمل الاستطلاع بالأقمار الصناعية وطائرات الهليكوبتر وأنظمة الصواريخ بالإضافة إلى ترسانتها النووية.
الدافع وراء هذا الجدل طبعاً، رئاسة دونالد ترامب وازدراء الحلفاء مثل ألمانيا، وهو ما أثار مخاوف معظم قادة الاتحاد الأوروبي، وعزز فكرة تخلي واشنطن عن الأوروبيين عند مواجهة أي أزمة قادمة.
صحيح أن الرئيس المنتخب جو بايدن يؤمن بالتحالفات والتعددية، وقد يهدئ هذه المخاوف الأوروبية، لكن الترامبية قد تعود بشكل ما في غضون أربع سنوات. وحتى لو لم تعد، فإن أمريكا ستظل مشتتة بسبب الاستقطاب في الداخل وتنافسها مع الصين في الخارج. وفي المستقبل المنظور، ستكون الولايات المتحدة مهتمة بآسيا وليس بأوروبا.
تعكس الرؤية الألمانية مخلفات الحرب العالمية الثانية على الذهنية الألمانية، بينما تعكس دعوات ماكرون الاستقلالية ثقافة فرنسية ديجولية قامت على الحد من الدور الأمريكي وإبراز القوة الفرنسية بشكل أفضل من خلال مؤسسات بروكسل. وإذا كانت الماكرونية تختلف عن الديجولية، فذلك من خلال التركيز على عظمة القارة كلها وليس فرنسا فقط.
ورغم التباين الظاهر في موقفي ماكرون وكرامب -كارينباور، تلتقي النظرتان في رؤية موحدة حول العالم. فالجانبان متفقان على أن البديل للقيادة الأمريكية في الناتو على المدى البعيد، يجب أن يكون «جيشاً أوروبياً». ومع ذلك، يبدو أن الاثنين يقران بأن هذا من غير المرجح أن يحدث في أي وقت قريب.
هذا المشروع يبدو غير واقعي جزئياً لأن دول الاتحاد الأوروبي ليست مستعدة للتخلي عن جيوشها الفردية التي تعتبر آخر سهم في جعبة سيادتها الوطنية. أما في الخمسينات فقد كانت فرنسا في الواقع هي التي وأدت فكرة الجيش المشترك والسبب احتفاظها بسيادتها الوطنية. أضف إلى ذلك أن البولنديين والفرنسيين والألمان والإيطاليين واليونانيين وغيرهم، لا يمكنهم حتى الاتفاق على التهديدات التي يجب عليهم مواجهتها معاً. وحتى لو تم دمج كل الجيوش بجرة قلم، فلن يكون ذلك الجيش الموحد بديلاً للقوة الأمريكية.
من هنا تلتقي مواقف كل من فرنسا وألمانيا عند هدف جعل أوروبا أقوى عسكرياً وأن تنسق قواتها بشكل أفضل. وهناك جهود تبذل في هذا الاتجاه لكنها تتلاشى أمام العجز عن إنجاز أهداف أسهل بكثير مثل الاتحاد المالي والتنسيق السياسي.
وتتفق كلتا الدولتين على أن أوروبا يجب أن يكون لديها جيش أقوى، تستطيع نشره بسهولة بعيداً عن الدعم الأمريكي في بؤر تهدد أمن القارة مثل شرق المتوسط، أو لحماية مصالحها في البلطيق وإفريقيا.. والقائمة تطول.
لكن زيادة الإنفاق الدفاعي وتعدد المهام العسكرية، ناهيك عن أكياس الجثث التي لا مفر منها، ستكون محل خلاف شديد وسيصعب تبريرها أمام شعوب القارة، خاصة في ألمانيا. ومع ذلك يبقى من الضروري أن تتمتع أوروبا بدرجة ما من المصداقية الجيوسياسية، قد تسميها تعزيزاً للسيادة كما يدعي ماكرون، ويمكن تسميتها تقسيماً للأعباء كما ترى كرامب كارينباور، بين أوروبا والولايات المتحدة.
* مؤلف كتاب «هانيبال وأنا» (بلومبيرج)