عادي

الشعر والخط.. جماليات تنهل من مشكاة الروح

20:37 مساء
قراءة 4 دقائق
1

الشارقة - «الخليج»
مقولة «إن الفنون تتكامل وتتقاطع» هي مقولة صحيحة، فهي في نهاية المطاف حالة جمالية تعبر عن مكنونات الإنسان.. ولعل أكثرها التقاءً وتشابكاً عند معظم المشتغلين في الفن، هي تلك العلاقة التي تربط بين القصيدة واللوحة سواء كانت لوحة خطية أو حروفية.. فقد حرص كثير من الخطاطين، على استثمار جماليات القصائد في لوحاتهم الخطية، فازدانت هذه القصائد في لوحاتهم بحلة جديدة ذات قيمة فنية ومعنوية مضافة، عبرت عن علاقة جمالية وروحية خاصة تترجم حرفية الخطاط، بمثل ما تترجم مشاعره لحظة اقتناص عبقرية الحرف وتجليه على سطح اللوحة.
علاقة الخط بالقصيدة هي علاقة قديمة تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام، وقد كان لتجربة «المعلقات» وأشهر ما كتبه العرب من نفائس الشعر وأروعه ما يشير إلى ارتباط الخط بالشعر، في إضافة فنية وبنيوية راسخة في أبعادها الجمالية والقيمية.
 خالد الجلاف رئيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي، ونائب رئيس تحرير مجلة «حروف عربية» له تجربة مهمة في توظيف كثير من القصائد الشعرية في لوحاته الخطية مثل أشعار الإمام علي رضي الله عنه، وشاعر العربية المتنبي وأيضاً بعض قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يقول: لا شك أن الخطاط يوظف حسن خطه، وجمال حروفه في إظهار جمال النص الشعري أو الأدبي، فكلاهما «القصيدة واللوحة» تكمل إحداهما الأخرى، وعندما يكون النص جميلاً، ويكتب بخط ينتقص من بهائه ومن قيمته، فهذا يسيء للنص، والعكس بالعكس ويضيف خالد الجلاف: «أنت حين تريد أن تكرم نصاً أو قصيدة، فعليك أن تكتبها بخط جميل، يليق بهذه القصيدة من ألق فني، وعمق روحي وتعبير إنساني خلاق».
ويشير خالد الجلاف إلى أول تجربة عربية فيما قبل الإسلام وهي تجربة المعلقات الشعرية، ويقول: «كانت تجربة المعلقات الشعرية فريدة من نوعها، فقد خلدت هذه القصائد لأنها كما قيل عنها قصائد نفيسة ذات قيمة كبيرة، بلغت الذّروة في اللغة، وفي الخيال والفكر، وفي الموسيقى وفي نضج التجربة، وأصالة التعبير، يأتي القاصي والداني إلى الحج، فيشاهد المعلقات، فيتعرف إلى قيمتها بشكل أكبر، فالخط يزيد جمال النص جمالاً، ويحتفي به في لوحة خطية متكاملة».
قل لنا يا جبران
يعود الخطاط محمد النوري إلى الوراء وهو يتحدث عن علاقة الخط بالفنون جميعاً ومنها القصائد والأشعار، فيقول: «لقد رافق الخط الشعر ردحاً طويلاً من الزمن، وهذه ميزة من الميزات الموجودة بين الشعر العربي والخط العربي، فكلاهما فنّان مترافقان، ومن يقرأ تاريخ الخط العربي، بحسب محمد النوري، يأتي على الحجازي والمكي والمدني، هذه الخطوط التي كتب بها كلام الله ـ عز وجل ـ من خلال المصاحف، كما كتبت بها العقود والمراسلات، قبل الخطوط المعروفة اليوم كالثلث والنسخ والرقعة والجلي وغيرها.
ويشير محمد النوري كذلك إلى «المنمنمات» الإسلامية أو ما يُعرف بالتصوير الإسلامي، فيؤكد أنها امتازت بخصائص تقنية وأسلوبية ووظيفية، وفي هذا المقام يذكر الواسطي في «مقامات الحريري» هذه المقامات التي كانت تترجم الكثير من الوقائع اليومية، بأسلوب أدبي وشعري فني راق ومن خلال شخصية «أبي زيد» بطل هذه المقامات، ويقول: «اشتهرت المنمنمات بكونها تجمع بين الخط والرسم والشعر، وانتشرت في عديد من البلدان الإسلامية في آسيا: أوزبكستان، وكازاخستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وبقيت شاهداً حياً على الفنون الإسلامية حتى اليوم».
والشعر والخط والرسم، هي أجناس فنية متآزرة منذ القدم، بحسب ما يؤكد محمد النوري كما أن الفنان المعاصر اليوم، شديد الالتصاق بثقافته العربية والإسلامية، وقد خاض في سبيلها الكثير من التجارب، التي أبرزت (الشعر والخط) في وحدة معرفية ودينية وروحية مملوءة بالعبر والقيم الإنسانية الخالدة.
وعن تجربته الخاصة في هذا المجال، فقد شارك في عام 2015 في قصر الأمم المتحدة في جنيف بمعرض «قُل لنا يا جبران» الذي نظمه نادي الكتاب العربي، للاحتفاء بجبران خليل جبران، وأقيم على مدى أسبوعين في قصر الأمم المتحدة في جنيف، سويسرا، بمشاركة خطاطين عرب من أربع دول وهي الإمارات وتونس والعراق وسوريا.. من خلال لوحة عنوانها «تحية إلى جبران».
شراكة طويلة 
يرى الخطاط عدنان الشريفي أن كلاًّ من الخط والقصيدة يشكلان لوحة فنية مشتركة.. ويقول: «الشعر العربي، سواء القصيدة الفصيحة أو النبطية، وعلاقتها مع الخط العربي بأساليبه المتعددة، سواء باستخدام الخط الأصيل، أو من خلال التجارب الحديثة مروراً بالحروفية، هي علاقة وطيدة، فهذان الفنّان ينهلان من مشكاة واحدة، والدليل أن معظم الخطاطين ينظمون الشعر، كما أن معظم الشعراء أصحاب ذوق رفيع، وخط جيد».
ويضيف: «وحين يود الخطاط أن يوظف قصيدة في لوحة خطية أو حروفية، فهو يلتفت أولاً إلى موضوعها، لكي يتمكن من اختيار الخط المناسب لذلك، على سبيل المثال، قصائد الغزل تكتب عادة بالخط الديواني، لما فيه من ليونة وحلاوة وطراوة وإحساس بالكلمات المترفة والرقيقة، كذلك الرثاء الذي يلائمه أكثر خط النستعليق، أما المديح فيحتاج من الخطاط اختيار خط الثلث والنسخ وهكذا».
ويؤكد عدنان الشريفي أنه حين تكتب القصيدة بخط حسن، فذلك يزيد من صلابة المعنى، ويشوق القارئ لقراءتها -أي القصيدة- بشكل جميل، فيتمتع بما تمتلكه من كلمات ومفردات جميلة، فكلاهما (الخط والقصيدة) يكملان بعضهما ويشكلان لوحة فنية مشتركة.

قيَم هذا المقال
4

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yyrx4dg7