كانت أم كلثوم، لا تزال ترتدي العقال على رأسها، حين استمع الموسيقار محمد القصبجي لصوتها أول مرة أواخر عام 1923، عندما كانت تغني المدائح النبوية على مسرح تياترو بايلوت باسك، إضافة إلى طقطوقة لإبراهيم فوزي يقول مطلعها: «في غرامك ياما شفت عجايب»، فأعجب بصوتها وأدائها، وتمنى لو أنه يلحن لها.
بعد عام على هذا الحفل، أتت أم كلثوم إلى القاهرة لتقيم فيها بصورة نهائية، ما سهل على القصبجي، الشاب يومها، أن يصل إلى تلك المطربة التي أسره صوتها، وتمّ له ذلك بالفعل عن طريق صديق لوالده يعمل متعهداً لحفلات غناء الشيخ محمد أبو زيد، الذي صحبه ذات مرة لسماعها في حفل كانت تقيمه، فزاد إعجابه بصوتها.
مع استقرارها في القاهرة أخذ صيت أم كلثوم يزداد، وصارت شركات الإسطوانات تتعاقد معها على تسجيل أغانيها الأولى، ومن بين هذه الشركات كانت شركة «أوديون»، التي كان القصبجي يتعاون معها، حين لحن لها، دون أن تعرف هي من يكون الملحن، طقطوقة: «قال أيه حلف ما يكلمنيش».
وكان القصبجي لحنها في البداية كي تغنيها السيدة نعيمة المصرية، ولكن ييدو أن الشركة المسجلة ارتأت أن تؤديها أم كلثوم، كما نستنتج من أقوال الدكتورة رتيبة الحفني، التي استقينا هذه المعلومات من القسم الخاص بتعاون القصبجي مع أم كلثوم في كتابها: «محمد القصبجي الموسيقي العاشق».
تنقل الحفني أقوالاً للقصبجي تفيد بأن مدير شركة «أوديون»، ألبير ليفي، رأى أنه من المناسب أن يُعرّف أم كلثوم على شخصية الملحن المجهول بالنسبة لها، فاصطحبه إلى منزلها، وقدّمه لها: الشيخ محمد القصبجي صاحب لحن: قال أيه حلف ما يكلمنيش.
يقول القصبجي إن أم كلثوم كانت تخرج في أدائها للأغنية عن الأصل الملحن، فأسمعها اللحن كما كتبه، وأعيد تسجيل الأغنية مرة أخرى.
كان هذا اللقاء بداية المسيرة المشتركة بين «الست» والقصبجي، وتزامن ذلك مع تعرّف أم كلثوم على الشاعر أحمد رامي الذي يعدّ الشاعر الأول، بدون منازع، بين من غنت أم كلثوم من كلماتهم، وهكذا، يمكن القول، تكوّن الثلاثي الذي طبع تعاونه مرحلة مهمة من مسيرة أم كلثوم: رامي في الشعر، القصبجي في الموسيقى، وهي في الغناء.
وتشير رتيبة الحفني إلى أنه للقصبجي يعود الفضل في إقناع «الست» بمصاحبة التخت، حتى تخرج من كونها مجرد منشدة، وتدخل مجال الغناء المصاحب للآلات الموسيقية، وهو من كوّن لها أول تخت موسيقي ضمّ أعلام العازفين يومها.
[email protected]