تصعيد بهدف التهدئة

00:49 صباحا
قراءة 3 دقائق

حافظ البرغوثي

تبادلت دول الغرب وروسيا التهديدات وطرد الدبلوماسيين وفرض عقوبات على أشخاص وكيانات ومنظمات، في تصعيد لا سابق له منذ الحرب الباردة بين روسيا والمعسكر الغربي.

 وكان الرئيس الأمريكي جو بايدن استغل فترة رئاسته بوصف نظيره الروسي بوتين بأنه «قاتل»، وجرى التخفيف لاحقاً من حدة الشتائم المتبادلة، لكن الرئيس الأمريكي أردف ذلك بطرد دبلوماسيين، وفرض عقوبات جديدة على روسيا، وسط مناورات روسية في القطب الشمالي الذي يبدو أنه سيكون موضع نزاع دولي، لموقعه وثرواته الكامنة تحت الجليد، كما دفعت روسيا بقوات كبيرة إلى شبه جزيرة القرم التي سيطرت عليها من أوكرانيا، وحشدت مئة ألف جندي على حدود أوكرانيا الشرقية في إقليم دونباس ذي الأغلبية الروسية، رداً على حشود أوكرانية، ما رفع حدة التوتر العسكري.. وهنا اقتنع الرئيس الأمريكي بضرورة التهدئة، واتصل بنظيره الروسي عارضاً لقاء قمة بينهما في بلد ثالث لبحث القضايا موضع الخلاف، وكأن التصعيد الأخير جاء تمهيداً للقمة، وهي الأولى بين الرجلين.

 لكن الروس، ومعهم مراقبون محايدون، قللوا من أثر العقوبات الأمريكية على الدَّين العام الروسي والشركات. وقد طلبت أوكرانيا في مواجهة الحشود الروسية القادرة على اجتياحها بسرعة، من حلف الناتو، ضرورة الإسراع في ضمها، لتكون جزءاً من الاتحاد، وإنهاء الحركة الانفصالية، وهو ما اعتبره الروس إجراء يفاقم المشكلة ولا يحلها. إذ بينما بدأ الغرب في إمداد أوكرانيا بالسلاح، زجت روسيا بقطع حربية في البحر الأسود، وأعلنت حظراً على الطيران والإبحار في مناطق معينة منه، بينما أرسلت بريطانيا قطعة بحرية رمزية إلى البحر الأسود كنوع من التضامن مع أوكرانيا.

 العلاقات الروسية الأمريكية التي ظلت تحت السيطرة في عهد ترامب المتهم بمحاباة موسكو، وجدت أن الرئيس الجديد جاء لمحاسبة موسكو على علاقاتها مع ترامب، وتدخلاتها في الانتخابات الأمريكية، ومحاولة موسكو فصل إقليم دونباس الأوكراني، وقطف ثمار اقتصادية من أوروبا بواسطة خط السيل الشمالي الثاني الذي سيمد ألمانيا بالغاز الروسي.

 واشنطن تطمح إلى تصدير الغاز المسال إلى أوروبا عوضاً عن الغاز الروسي، وهو مكسب جيد للاقتصاد الأمريكي، وبدأت ألمانيا تتردد في استخدام خط السيل الشمالي، رابطة ذلك بالسلوك الروسي تجاه أوروبا، وقضايا أخرى مثل قضية المعارض أليكسي نافالني. إلا أن الحشود في البحر الأسود لم تدفع لهجة الزعماء نحو التصعيد، فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» الأمريكية إلى تحديد «خطوط حمراء واضحة» مع روسيا، مبدياً استعداده لفرض عقوبات في حال أبدت موسكو «سلوكاً غير مقبول»، لكنه تحدث بشكل واضح عن العقوبات باعتبارها الطريقة الوحيدة «لنكون (الغرب) ذوي مصداقية»، مشيراً إلى أنه من الأفضل إقامة «حوار بناء». 

 وفي وقت سابق، وجه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، تحذيرات لكل من روسيا والصين في شأن تحركاتهما العسكرية في أوكرانيا وتايوان، من دون أن يشير إلى أي احتمال بتدخل من الولايات المتحدة في حال إقدام أي من البلدين على غزو عسكري لجيرانه، قائلاً «لن أخوض في الافتراضات»، في حين تعهد بأن تكون هناك «عواقب».

 وكانت الخارجية الروسية، أبلغت السفير الأمريكي أنه من غير اللائق تحذير موسكو من التصعيد. وفي وقت سابق، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في تصريحات متلفزة، «الولايات المتحدة ليست مستعدة لقبول الحقيقة الموضوعية بأن هناك عالماً متعدد الأقطاب يستبعد الهيمنة الأمريكية، ولا مفر من الرد على العقوبات»، وكان مسؤولون أمريكيون شددوا قبل ذلك أن بلادهم هي القطب الوحيد في العالم.

 واشنطن تستجمع حلفاءها للوقوف في وجه الدب الروسي المدجج بالسلاح، لكنه لا يشكل خطراً اقتصادياً عليها، بينما عينها على الصين التي تخوض صراعاً تنافسياً مع واشنطن اقتصادياً وجيوسياسياً وتقنياً، فترى فيها واشنطن التهديد الحقيقي لهيمنتها على العالم.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yk38b5uv