الولايات المتحدة وروسيا.. التعايش الحذر

00:18 صباحا
قراءة 4 دقائق

د.إدريس لكريني

   شهدت العلاقات الأمريكية – الروسية خلال السنوات الأخيرة، مجموعة من المحطات الصعبة التي ذكّرت العالم بظروف الحرب الباردة التي سادت زهاء نصف قرن من الزمن.
فعندما انهار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينات من القرن الماضي، برزت الولايات المتحدة كقطب مهمين على الساحة الدولية، عبر سعيها لملء الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه زوال المعسكر الشرقي، مستثمرة في ذلك إمكاناتها العسكرية والاقتصادية وآلتها الدبلوماسية.
  ولم تستطع بعض القوى الدولية الكبرى مزاحمة الانفراد الأمريكي بالشأن العالمي في هذه المرحلة من تطور النظام الدولي، لاعتبارات عدة، فدول الاتحاد الأوروبي، وبالرغم من المكتسبات الاقتصادية المهمة التي حققتها خلال العقود الأخيرة، فإنها لم تتخلص مع ذلك من التبعية للولايات المتحدة على المستوى الأمني، بحكم هيمنة واشنطن على حلف شمال الأطلسي، كما أنها، وبرغم المنجزات التي تحققت داخل الاتحاد، فهي لم تفلح في بلورة سياسة خارجية موحّدة إزاء عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
  وبرغم الإمكانات البشرية والاقتصادية المتوافرة للصين، فقد ظلت هذه الأخيرة منشغلة بمجموعة من الأولويات الداخلية في ارتباط ذلك باستكمال وحدتها، عبر استرجاع بعض الأقاليم، وتعزيز مسارات التنمية الداخلية. ويبدو أنها حرصت أيضاً على تلافي المجازفة بالدخول في منافسة استراتيجية مع الولايات المتحدة بالنظر إلى الكلفة التي ستترتب على ذلك، بما قد يستنزف قدراتها وإمكاناتها، رغم استفزازها من قِبل الولايات المتحدة في عدد من المناسبات.
  أما روسيا فقد ظلّت من جهتها منشغلة لسنوات بالتركة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التي خلّفها تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الشرقية، حيث مرت بمجموعة من التحديات التي فرضتها المرحلة الانتقالية، ما جعلها تتعايش مع السياسات الأمريكية تجاه عدد من الأزمات والقضايا الدولية والإقليمية، قبل أن تعود إلى الساحة الدولية عبر بوابة بعض الأزمات الدولية في الفترة الأخيرة، كما هو الشأن بالنسبة للأزمة السورية، وتصاعد الأحداث في شبه جزيرة القرم، وتطورات الملف النووي الإيراني.
  وتشير الكثير من الدراسات والأبحاث إلى أن روسيا تملك إمكانات بشرية وطبيعية واقتصادية وعسكرية هائلة، يدعم حضورها الوازن على المستويات الإقليمية والدولية، وقد حرصت في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، على تحديث إمكاناتها العسكرية، وتطوير صناعاتها، علاوة على تطوير علاقاتها مع مختلف الأقطار، وعلى العودة بقوة إلى الساحة الدولية، مستغلة في ذلك فشل الولايات المتحدة في تدبير الكثير من الأزمات على امتداد مناطق مختلفة من العالم، واستياء عدد من الدول من سياساتها الخارجية، والرغبة في تجاوز تحديات الماضي.
وفي أواخر عام 2016 فرضت الإدارة الأمريكية على عهد الرئيس السابق باراك أوباما، مجموعة من العقوبات الصارمة على روسيا، ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ساد نوع من الترقب بصدد مستقبل العلاقات بين الجانبين، فيما لم يخفِ البعض تفاؤله من إمكانية رفع العقوبات التي فرضت على روسيا في أعقاب توتر الأوضاع في أوكرانيا، حيث قامت الولايات المتحدة حينها بتوجيه تحذير لروسيا بسبب ما اعتبرته تدخلاً عدائياً في أوكرانيا، وتكثيف وجودها العسكري على الحدود مع هذا البلد، وفي شبه جزيرة القرم، ومع ذلك ستشهد العلاقات مدّاً وجزراً بسبب التباين في الرؤى إزاء عدد من القضايا الأمنية والعسكرية، والأزمات الدولية، وبخاصة في ما يتعلق منها بالملف النووي الإيراني، وتطور الأوضاع في كل من سوريا وأوكرانيا.
  ولم يخف جو بايدن، انزعاجه من روسيا خلال حملته الانتخابية، وعندما تولى الرئاسة شهدت العلاقات بين البلدين توتراً ملحوظاً، حيث كثفت الولايات المتحدة من تموقعها في فضاءات لا تخلو من أهمية استراتيجية بالنسبة إلى روسيا، كما هو الأمر بالنسبة إلى أوروبا الشرقية، كما لم تخف واشنطن قلقها المتزايد من تسميم المعارض الروسي ألكسي نافالني، ما دفعها إلى فرض عقوبات على عدد من الشخصيات الروسية.. وقد وصف بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ب«القاتل»، وحذر من أنه سيدفع الثمن لقاء سلوكاته.. وهو ما ردت عليه موسكو باستدعاء سفيرها في الولايات المتحدة الأمريكية، واعتبرت الأمر إهانة للشعب الروسي.
 وإذا كانت الولايات المتحدة تصر على أن روسيا تجاوزت حدودها بالتمادي بالتدخل في انتخاباتها الرئاسية، فإن موسكو تؤكد من جهتها أن تصعيد الولايات المتحدة لخطاباتها وسياساتها تجاهها، ما هو  إلا محاولة لتصريف أزماتها الداخلية، بل وتصر على أنها (أمريكا) هي المسؤولة الأولى عن تدهور العلاقات بين الطرفين.
  وفي الوقت الذي يؤكد فيه عدد من الباحثين والمراقبين أن تدهور العلاقات بين البلدين يعكس رغبة أمريكية في كسر أي تحالف استراتيجي صيني - روسي يهدد مستقبل القطبية الأمريكية، يتساءل آخرون حول ما إذا كانت هذه التطورات تؤشر لحرب باردة جديدة، وبداية مخاض عسير لولادة نظام عالمي بتوازنات جديدة تميل نحو التعددية، أو مجرد مناورة روسية عابرة تبتغي من ورائها الاستئثار بمكانة وازنة في النظام الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة؟

[email protected]

 

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"