نحو دبي الجاذبة للعين العالميّة

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

ليس هناك أقدم وأصعب تعقيداً من إشكاليّات العلاقات بين السلطة والمعرفة، بمعنى اللغة في محورية تاريخيّة من الصراع بين الحرية والمسؤولية قولاً وكتابةً. كان تدفق المعلومات من أهل السلطة إلى الناس بهدف بلورة أفكارهم وتصوّراتهم وتطوّرهم، من المسائل الجوهرية التي شغلت كلّ الأنظمة وليس أنظمة العرب وحسب، وغيّرت من أشكالها ومعالمها، كما حددت ثقافات الشعوب ولغاتها وحضاراتها. واتّخذ الاعلام المعروف آنذاك بالصحافة، في أبعاده ومشتقّاته المختلفة قبل الشاشات، موقعاً رابعاً في تراتبيّة السلطات في الأنظمة الديمقراطيّة. وبانت اللغة شفويّةً أو مكتوبةً للبشر شيئاً فشيئاً منذ مونتسكيو ( 1689-1755) وكأنّها سلطة خفيّة وقويّة لا تشبه السلطات التقليديّة الثلاث (التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة) في تجلّياتها وتشابكاتها المتنوعة المعقّدة من حيث الفصل في ما بينها وتعاونها وتوازنها في الوقت نفسه؛ لذا راحت الصحافة تخلق لها المتاعب؛ إذ تتجاوزها وتؤرّقها في مراحل متعدّدة.

 ويكشف تفاعل هذه السلطات الثلاث مع سلطات اللغة/الصحافة عن مسائل جوهرية معلنة أو بقيت خفيّة عبر التاريخ، وخصوصاً في بلدان الوطن العربي والدول المماثلة، أقلّها ولاء الصحافة لها أو استعداؤها. هذان موقفان محكومان بالنظرة إلى وسائل الصحافة، والتعبير من حيث كونها وسائل إقناع وتعبئة للرأي العام، أو وسائل ترويج ودعاية لمواقع السلطة أو وسائل تغيير ومبعث تحوّلات ومتغيّرات مختلفة. وراحت ترتفع أحجام هذه التحوّلات وتعقيداتها مع خروج الإعلام من «قفص» الصحافة المكتوبة أو خروجهما معاً من «قفص» السلطة الرابعة المحدَّد إلى تجليات سلطوية خارقة تتحكم بكيان الإنسان المعاصر وتطلقه في حريّات مطلقة في التفكير والتعبير. وتتمثل هذه التجليات في التقنيات الضوئية الإلكترونية الباهرة في جذبها للسلطات كلها وللناس بهدف تحقيق السلطات الخاصّة، فلا تضاهيها أية سلطة أخرى، ولا تتجاوزها بالطبع، بل يبدو كلّ إنسان معها أسير «أقفاص» الفردية؛ حيث السقوط الأكبر لمقولة الاتصال.

 كيف؟ لقد تعاظم دور الإعلام إلى درجة باتت فيه الشاشة في وظائفها المرئية - المسموعة اللامتناهية   قادرة، مثلاً، على نقل الأفكار والأشخاص والدول وترسيخها كلّها؛ بل التحكّم بها لتجعل من صورها البسيطة العابرة والمهملة أو غير المعروفة أبداً قواعد ومثالاً يجذب عين البشريّة. يرافق هذه «السطوة» الإعلامية أفول السلطات وانهياراتها، وتراجع رجالات السياسة واهتمام الناس بالسياسة والسلطة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان أدرجه أنموذجاً في هذا المجال، يبدو فيه الإعلام «جرثومة» تصيب المجتمع والمحيط فيتحوّل إليه، لتأخذ الكلمة المباشرة رونقها وحياتها مجدداً، بعدما بدت تخبو ثقافياً، لكنها الكلمة التي لا تستند إلى قاعدة أو ضوابط.

ولنعترف بحثاً عن حماية العرب ولغّتهم، بأنّه إذا كانت المؤسّسات العائلية والتعليمية والدينية هي من الأسس التي تكوّن الأفراد وسلطاتهم وقِيَمهم تنسحب في عالم مقيم ببهرجات العولمة، وتملأ فيه وسائل الإعلام الفراغات الحاصلة، فإنّ تداعيات اتّصالية تصيب الأفراد لا في لغاتهم وحسب؛ بل في كيانهم، لنجدهم في فراغ آخر أكثر خطورةً وشمولاً، هو فراغ وقوع الأجيال في قداسة الصمت الشائع اليوم. يتجلى هذا الفراغ في تقنيات الاتصال «الصامت» التي يغرق العالم المعاصر فيها إلى درجة الدعوات اليومية إلى انتقاد الشاشات من على الشاشات، وإنتاج الأفلام والصور والبرامج التي تدعو إلى تحطيم التقنيات، وتخليص الإنسان المعاصر من «الأسطورية» في وسائل الإعلام التي تولّد الهلع.

لقد قفزت السلطة الرابعة في تطوّرها بالكلمة المكتوبة إلى تحقيق سلطات الصورة أي إلى منابع ظهورها الأوّل. وتتقدّم الصورة سلطة السلطات في عصر العولمة لتنحسر فيه الكلمات إلى حدود المعلومة المضغوطة الإلكترونية. إنّ تجلّيات سلطات الصور وعدتها غير الثابتة المحكومة بتقنيات الشاشة، والرقمية، التي تحقق المجتمعات الصامتة، والتنوع اللامتناهي، وترفع من شأن السمع والبصر، هي مسائل جديدة وخطرة ولو أنها بدت لوهلة أنّها لم تزل بعيدة، في آثارها، عن مجتمعاتنا اللبنانية والعربية.

إنّ متابعة الدعوات الكثيرة التي تستشرف اللغة العالميّة، وفي مقدمتها دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تدعونا إلى الانخراط في إيجاد القوانين الدولية اللغوية كما في الأنظمة الإعلامية الجديدة، وانخراط الأجيال الجديدة في إشكالياتها وموروثاتها، وحضور العرب الرسمي مؤتمراتها، لربّما نصون لغتنا من آثار تقنيات المشاع الدولي، خصوصاً وأنّ دبي صياغة فريدة جاذبة للعين العالمية.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"