هل فرّطت الدول النفطية بحقوقها في مفاوضات المناخ؟

20:00 مساء
قراءة 3 دقائق

د. محمد الصياد*

 حين ينظر المرء إلى الوراء، إلى السنوات الأولى التي أعقبت إبرام اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (UNFCCC) في ريو دي جانيرو عام 1992، وما تلاها من مؤتمرات أطراف (Conference of Parties – COPs) تعقد سنوياً في واحدة من الدول الأعضاء في الاتفاقية اعتباراً من مارس 1995، حيث عقد أولاها في برلين – ويقوم بعمل استقصاء مبدئي لحساب العائد والتكاليف (Cost and Benefit analysis)، مصحوباً بنوع من دراسة تحليل الفجوة Gap analysis (في مفهوم الإدارة الحصيفة للموارد، فإن مفهوم تحليل الفجوة يعني مقارنة الأداء الفعلي بالأداء الممكن تحقيقه أو المطلوب. فإذا لم تستخدم المؤسسة الموارد الحالية التي بحوزتها على أفضل وأكمل وجه، أو تخلت عن الاستثمار في رأس المال أو التكنولوجيا، فقد يأتي حصادها دون المتوقع أو المنشود) – حين يفعل ذلك، فسيتبين له بصورة أولية، ما يلي:

لقد استفادت الدول الجزرية استفادة قصوى من الدراسات والتقارير الدولية، لاسيما التقارير الدورية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC) التي تناولت مصيرها المهدّد بظواهر التغيرات المناخية، وثبّتت حقوقها في كل مفصل من مفاصل قضايا ماراثون التفاوض المناخي الجاري منذ عام 1995. وصارت لها حظوة خاصة لدى الدول المتقدمة فيما خص برامج التمويل الموجهة، خصوصاً للتكيف (Adaptation)، وقبلها لمشاريع آلية التنمية النظيفة

(Clean Development Mechanism – CDM)، وغيرها من المزايا والتسهيلات التي حولتها إلى قوة تفاوضية وتصويتية مهمة في كافة مستويات صناعة القرار الدولي الخاصة بالمناخ.

والدول الجزرية الصغيرة النامية (Small Island Development States)، كما هو مسمّاها الرسمي، هي مجموعة الدول النامية الجزرية الصغيرة التي تتشارك في تشابه ظروفها (محدودية الموارد، والانكشاف أمام الكوارث الطبيعية والصدمات الخارجية، والبيئات الهشة؛ فضلاً عن تماثل أهدافها المكرسة لمواجهة تحديات التنمية المستدامة). وقد تم الاعتراف بالدول الجزرية الصغيرة النامية لأول مرة كمجموعة متميزة من البلدان النامية في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية في يونيو 1992. واعتباراً من عام 2020، أدرجت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة 52 دولة جزرية صغيرة نامية، تتوزع على ثلاث مناطق جغرافية.

العكس صحيح بالنسبة للدول النفطية الأعضاء في اتفاقيات المناخ. فبعد نشر موضوع «قاعدة التصويت كمعوق في مفاوضات المناخ»، اتصل بي الصديق العزيز عباس علي النقي (بو علاء)، الأمين العام السابق لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، وأحد الخبراء العرب المخضرمين في قضايا تغير المناخ، حيث شارك في جميع مؤتمرات الأطراف التي انعقدت سنوياً منذ أول مؤتمر عقد في برلين عام 1995. وقد أكد لي أن مجموعة الدول النامية، وبضمنها الدول البترولية، دأبت باستمرار، وعلى مدار انعقاد هذه المؤتمرات، على طرح موضوع التصويت، لكنها جوبهت دائماً بمعارضة شديدة من جانب الدول المتقدمة، وشمل ذلك اعتراضها على التصويت بالأغلبية البسيطة (أغلبية النصف + 1، وهي الأساس المعتمد في الممارسة العملية)؛ أو الأغلبية المطلقة، التي تُعتمد عادة في القرارات الأكثر أهمية الموجبة للحصول على ثلثي الأصوات. وكان من أسباب فشل مساعي حل مشكلة التصويت، الخلاف حول كيفية تحديد المواضيع والقضايا المهمة التي يتطلب اعتمادها الحصول على ثلثي الأصوات.

قضية أخرى في غاية الأهمية والخطورة، يمكن أن نعتبر أن الدول النفطية، وبضمنها بلداننا العربية، أخفقت في جعلها قضية محورية على طاولة مفاوضات المناخ، وهي قضية تعويض الدول النفطية عن خسائرها جراء التحول العالمي من الطاقات المنتَجة بواسطة مصادر الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) إلى الطاقات المتجددة. وللأمانة فإن المملكة العربية السعودية، ممثلة في ذلك الوقت في الرئيس السابق لوفد المملكة في مفاوضات المناخ، محمد الصبان، ثابرت منذ بدء المفاوضات على طرح فكرة إنشاء صندوق تعويضات (Compensation fund)، تقوم الدول الغنية بموجبه، بدفع تعويضات لمنتجي النفط نظير قيامها بتخفيض استهلاكها من النفط لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري. وقد أعادت السعودية طرح هذه القضية بقوة في مؤتمر الأطراف الخامس عشر الذي عقد في كوبنهاجن عام 2009. لكن كل تلك المحاولات لم تلق آذاناً صاغية من لدن مجموعات التفاوض المختلفة، بما في ذلك مجموعة ال 77+الصين، وهي أكبر مجموعة تفاوضية في الأطر التفاوضية لاتفاقيات المناخ. حيث جوبهت بصدود وردود فعل معاكسة، ليس فقط من جانب بلدان الاتحاد الأوروبي التي تناوئ الوقود الأحفوري، وإنما من جانب العديد من الدول النامية المستهلكة لمصادر الطاقة الأحفورية.

* كاتب بحريني

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"