الديمقراطيون السوريون والحل السياسي

01:02 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

شهدت الساحة السياسية السورية، على ضفة المعارضة الديمقراطية، مراجعات عديدة، ففي الأشهر الماضية، عُقدت العديد من الندوات والمحادثات التي تناولت عملية تقييم الحالة السياسية برمّتها، بما فيها الأوضاع الإقليمية والدولية المؤثرة في المعادلات السورية، وأوضاع القوى السياسية المعارضة، والاقتصاد السوري، وأوضاع الجهاز البيروقراطي السوري، والتقسيم القائم بفعل تعدّد سلطات الأمر الواقع في الجغرافيا الوطنية، وتأتي هذه المراجعات في إطار بروز حاجة موضوعية ملحّة لنقد الأوهام التي سادت العمل السياسي المعارض، خصوصاً تشكيلات النادي الرسمي للمعارضة، (الكيانات التمثيلية، والتي خاضت جولات تفاوض عديدة على مساري جنيف وأستانة).

هناك إجماع قوي وواسع بين القوى الديمقراطية السورية حول نقاط عديدة، وأهمها أن توصيف الحالة السورية نفسها لا يستقيم من دون الاعتراف بأن مسار الصراع الوطني انحرف، في جزء مُهمّ منه، نحو مظاهر الحرب الأهلية، وبناءً عليه، فإنه من الضروري الأخذ بالحسبان ما أحدثته هذه الحرب من انقسامات أفقية، طالت البنى الاجتماعية، ما أدى إلى ظهور دور فاعل للهويات الفرعية، لكن من دون أن تتمظهر سياسياً، على شكل أحزاب أو قيادات طائفية، تحتكر تمثيل الطيف الواسع للمكونات الدينية والمذهبية، ويأتي الاعتراف المتزايد من قبل قوى المعارضة السورية بأن مجريات السنوات الماضية تقع في جزء كبير منها تحت مسمى «الحرب الأهلية» في إطار إعادة توصيف المسألة السورية، بغرض التمهيد لأوضاع فكرية وسياسية وتنظيمية جديدة، تسمح بالخروج من حالة الاستعصاء التي عرقلت الحل السياسي.

 عانت قوى المعارضة الديمقراطية السورية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي أوضاعاً معقدة، فقد اضطرت للعمل السري في ظل قانون الطوارئ، ولم تكن لتحافظ على نفسها لولا توحدها في «التجمع الوطني الديمقراطي»، وعلى الرغم من عملها السري لحوالي ثلاثة عقود، إلا أنها بقيت محتفظة بقناعتها الاستراتيجية برفض التدخلات الخارجية، ووقفت جميعها مع القضية الفلسطينية من دون أي تحفظات، وبعد عام 2011، وجدت نفسها أمام متغّيرات كثيرة، ما دفع بعضها للتعويل على التدخل الخارجي، وبالإضافة إلى هذا الاختلاف حول الموقف من التدخل الخارجي، كانت هناك مواقف متباينة من العسكرة، وطبيعة الحل السياسي، ما أدى إلى شروخ كبيرة في علاقاتها التاريخية.

 وخارج إطار القوى الديمقراطية التاريخية، نشأت في السنوات الماضية، قوى وأحزاب ديمقراطية جديدة، أقل ارتباطاً بالأيديولوجيات التي كانت سائدة في سوريا لعقود، وهي تستند في وعيها السياسي إلى منجزات المواطنة وثقافة حقوق الإنسان، واختار معظمها أن يبقى بعيداً عن الانضمام إلى النادي الرسمي للمعارضة، ولم ينحز لمشاريع القوى الإقليمية والدولية، وبحكم وجودها الجديد على الساحة السورية، فهي لم تكن معنية بالخلافات التاريخية بين القوى السياسية، وتبدو هذه القوى الجديدة اليوم في حالة نشاط فكري وسياسي، بعد أن شارفت الأعمال العسكرية على نهايتها، ولم يعد التعويل على السلاح ممكناً في إحداث أي تحول دراماتيكي.

 هناك مبادرتان اليوم لتوحيد القوى الديمقراطية، إحداها تقدّمت بها «هيئة التنسيق للتغيير الديمقراطي»، وكان من المفترض أن تعقد مؤتمرها في دمشق، لكن تمّ منعها، والثانية كانت ثمرة لقاءات عديدة على مدار عامين جرت في عواصم أوروبية عديدة، وتمّ انتخاب لجنة تحضيرية لها تضم شخصيات من قوى وأحزاب داخل سوريا وخارجها، وبصفتي منسقاً لأعمالها، يمكنني القول إن عمل اللجنتين وأوراقهما يتقاطعان في مجمل القضايا المهمة، وينطلقان من ضرورة أن تكون الدولة السورية المقبلة دولة ديمقراطية تعددية حيادية عن جميع مكوناتها، وهذا المصطلح الأخير حول حيادية الدولة هو المصطلح المكافئ لمصطلح العلمانية.

 وإذا كان أحد العناوين العريضة للحرب السورية هو نقص أو غياب تأثير القوى الديمقراطية في مجرياتها، فهذا يبدو طبيعياً، فمعظم القوى الديمقراطية تعرّف نفسها كقوى سياسية، ليس لها أي صلة بواقع العسكرة الذي فرض نفسه في الساحة السورية، ومن هذا المنطق، فإن زخم نشاطها الجديد يبدو مفهوماً من زاوية استنفاد الحل العسكري لكل ممكناته، لكن ما هو أهم أن أي حل سياسي يمكن أن يفضي إلى واقع سلم مستدام، يحتاج إلى حوامل سياسية مدنية، من القوى التي لم تنخرط في الحرب، ولم تسهم في الانقسام المجتمعي، وبالتالي يمكن لها أن تلعب دوراً مهماً في تجاوز ما أحدثته الحرب من شروخ، وأن تكون أحد عوامل التأسيس لحل سياسي لا يقوم على محاصصات ما دون وطنية، لكن كل هذا يحتاج إلى خطوات عملية نحو أشكال وحدوية، تساعدها على تثقيل وزنها في أي حل سياسي مستقبلي.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yg7r9vzx