تحولات الإسلام السياسي في المغرب العربي

00:32 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

عرفت حركات الإسلام السياسي في المغرب العربي تحوّلات لافتة ومؤثرة في المشهد السياسي للدول المغاربية خلال السنوات العشر الأخيرة، أي بعد موجات ما سمي ب«الربيع العربي»، لاسيما في تونس وليبيا؛ فقد استطاعت أغلب هذه الحركات أن تعيد تنظيم صفوفها، وأن تعدّل أجندتها؛ لتفرض نفسها كلاعب سياسي فاعل في عملية إعادة تشكيل السلطة التي تشهدها – وإن بدرجات متفاوتة- دول المنطقة، والتي يتميز فيها الحضور السياسي للأحزاب الإسلامية بخصوصيات تميّزها عن مسار وتحولات حركات الإسلام السياسي في المشرق العربي، من منطلق أن بعض الأحزاب المغاربية ذات المرجعية «الإخوانية» استطاعت أن تدخل إلى معترك السلطة منذ التسعينات من القرن الماضي.

 كما أن أهم ما يميّز الأحزاب الإسلامية المغاربية عن نظيرتها المشرقية، هو أن الأحزاب «الإخوانية» أصبحت بمثابة مكوِّن رئيسي من مكونات النخب السياسية في تونس والمغرب والجزائر وليبيا، وبدرجة أقل في موريتانيا، خصوصاً أن هذه الأحزاب تمكّنت في مجملها من تحقيق هامش من الاستقلالية عن التنظيم العالمي ل«الإخوان المسلمين»؛ وفضلاً عن ذلك، فإن متاعب الدول المغاربية مع الإسلام السياسي لا ترتبط بنشاط التنظيمات ذات المرجعية «الإخوانية»، ولكنها تتعلق بحركات تعتمد في تنظيراتها على أدبيات سلفية متشددة، مع خليط من المرجعيات المحلية، كما هو الشأن مع جماعة العدل والإحسان، والجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في الجزائر، وأنصار الشريعة في تونس وليبيا.

 وإذا انطلقنا من تونس، فإننا سنجد أن الحضور الواسع النطاق للإسلام السياسي بدأ مع حركة «النهضة» التي استثمرت لصالحها عملية إسقاط النظام السابق، وتصدّرت الساحة السياسية بعد انتصار «ثورة الياسمين». وقد تميّز نشاط هذه الحركة بالكثير من البراجماتية، في محاولة منها لتجاوز أخطاء تنظيم «الإخوان» في مصر، وتمكّنت بالتالي من فرض نفسها على أقوى خصومها، بيد أنه وعلى الرغم من قدرة زعيم هذه الحركة على المناورة إلا أن إخفاقها في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ولجوء بعض أفرادها إلى ممارسة العنف اللفظي والجسدي ضد المعارضين، بدآ يُسهمان في انحسار قاعدتها الشعبية.

 أما في المغرب، فإنه وبعد التراجع الواضح لنشاط جماعة العدل والإحسان إثر وفاة مؤسّسها عبد السلام ياسين، فإن حزب «العدالة والتنمية» بات يتقدم المشهد، ويُهيمن على معظم التشكيلات السياسية المرتبطة بالإسلام السياسي في المغرب، وبخاصة بعد أن تمكّن من قيادة الحكومة في المملكة لعدة سنوات، والملاحظة الأساسية التي يمكننا أن نسجلها في هذا السياق، هو أن حزب «العدالة والتنمية» المغربي ربما يكون أكثر الأحزاب الإسلامية المغاربية رفضاً لوصاية المرجعية المشرقية للإسلام السياسي.

 وفيما يتعلق بموريتانيا التي تمتلك خصوصيات تاريخية فريدة تميِّزها عن دول الجوار، فإن هامش حضور الإسلام السياسي بداخلها لا يزال محدوداً، مقارنة بالدول المغاربية الأخرى؛ وذلك نتيجة للطابع التقليدي والقبلي للمجتمع الذي لا يسمح بتدخل الجانب الديني في السياسة إلا ضمن حدود معقولة، وبالشكل الذي لا يسمح للتنظيمات الدينية المتطرفة بالهيمنة على مؤسسات الدولة؛ بينما تظل ليبيا وبحكم قربها من مصر، أكثر الدول المغاربية تأثراً بنفوذ التنظيم العالمي ل«الإخوان»، لاسيما من خلال حزب «العدالة والبناء»، الذي يسعى إلى توظيف تحالفاته الدولية؛ للتأثير في المستقبل السياسي للدولة الليبية.

 بالنسبة للجزائر، وعلاوة على الأحزاب «الإخوانية» التي تشير بعض التوقعات بأنها ستفوز في الانتخابات التشريعية التي ستجرى في 12 يونيو/ حزيران المقبل، فإن تيار السلفية القطبية أو الراديكالية الذي تمثله «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» يسعى منذ الإطاحة بالرئيس بوتفليقة إلى العودة إلى المشهد السياسي، من خلال استثمار «الحراك الشعبي» للضغط على السلطة؛ من أجل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتصدّر الساحة السياسية مرة أخرى.

 ويمكن القول إن الإسلام السياسي المغاربي، على اختلاف توجهاته، يعمل على توظيف منصات التواصل، وخطاب المظلومية؛ من أجل الترويج لأطروحاته؛ كما يستثمر في السياق نفسه النقمة الاجتماعية والنزعة المطلبية المتنامية؛ لكسب مزيد من الأتباع، ويعمل أيضاً على محاولة تهميش المرأة، من خلال تغذية تطرف النزعة الذكورية لدى الشباب غير المؤهّل، الذي بات يُبدي انزعاجه من تنامي دور المرأة في المجتمعات المغاربية.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"