العراق «القروسطي»

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

لم يعد انقطاع الكهرباء عن المدن العراقية مجرد أزمة، فالأزمة هي مشكلة يمكن تجاوزها من خلال التخطيط والإرادة والإمكانات، لاستعادة الوضع الطبيعي والعودة إلى التوازن، وكان يمكن اعتبار مصطلح الأزمة منطقياً ومعقولاً خلال السنوات الأولى للاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، لكن عدم قدرة الحكومات العراقية المتعاقبة على حل أزمة الكهرباء، حوّلها إلى أحد التعبيرات الوجودية الكبرى عن ضعف الكيان العراقي برمته، وضعف المنظومة السياسية في تأمين الاستقرار؛وهو ما تؤكده جميع الدراسات والتقارير الدولية عن العراق، وفي مقدمتها التقرير الدولي السنوي لمجلة «فورين بوليسي»، الذي يصنف العراق في المرتبة الثالثة عشرة عالمياً على لائحة الدول الفاشلة.

من المفارقات التي لا يمكن قبولها بالعقل والمنطق، أن العراق الذي يحتل المرتبة الرابعة عالمياً في تصدير النفط، ولديه ثاني أكبر احتياطي نفطي عربي بعد السعودية، لا يستطيع تأمين الكهرباء لمواطنيه، لكن هذه المفارقة تصبح قابلة للإدراك في ضوء واقع الفساد العراقي الذي أصبح نمطاً من أنماط الحكم وإدارة الدولة رغم مساعي رئيس الوزراء  والشخصيات الوطنية المخلصة، فعوائد النفط التي تبلغ سنوياً أكثر من 80 مليار دولار لا يتم استثمارها في بناء اقتصاد عراقي يقوم على الإنتاج، وهو ما توضحه الميزانية العامة؛ إذ تشكل العوائد المالية للنفط نحو 85% منها، من دون أن تكون للقطاعات الإنتاجية أي مساهمة تذكر في الميزانية.

المشهد العراقي يبدو خارج نطاق العصر، ينتمي في طبيعته إلى أزمنة القرون الوسطى، وهو المصطلح الذي أطلق على أوروبا بين القرنين الخامس والخامس عشر الميلاديين، حيث سادت الحروب والمجاعات والأمراض والأوبئة والتشدد الديني. الصراعات السياسية في العراق لا تنتمي إلى مفهوم الصراع السياسي الحديث، حيث تكون للقوى السياسية برامج اجتماعية واقتصادية تستقطب على أساسها الناخبين، وتتنافس في ما بينها لتحقيق الصالح العام؛ بل هي صراعات مؤسسة عقائدياً على خلفية دينية ومذهبية، وبرامجها الاجتماعية والاقتصادية هي برامج شكلية، بينما تدلل الممارسة العملية على غياب أي بعد وطني عام.

في أكتوبر/تشرين الأول عام 2019، خرجت تظاهرات يومية في عدد كبير من المدن العراقية، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتفاقم ظاهرتي البطالة والفقر، وازدياد الفساد، وانعدام الخدمات، وعلى الرغم من الاستجابة الظاهرية لمطالب المتظاهرين بالتغيير، حيث قدّم عادل عبد المهدي رئيس الحكومة انذاك استقالته، فإن مشكلة العراق الفعلية تتجاوز في عمقها هذا التفصيل على أهميته، فما هو مطلوب تماماً تغيير بوصلة العراق نحو بناء تصوّر جديد وعصري عن الدولة والحكم والوطنية والمواطنة.

معظم القوى السياسية العراقية لا تولي الدولة  مفهوماً وواقعاً  الأولوية في خطابها وممارستها السياسية، فمصلحتها تقتضي وجوداً شكلياً للدولة، يتيح لها أن تمارس أنشطتها من دون أي رقابة، وأن تراكم ثروات خاصة، تبقيها في موقع الهيمنة والنفوذ السياسي والاجتماعي، كما أن نمط المحاصصة الموجود تحت راية الديمقراطية التوافقية هو نمط إقطاعي، لا يمت للديمقراطية بأي صلة، فمفهوم الديمقراطية التوافقية هو أحد أنماط الديمقراطية الموجود في الدول متعددة الإثنيات، لكن في الحالة العراقية تمّ استبدال الإثنية بالمذهب، وهو ما وأد إمكانات تطوير هذا الشكل التوافقي، ومنع تشكّل قوى مدنية وطنية غير طائفية.

غرق البيوت العراقية في الظلام لانقطاع الكهرباء شبه التام، ليس إلا أحد أشكال الإظلام الذي يعيشه العراق منذ نحو عقدين من الزمن، فمجمل الممارسات السياسية هي ممارسات منقطعة عن منجزات التنوير والحداثة، في بلد يحظى بثروات وإمكانات يحسد عليها، لكنها تستخدم للفتك بتاريخ العراق وحاضره ومستقبله، ولتوسيع الهوّة بين العراقيين اجتماعياً ومعيشياً وإنسانياً، والمد بعمر «القروسطية» العراقية لأطول فترة زمنية ممكنة، خدمة للنخب والأحزاب وسلطات الأمر الواقع، التي أصبحت تستقوي بفصائلها وسلاحها وتحالفاتها الخارجية.

ما يعوّل عليه وسط هذا المشهد المظلم هو إعادة بناء التيار المدني العراقي الذي يمثله شباب وشابات العراق، الناقمون على الواقع بكل أسسه ورموزه، والذين عبروا عن وطنيتهم ومواطنيهم في انتفاضة أكتوبر، وهم وحدهم القادرون على العمل للخروج ببلدهم من عصر الظلمات إلى عصر الأنوار.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"