في التغيرات الاجتماعية

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبد الإله بلقزيز

على مثال التّغيُّرات الهائلة التي طالت اقتصاديّات العالم وسياسيّاته، في العقود الثّلاثة الأخيرة، تبعًا للتّغيّرات التي طرأت على النّظام الدّوليّ، بعد انصرام حقبة الحرب الباردة، وفي امتداد الحقائق الجديدة التي ولّدتْها العولمة...، كذلك حدثت تغيُّرات كبرى نظيرٌ لتلك على صعيد اجتماعيّات العالم، ونعني بهذا أنّ المجال الاجتماعيّ في كلّ بلدٍ من بلدان العالم، وما يكتنفه من منظومةِ علاقاتٍ وقِيَم، لم يعد مثلما كانت عليه حالُه قبلاً، بل شهد – من جهته هو الآخر – على تغييرٍ تلوّنت فيه العلاقاتُ السّابقة الحاكمة بألوان علاقات أخرى جديدة وافدة، وتبدّلتْ فيه منظومات القيم نحوًا من التّبدّل واضحَ المعالم، في مجتمعات العالم كلّه، مع تفاوُتٍ بينها في مقدار مقاومة هذه السّيرورة أو الحدّ من آثارها السّلبيّة فيها.

   والحقُّ أنّ متغيّرات الاجتماعيّ Le Social في كلّ بلد تُرَدّ إلى مفاعيل العولمة في المجتمعات على نحوٍ خاصّ. وبيان ذلك أنّ العولمة لم تُحدث آثارها في الدّول؛ في السّياسة والسّيادة والأمن والاقتصاد، فقط، وإنّما هي أحدثتها، أيضاً، في المجتمعات والثّقافات بالقدر عينِه من القوّة والنّفاذ حتّى لا نقول بأكثر من ذلك القدر. وكما فرض زحفُ العولمة تحطيماً للسّيادات الوطنيّة، الاقتصاديّة والتّجاريّة والسّياسيّة، كذلك فرض زحفُها تهشيشاً للمناعات الاجتماعيّة والقِيَميّة وتحطيماً للدّفاعات الثّقافيّة الخاصّة.

ولقد كانت هذه أسوأ من الأولى بكثير. والمفارقة أنّها كانت كذلك حتّى بالنسبة إلى بلدان تتمتّع بالقوّة وبموارد الدّفاع الذّاتيّ. وهكذا إذا كانت دول الغرب أقدر على كفّ أخطار العولمة الاقتصاديّة والسّياسيّة عليها من دول الجنوب، بالنّظر إلى الموارد الماديّة الهائلة التي تمتلكها، فإنّ مجتمعاتها لم تكن تملك القدرةَ عينَها التي للدّول لتكفّ أخطار العولمة الثّقافيّة والإعلاميّة على منظوماتها الاجتماعيّة، أو أخطار الهجرة إلها على منظومات القيم فيها.

  في مجتمعات الجنوب، وفي جملتها المجتمعات العربيّة، اهتزّت النُّظُم الاجتماعيّة والثّقافيّة ومنظومات القيم، هزّات عنيفةً، نتيجة الاكتساح الثّقافيّ العولميّ الهائل لمنظوماتٍ من القيم وافدة إليها، من خارج، عبر حواملَ إعلاميّة وإلكترونيّة عدّة. تناولنا ذلك في كتب سابقة نبّهنا فيها إلى ما كان مُتَجَاهلاً من أبعاد أخرى في العولمة، مثل الأبعاد الاجتماعيّة – القيميّة. ولكنّنا نكتفي، هنا، بالإشارة إلى الأدوار التي كانت لثقافة الصّورة في هذا الاختراق الثّقافيّ – القِيَميّ، والتي نهض فيها النّظام الإعلاميّ السّمعي – البصريّ، ابتداء (أعني في لحظة تحوّله إلى إعلام فضائيّ)، ثمّ نظام التّوصل الإلكترونيّ تالياً، بأدوارٍ حاسمة في نقل محتوى تلك الثّقافة والقيم الحاكمة لها إلى الأصقاع، كما في إعادة إنتاجها وصولاً إلى ترسيخها. وكانتِ النّتيجة تنميطًا للأفكار والأذواق، وإشاعةً لأنماط حياةٍ مجافية، وتوطينًا لعادات الاستهلاك المفرِط والإشباع الغرائزي. هكذا صَحَتِ المجتمعات على داخلٍ اجتماعيّ جديدٍ مُزْدَرَعٍ من خارجٍ بزراعةٍ قيصريّة !

  لم تبلغ عمليّة التّنميط العولميّ، التي ستصيب مجتمعات الغرب الأوروبيّ، ما بلغتْه في مجتمعاتنا من تشويهٍ ومسْخ، لكنّ أَمْرَكةَ الأذواق والقيم والأفكار وأنماط الاستهلاك قطعتْ شوطا بعيدا داخل مجتمعات أوروبا نفسِها حتّى كادت أن تذهب بصورتها هي الأخرى. على أنّ سببا من أسباب التّغيّر في النّظام الاجتماعيّ في مجتمعات الغرب بدأت علائم تأثيراته تتزايد منذ عقود ثلاثة؛ هو الهجرة. ظلّ المهاجرون، العرب والأفارقة والآسيويّون، إلى بلدان الغرب يعيشون، لعقود، على هوامش مجتمعاتها غير أنّ الأجيال الجديدة من أبنائهم وأحفادهم خرجت من الهامش إلى المركز، وباتت – بقوّة أحكام المواطَنة والاندماج الاجتماعيّ – جزءا من نسيجها الاجتماعيّ، وهي بقدر ما تشرّبت قيم المجتمعات الغربيّة نشرت قيمها فيها وفي محيطها الشبابيّ المباشر، فكان ذلك إيذاناً بنشوء أسباب جديدة للتّغيير في النّظم الاجتماعيّة لهذه المجتمعات.

   من تحصيل الحاصل أنّ الفرقَ شاسع بين التّأثيرات الكبرى التي أَلَقَتْها العولمة على الأنظمة الاجتماعيّة ومنظومات القيم في المجتمعات الغربيّة، والتّأثيرات التي خلّفها وجودُ مجتمعات مهاجرة في قلب البلدان الغربيّة. وإذا كان مَرَدُّ الفارق بين التّأثيريْن إلى أنّ فعْل العولمة الاقتلاعيّ أَهْوَلُ، بما لا يقاس من فعْل أيّ عاملٍ لآخر – من قبيل الهجرة ومفاعيلها – فإنّ الذي لا مِراءَ فيه أنّ فعل العولمة ذاك يطال المهاجرين أنفسَهم بمقدار ما يطال المجتمعات (الغربيّة) التي يقيمون فيها، بل قد يكون مفعولها فيهم أشدّ ممّا هو في تلك المجتمعات. مع ذلك، ليس يَسَع الباحث في تغيُّرات النّظام الاجتماعيّ في بلدان الغرب أن يتجاهل ما للهجرة والمهاجرين من تأثيرٍ في إحداث تلك التّغيّرات، وفي استنفار شعورٍ عامٍّ متزايد لدى الغربيّين من المخافة على منظومات قيم مجتمعاتهم من الهجرة والمهاجرين.

[email protected]

التقييمات
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/ycupnm6u