بدعوة كريمة من نادي «كلمة» للقراءة وصالون الملتقى الأدبي في أبوظبي قدّمتُ قراءة في رواية إيفان تورجينيف «الآباء والبنون»، وتورجينيف هو أحد أبرز رموز الأدب الكلاسيكي الروسي، حيث ولد وتوفي في القرن التاسع عشر، وهو بالإضافة إلى كونه روائياً، فإنه كاتب للقصة القصيرة، وللنصوص المسرحية التي تحولت إلى عروض مهمة.
ويعمل مشروع «كلمة» للترجمة تحت مظلة مركز اللغة العربية في أبوظبي برئاسة د. علي بن تميم، ويُحسب للمشروع، بإدارة الأستاذ سعيد حمدان، إصداره ترجمات بالعربية لنحو عشرين عملاً إبداعياً روسياً، كلاسيكياً وحديثاً، بينها «الآباء والبنون»، في مسعاه للانفتاح على الآداب الإنسانية، وتعريف القارئ العربي بدُررِها، التي يعدّ الأدب الروسي، الكلاسيكي منه خاصة، من أبرزها وأكثرها ثراء وعمقاً إنسانياً.
أما صالون الملتقى الأدبي بإدارة الأستاذة أسماء صديق المطوع، فهو واحد من أهم صالونات الثقافة والقراءة في الإمارات، ويمتد عمره إلى سنوات، ولم تحل ظروف «كورونا» بين الصالون ومواصلة أنشطته، حيث تحوّل إلى تقديمها عن بعد، عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتحظى هذه الأنشطة بمتابعة واسعة من المهتمين بالثقافة وقراء الأدب.
وأنشطة الجهتين: «مشروع كلمة للترجمة» و«صالون الملتقى الأدبي»، هي مظهر من مظاهر الحراك الثقافي في الإمارات، أكان ذلك في أبوظبي أو الشارقة أو دبي وبقية الإمارات، تتضافر فيه الجهود الرسمية الموجهة نحو الثقافة، كما هي حال مشروع «كلمة»، والجهود الأهلية المنطلقة من مبادرات لأفراد من الجنسين، شغوفين بالثقافة والقراءة، كما هو صالون الملتقى الأدبي.
وليست مصادفة أن الرواية التي ناقشناها في اللقاء الأخير، أي «الآباء والبنون»، تنتصر في أكثر من موضع للثقافة والفن، ليخلص كاتبها إلى التأكيد على بداهة أنه ما من مجتمع بوسعه التقدّم إن هو أغفل الثقافة، ولم يجعل منها أحد مرتكزات نهضته.
الشاب يفجيني بازاروف المتطرف في أفكاره، والداعي إلى هدم كل ما هو قائم، بحجة «تنظيف المكان»، يخاطب صديقه، أركادي، المتاثر بأفكاره، قائلاً له: «رأيت والدك وهو يقرأ أشعار بوشكين. قل له من فضلك إن ذلك لا جدوى منه.. لقد حان الوقت لترك هذه التفاهة، فمن الذي يرغب في أن يغدو رومانسياً اليوم».
ويأتي الرد على لسان الرجل المخضرم بافل بيتروفيش الذي عركته الحياة، وأكسبته الحكمة، حيث قال في سجال حاد مع الشاب المتطرف نفسه: «إننا نعتز بثمار الحضارة، فلا تقل لي إنها ضئيلة، فإن أردأ رسام وأسوأ عازف هما أكثر نفعاً منكم لأنهما يمثلان الحضارة ولا يمثلان القوة الفظة».
[email protected]