أندرياس كلوث*
من المؤكد أن أنجيلا ميركل التي دخلت عامها السادس عشر والأخير كمستشارة ألمانية، تميل إلى التوصل إلى حل وسط مع المجر وبولندا، من أجل إنقاذ صفقة مالية تاريخية للاتحاد الأوروبي، لكن يجب ألا تفعل.
ذلك أن تلك الصفقة بغض النظر عن حجمها، ستترتب عليها مشاكل تنظيمية وسياسية معقدة. ففي الأسابيع المتبقية حتى تمرر ألمانيا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي إلى البرتغال، في الأول من يناير/كانون الثاني، يجب على ميركل أن تلعب كل أوراقها الرابحة لحل المشكلة.
تحاول بودابست ووارسو في الواقع، ابتزاز الاتحاد الأوروبي. فالدولتان تهددان باستخدام حق النقض ضد حزمة مالية بقيمة 1.8 تريليون يورو (2.2 تريليون دولار)، وتتكون من ميزانية الاتحاد للسنوات السبع القادمة، وصندوق تحفيز إضافي لفيروس كورونا، يتم تمويله من خلال سندات الاتحاد الأوروبي المشتركة. وتطالب الدولتان، الاتحاد الأوروبي بإسقاط شرط يربط تلقي هذه الأموال، بالتزام الدول بسيادة القانون، طمعاً في الحصول على فدية لقاء موافقة كل منهما عليه.
إلا أن تطبيق هذا الشرط المخفف، مقارنة مع ما جاء في المسودات السابقة للقانون، لن يبدأ إلا عندما تفسد المخالفات في أي دولة عضو، قنوات إنفاق الأموال الأوروبية. ولكن بالنسبة للمجر وبولندا، يبدو هذا شرطاً مجحفاً، علماً بأن الدولتين تخضعان للتحقيق من قبل الاتحاد الأوروبي، لانتهاكات تتعلق باستقلال القضاء وأساسيات سيادة القانون الأخرى.
وتستخدم الحكومتان الشعبويتان هذه المواجهة للدعاية المناهضة لبروكسل في الداخل. ويتم تصوير الاتحاد الأوروبي حسب رواية كل منهما، على أنه امبراطورية قمعية مثل الاتحاد السوفييتي، وتتهمان بروكسل بأنها تريد فرض أسلوب حياة غريب وليبرالي يتضمن أجندة للمثليين والمتحولين جنسياً، لا يمكن التوفيق بينها وبين الثقافة البولندية الكاثوليكية.
وينطوي هذا التهويش المفرط على نبرة تذكرنا بالهجوم الذي تعرضت له بروكسل في الصحافة البريطانية التي أدت إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
والحقيقة هي أن المجر وبولندا لا تعتمدان فقط على الاتحاد الأوروبي؛ بل إن القسم الأكبر من شعبي البلدين، يؤيد الاتحاد ويدافع عنه، لكن من يشن حملة التهويش هم فئة من المستبدين لتحقيق أغراض شخصية ما، قد ينقلب عليهم.
لنبدأ بتلك الميزانية وأموال التحفيز التي تهددان باستخدام حق النقض بشأنها. في الواقع، كانت بولندا إلى حد بعيد، أكبر مستفيد من النقد الأوروبي، والمجر أيضاً من بين أكبر المستفيدين. كما أن كلتا الدولتين ستكون في مقدمة المستفيدين من صندوق الإنعاش الذي تحتجزانه رهينة.
وفي هذا السياق، تبدو خيارات ميركل جيدة جداً. أولاً: لا داعي للخوف من دخول عام 2021 بدون صفقة ميزانية تحدد «الإطار المالي متعدد السنوات» للكتلة لمدة سبع سنوات. وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، فإن ميزانية 2020 ستمدد ببساطة لمدة عام إضافي، وستحصل البلدان الأعضاء على الأموال كما كانت من قبل، لكن بدون الزيادات المخطط لها والحوافز الإضافية. حتى المجر وبولندا ستستمران في الحصول على المال، ما لم يُحلْ شرط الالتزام بالقانون الذي تعارضانه دون ذلك.
وهناك عدة طرق للخروج من عنق الزجاجة، منها قانون التعاون المكثف الذي يسمح للدول الراغبة في المضي قدماً، بينما تنسحب الدول غير الراغبة، كما حصل في حالات سابقة مثل تنظيم براءات الاختراع، وقانون الطلاق، وفرض الضرائب على المعاملات المالية.
هناك حل آخر يتمثل في إنشاء الصندوق من خلال معاهدة حكومية تضم الدول الأعضاء في الاتحاد. أحد الأمثلة على مثل هذا الهيكل، هو آلية الاستقرار الأوروبية، وهي عبارة عن وعاء إنقاذ تشارك فيه 19 دولة في منطقة اليورو.
ولكن إذا أصرت المجر وبولندا على تعطيل هذا الحل، تبقى هناك خطة بديلة لمنح الإعانات المالية لدول مثل إسبانيا وإيطاليا، مع إرسال رسالة قوية إلى بودابست ووارسو، مفادها أن كلتا الدولتين معزولة حالياً، وموضع ترحيب في وقت لاحق.
لكن تبقى ميركل والاتحاد في مواجهة مشكلة معقدة تفرض على الدول الأعضاء الاختيار بين بيع القيم الديمقراطية، مقابل الحصول على المساعدات، أو تأجيل الحلول المالية حتى تكتمل التشريعات الاتحادية.
* كاتب عمود في «بلومبيرج»