أندرياس كلوث*

لقد غيّر الوباء كل الأولويات كما تفعل الكوارث والحروب. ففي عام 2020، بدت الحرية الفردية أقل أهمية، وبدت الصحة العامة أكثر إلحاحاً. وصارت سلطة الدولة ووصايتها فجأة مقبولة بلا تردد، أو ضرورية على الأقل.

 لكن الوباء مع مرور الوقت، صار ذريعة مثالية للمتشككين، والمستبدين، في كل مكان، الذين احتقروا الحرية، وحاولوا دفنها كلياً. ومع بزوغ فجر عام 2021، نتساءل هل الحرية في تراجع عالمياً؟ وهل «الليبرالية» عفا عليها الزمن؟

لم تكن الصورة واضحة تماماً حتى بداية عام 2020، حيث بدت الليبرالية الكلاسيكية على وشك الذبول وسط تصاعد موجة التكتلات الداخلية التي عجّل «كوفيد-19» من ترسيخها.

ولتجنب الارتباك، أو اللبس، لا بد أن نكون واضحين في فهمنا لكلمة «ليبرالية» في هذا المقام. فهي ليست ليبرالية بمعناها الأمريكي لحكومة يسارية، أو منفتحة، أو كبيرة. ولا مع الكاريكاتير الأوروبي باعتباره «الليبرالية الجديدة». نحن نتحدث عن فلسفة جليلة تعتبر الحرية الفردية أعلى قيمة، مقرّين بتنسيق هذا المبدأ على مستوى المجتمع ككل.

ولذلك، لا يوجد شيء غير ليبرالي بطبيعته في قرارات الإغلاق لكبح انتشار الوباء، أو إلزامنا بارتداء الأقنعة في الأماكن العامة. كما أنه ليس من غير الليبرالي أن تتدخل الدولة مؤقتاً، في حالة الاضطراب والضيق الاقتصادي، بشكل مؤقت، باعتبارها الفاعل الاقتصادي الأساسي، وتدفع الأموال للشركات والأفراد حتى يتمكنوا من كسب عيشهم مرة أخرى.

 تبدأ المشكلة عندما يتم تكييف هذه التدابير، أو تمديدها، أو إساءة استخدامها. وقد انتشرت مظاهر الاستبداد في العالم خلال السنوات الأخيرة. فلم يكن ألكسندر لوكاشينكو بحاجة إليه لاضطهاد البيلاروسيين. لكن العديد من الحكام استغلوا فيروس كورونا كذريعة أخرى لقمع منتقديهم، ومنع الصحافة الحرة، وكبت الأقليات.

 لقد تدهورت الديمقراطية وحقوق الإنسان في 80 دولة عام 2020، وفقاً لمؤسسة «فريدوم هاوس» الأمريكية. ففي زيمبابوي تم اعتقال، أو اختطاف، أو الاعتداء على قادة المعارضة والنشطاء، وغيرهم من المعارضين. ولم تكن السلطات في كمبوديا، وجواتيمالا، والعديد من الأماكن الأخرى، أقل سوءاً.

 وفي الديمقراطيات الناضجة مثل ألمانيا، أو الولايات المتحدة، تظل الضوابط والتوازنات قوية بما يكفي لمنع مثل هذا الواقع المرير في المستقبل المنظور. ولكن حتى في تلك الدول يتراجع الخطاب الديمقراطي، والمتحضر، وهو الشرط المسبق لأي مجتمع ليبرالي.

 ربما يتحمل كامل المسؤولية عن ذلك التراجع، دعاة نظرية المؤامرة الذين تعلو أصواتهم في زمن الكوارث، حتى إنهم ينتهكون، بشكل تعسفي، الحق في حرية التعبير، والتجمع - وهي المبادئ الأساسية لليبرالية - في نشر المعلومات المضللة، والأكاذيب.

 وسيكون الليبراليون أول من يدافع عن حق هؤلاء الأشخاص في الاختلاف مع سياسات الحكومة، أو تفسير الحقائق بشكل مختلف. لكن عندما يسيء الناس استخدام حريتهم في الطعن في الحقائق وتزييفها، فإنهم يخربون مشاعرك الفكرية، والنفسية، والثقافية.

وبرز اتجاه ليبرالي آخر في ظل الوباء هو الاتجاه الاقتصادي. وقبل تفشي الوباء، قدمت الصين نموذجها الخاص من رأسمالية الدولة كنموذج مضاد لاقتصادات السوق المفتوحة والتنافسية في الغرب. وفي مواجهة ذلك، بدأت الدول الغربية تميل نحو المزيد من تدخل الدولة.

وقد عزز الفيروس هذا التغيير في التوجه، حيث كان تدخل الحكومة ضرورياً في البداية. ونظراً لأن الصدمة الخارجية للوباء فرضت الجمود على اقتصادات بأكملها، وجدت الدولة نفسها مضطرة لتحمل أعباء جانب الطلب، والحيلولة دون انتشار الفاقة الجماعية.

 ويبقى السؤال الأهم لعام 2021 هو ما إذا كانت الدولة ستظل قادرة، أو راغبة في فصل الاقتصادات مرة أخرى عن حزم التحفيز الضخمة، وبرامج الإجازات بلا أجر، وتأجيل حالات الإفلاس، وتقديم الإعانات، وغيرها من التدخلات. 

الاقتصاديون الألمان، على سبيل المثال، يحذرون من أن بلادهم قد يكون لديها 800 ألف شركة وهمية العام المقبل. هذه الشركات كان من المفترض أن تكون ماتت، وخرجت من السوق لأسباب لا علاقة لها بالوباء، ولكن تم إبقاؤها حية بشكل مصطنع من خلال سياسة الحكومة.

 وسط هذه الفوضى ساد الشك في أن الأسواق، والرأسمالية، والانتخابات، والقوانين، والأنظمة بأكملها، مزورة بطريقة ما. وصارت الليبرالية أيديولوجية النخب، والنخب فقط.

* كاتب في «بلومبيرج» مؤلف كتاب «أنا وهانيبال»