ديالكتيك جديد للقضية الفلسطينية

00:25 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

أعادت مواجهات حي الشيخ جرّاح بين المواطنين المقدسيين والجنود والمستوطنين الإسرائيليين، وما تلاها من تطورات عسكرية، القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى واجهة الأحداث، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الكثير من المعطيات الإقليمية والدولية، توحي بحدوث تجاهل كبير لهذه القضية على المستويين العربي والعالمي، وهذا التجاهل، تضاف إليه رغبة عالمية قديمة بأن تطوى صفحة القضية الفلسطينية، بكل مشكلاتها وأزماتها التاريخية والوجودية، وأن تتحوّل إلى متحف التاريخ المنسي، بوصفها جزءاً من ماضٍ له حيثيات تجاوزتها الوقائع، فلا الحرب الباردة القديمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قائمة، ولا الاتحاد السوفييتي نفسه موجود اليوم، ولا حركات التحرر الوطني في أوجها، ولا قوى يسار عالمي تدافع أمام حكوماتها عن حقوق الشعب الفلسطيني.

 باستمرار، كان منطق صنّاع القرار في إسرائيل هو تقليص البعد الوجودي/ الهوياتي في القضية الفلسطينية، وتحويلها إلى سلسلة قضايا منفصلة. ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية وجدت صداها وتأييدها لدى معظم القوى العالمية، وذلك انطلاقاً من قناعة مفادها أن الزمن، بما يتضمنه من تحوّلات تفضي إلى فوارق نوعية في ميزان القوى، كفيل بأن يحل معظم القضايا الكبرى، أو على الأقل يجعلها قليلة التأثير، أو محرومة من أية معطيات لتفعيلها، وقد يكون لهذا المنطق ما يبرره من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية، فإن ما يفرض نفسه هو طبيعة القضية نفسها، وخصائصها الداخلية، التي تجعل من بعض القضايا غير قابلة للذوبان النهائي، مهما حدث من تحولات أو تغيّر في الوقائع.

 صحيح أن زمن حركات التحرر الوطني قد أصبح من الماضي، لكن من الصحيح أيضاً أن معظم قضايا التحرر الوطني التي عرفها القرن الماضي وجدت طريقها إلى الحل، بينما بقيت القضية الفلسطينية في خانة المؤجل الدائم، وساحة استثمار لأطراف عديدة، لا تتوافر إرادة دولية فاعلة لوضعها على سكّة الحل. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد بقيت القضية الفلسطينية دائمة الحضور في الأجندات المتعاقبة للرؤساء الأمريكيين، لكن بطريقة شكلية تماماً.

 مواجهات حي الشيخ جراح، تعيد معها أحد فصول مأساة القضية الفلسطينية، وهي مأساة التهجير القسري للسكان الأصليين، في محاولة لتغيير الطابع الديموغرافي، وهو ما ينافي، ليس المنطقين الإنساني والتاريخي فقط، بل أيضاً القانون الدولي الذي يعتبر أن جريمة التهجير القسري أساسها «ممارسات حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعة عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراضٍ معينة، وإحلال مجموعات سكانية أخرى بدلاً عنها»، وهو ما ينطبق فعلياً على الممارسات التي تقوم بها إسرائيل في حي الشيخ جراح، بهدف إحلال مستوطنين بدلاً عن سكانه الفلسطينيين، وتغيير معالمه العمرانية والتاريخية والاجتماعية.

 قد تكون محطات النضال الفلسطيني، بما لها وما عليها، قد وصلت في أشكالها القديمة إلى أزمة لا يمكن إنكارها، لكن على الجانب الإسرائيلي توجد أزمة أيضاً لا يمكن تجاهلها، فقد أحرزت إسرائيل تقدماً على الجبهات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، لكنها لم تتمكن من تحويل المواطنة إلى ممارسة فعلية تنطبق على جميع سكانها، نتيجة لاستمرارها في تبني مسار الدولة القومية، على الرغم من انعدام مقوّماته، من حيث التاريخ المشترك أو الهوية العرقية والدينية، وهذا المسار هو شكل من أشكال الهروب إلى الأمام؛ لعدم قدرتها على الالتزام باستحقاقات الدولة التعددية، وما يمكن أن تفرضه من تغيّرات على بنية إسرائيل نفسها.

 التحوّل النوعي اليوم في القضية الفلسطينية هو أنها لم تعد فقط قضية تحرر وطني، بل أيضاً قضية في سبيل المواطنة. فالأجيال الجديدة من الفلسطينيين، خصوصاً داخل أراضي ال48، ينتمون فعلياً إلى عصر مفاهيمي جديد، تحتل المواطنة فيه موقعاً مركزياً، تتمحور حوله مختلف القضايا القانونية والاقتصادية والإنسانية، وفعلياً هذا الجيل هو الذي انخرط في المواجهات السلمية في حي الشيخ جراح، ليقول إن القضية الفلسطينية تمتلك راهنيتها، ليست فقط لأصالتها التاريخية، وما تتضمنه من حقوق وإرث وجداني، بل لأنها قضية يومية، من أجل تحقيق مبدأ الفرد/ المواطن، حقوقياً وسياسياً.

عودة إسرائيل للتعاطي مع الاحتجاجات الفلسطينية بالأدوات القديمة ذاتها، تؤكد عدم استيعاب النخب الإسرائيلية لطبيعة الديالكتيك الجديد للقضية الفلسطينية، الذي يقوم على تفاعل بين مفهومي التحرّر الوطني والمواطنة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/5dtsp6pu