د. نسيم الخوري

بات الحديث الطاغي الذي يوحّد أبناء المجتمعات اللبنانية المتنوّعة، مغادرة لبنان إلى حدود التوسّل، ونفاد الصبر وحتّى تزايد الانهيارات العصبيّة والانتحارات والانغماس في الرذائل واجتياحات الأمراض الجسدية والنفسية المتفاقمة في زمن تعلن المستشفيات يوميّاً عن عدم القدرة على استقبال المرضى. هل أقسى من كلام نقيب الأطبّاء مثلاً من على الشاشات من أنّ المستشفيات لا تُقفل أبوابها لعدم قدرتها؛ بل لعجزها عن استقبال المرضى الذين هم بحاجةٍ إلى عمليّات جراحيّة؛ لعدم توافر المعدّات والأطبّاء؟

 هو الواقع. هل أعلن أنّ الأستاذ الجامعي مثلاً بات يُضرب أو يغيب عن طلاّبه ولو عبر محاضرات ال «أون لاين»؛ لأنّ الساعات الجامعيّة؛ بل التعليم العالي صار خارج المواضيع والمضامين المألوفة في الحرم الجامعي، لقد «ملّت من الشكوى الثواني»، وصار الهمّ والنقاش والحلم في كيفيّة الهجرة من لبنان. رمت طالبة دكتوراه أمامنا عدداً من طلبات الهجرة للشابات والشباب اللبناني في الربع الأوّل من هذا العام: 153454 إلى فرنسا، 98773 إلى أمريكا، 64471 إلى كندا، و40096 إلى البرازيل، و71 722 إلى بلاد أُخرى، وقالت: إنّ أعداد المغادرين نهائيّاً في ال 2019-2020 هو 154724 على الرغم من مخاطر كورونا وإقفال المطارات.

 يمكن لأيّ منّا، أن يضع مقدّمة من هذا الوزن فوق طاولة كلّ دولة ومنظّمة دوليّة، لتقلب الدنيا على قفاها. إنّني على يقينٍ، بأنّ الجواب اللبناني سيكون بارداً فيُبلغك من دون رمشة عينٍ أو بشفتين مقلوبتين أنّ هذا هو تاريخ لبنان وأن عدد المهاجرين اللبنانيين في البرازيل تجاوز ال10 ملايين، بينما عدد المقيمين اليوم لا يتجاوز الثلاثة ملايين. والصفاقة فرح مسؤول «كبير» بهذه الأرقام التي لم ولن تحرّك وبرةً في بدنه أو أبدان المسؤولين المقيمين في الفراغ والسادية والتنابذ في صلاحيات قشورية، بعدما تفتّتت الجمهورية في عفن الطائفيات والمذهبيات وقراءات الدستور وتفسيره وتغسيله وتنشيفه بلا أيّ ملمحٍ جديد.

لن أتردّد بسجن صفة «الكبير» بين قوسين تدليلاً على سقوط المسؤولين في حفرٍ لا قرار فيها. كان جوابه: «فليذهب اللبنانيون كلّهم إلى الخارج، وإنّني لن أتراجع قيد أنملة عمّا أقتنع به»، وأضاف، تصوّروا: «لو لم يكن هناك هذا الكمّ الهائل من أهلنا وأولادنا في الخارج لكانت أعداد الفقراء والسرقات والقتلى أكثر من أعداد المهاجرين الذين تُبلغني بهم وعنهم». صُعقت ومستفسراً عمّا يعنيه. قال: «إنّ هؤلاء يمسكون بلبنان معلّقاً دون السقوط. يكفي أن يرسل المغترب اللبناني مئة أو مئتي دولار أمريكي لعائلته شهرياً حتّى يستكين الأمر وتهدأ الثورات والحراكات والمطالبات والأحزاب، ولو وصل سعر الدولار إلى ما يتجاوز 12000 ليرة للدولار الواحد، فإنّ المطابع شغّالة».

 لن أمدّ حبري نحو المهاجرين اللبنانيين في الخليج العربي أو أيّ ناحيةٍ في الدنيا؛ بحثاً عمّن صاروا في الخارج لدولةٍ لا تعرف حتّى سكانها الذين يقيمون؛ خوفاً من سقوط الأغطية عن الفروق بين أعداد أبناء الطوائف التي لا تعني شيئاً لأجيال الشباب.

 شردت قليلاً في ما أسمع فأضاف: «لا يعنيني الوضع الخاص؛ بل الوضع العام». لم أسأل عمّا يقصد بالوضع العام، فقد سبقه رئيس الجمهورية اللبنانية بأنّنا في الجحيم بعد مئة سنة من الاستقلال.

 يقصد بالعام قطعاً اتفاق «الطائف» الذي جنّن الجمهورية وكأنّها «بلا دستور»، بعدما أبقوه نصّاً مستحيلاً واتّفاق تسوية بين بعض الأطراف اللبنانيين؛ وإذ تفترض التسوية فلسفياً التراجع أو التنازل عن بعض المطالب والحقوق والعادات المزمنة في إدارة السلطات، فأمر لم يتم وهو لن يتمّ، إلا بتعويض هذه الأطراف المستنسخة والمتيبسة ثقافياً وفكرياً وطائفيّاً، تجديد توزيع السلطة «مغانم» في ما بينها. وعلى الرغم من هذا التوزيع الذي لم يحصل غيره، لم ولن تتوقف الحملات والنصوص الرافضة له؛ بل ارتفعت وسترتفع نبراتها، وستغالي في مضامينها، لتتكشّف معارض التفسخات من دون الجرأة الوطنيّة على الاعتراف أن نصّ الطائف ومحاولات تطبيقه منذ تعيين النواب للنوّاب ينهار كلّ يوم بين مطالب المعارضين والموالين والمقاطعين والمستقيلين والمبعَدين والمسايرين والمستقلين واللامبالين.

 فُرض السلم بنصٍّ لم يُثبّت تفاعلاً ولم تُحَل الميليشيات كلّها أوتُسلّم الأسلحة، ولم يُعمّر مدماك في المؤسسات الدستورية المنهارة من تحت الركام بعد شللها عبر الحروب والخرائب، ولم يكن أو يعُد من الممكن إعادة النظر الشاملة به. النتيجة اهتراء كامل إذن؛ لأن لبنان صار بالاسم في الجمهورية الثانية أو الثالثة على ما قال العميد ريمون إدّه، لكنّه يُدار بعقليّة لم تخرج بعد من الجمهورية الأولى. وما أكثر من يترحّم على تلك الجمهورية الأولى من السياسيين واللبنانيين.

[email protected]