«الخضراء» تخلع جبّة «الإخوان»

00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

لم تكن سوى مسألة وقت، حتى يرى التونسيون أنّهم أرقى بكثير من أن تواصل حركة النهضة «الإخوانية» حكم رقابهم وقيادة بلدهم نحو مصير مجهول. سقوط جماعة «الإخوان» في تونس، وإن تأخر كثيراً فإنه أمر طبيعي في بلد عانق الحداثة منذ استقلاله، فكيف يقبل أن يكون تحت حكم جماعة رجعية لا تمتلك أفكاراً ومشاريع سوى إعادة البلاد إلى الوراء، وهذا ما نجحت فيه جزئياً خلال السنوات العشر الماضية.

 ما قام به الرئيس قيس سعيّد من تفعيل للفصل الثمانين من الدستور، كان هو الآلية القانونية والدستورية الوحيدة التي يمكن بها حلّ البرلمان عملياً وتجميد نشاطه وإخراج «الإخوان» من الحكم مع الحذر من انزلاق بلد إلى هاوية الحرب الأهلية وهي المناخات التي تحبذها الجماعات الإسلاموية وعلى رأسها جماعة «الإخوان». وقد نجح قيس سعيّد بضربة واحدة في تجنيب البلاد ثلاثة مآزق خطيرة كانت ستعصف بأمن التونسيين. المأزق الأول هو ما كشفه الرئيس ليلة الخامس والعشرين من يوليو من أنه كانت هناك مخططات لإثارة العنف والفوضى في الأحياء الشعبية وهو ما كان سينتج عنه انفلات أمني رهيب فكانت قرارات الرئيس هي الخطوة الاستباقية التي منعت النزيف. الخطوة الثانية تتمثل في منع حدوث انقسام داخل قوات الجيش والأمن، أو التصادم بين الجهازين، مثلما حدث في تركيا عام 2016، وهو الأمر الذي كانت تراهن عليه حركة النهضة بإصرار رئيسها على اقتحام البرلمان فجراً للاعتصام فيه لكن وحدات الأمن والجيش تصدت له، في خطوة اعتبرها مراقبون أنّها ولاء تام لقرارات القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما فهمته حركة النهضة وقررت بعده الانسحاب من محيط البرلمان. الخطوة الثالثة المهمة في التغيير الذي حصل يوم ذكرى عيد الجمهورية في تونس، هو إنهاء مسار سياسي عقيم لم يكن استمراره سوى استمرار لحالة الوهن والضعف التي هوت إليها تونس، وهي التي كانت قبل 2011، من الدول قليلة المديونية وذات مستوى عيش محترم لأغلبية أفرادها.

كل المعطيات إذن كانت تشير إلى أن حكم «الإخوان» لتونس لا يمكن أن يستمر مهما كانت التضحيات التي سيدفعها أبناء الشعب، ولكن إزاحة «الإخوان» لا يمكن أن تكتمل فعلياً إلاّ إذا فتحت ملفات الفساد الثقيلة وإذا ما رفعت اليد عن القضاء الذي تم تعطيله من طرف حركة النهضة، من أجل إسكات صوت الحق في ما يتعلق بقضية الاغتيالات السياسية وقضايا الإرهاب وتسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر وخاصة إلى سوريا. وهذه كلها ملفات تورطت فيها حركة النهضة.

 التحدي الأكبر أمام قيس سعيّد والحكومة الجديدة التي ستؤمن هذه الفترة الانتقالية، هي المسألة الاقتصادية، فكنس آثار حكم «الإخوان» وترميم الدمار الذي خلفوه في المجال الاقتصادي، ليس أمراً سهلاً، بل إنه التحدي الأكبر الذي سيجعل التونسيين بعد أشهر يباشرون تقييمه. فالمطلوب الآن من الدول الصديقة والشقيقة مباشرة دعم اقتصادي لتونس لتخرج من أزمتها ولتعيد تنشيط اقتصادها، والمطلوب ليس مساعدات مالية؛ بل استثمارات حقيقية تساهم في خلق الثروة وفي توفير فرص عمل لمئات الآلاف من الشبان العاطلين عن العمل. الاستثمار هو الطريق الوحيدة لمساعدة تونس، أما تقديم مساعدات مالية حتى وإن كانت ضخمة فإنها لن تنفع التونسيين في شيء. تونس كما ليبيا تحتاج الآن إلى إعادة إعمار وهذا يتطلب انعقاد مؤتمر اقتصادي خاص بتونس من قبل الشركاء الاقتصاديين التقليديين أو الشركاء الراغبين في أن يكون لهم موطئ قدم في قرطاج برمزيتها التاريخية. ولكن هذا لن يتحقق إلا إذا نجح سعيّد في إعادة الحياة للأنشطة الاقتصادية الحيوية مثل قطاع الفوسفات وقطاع البترول وقطاعات الفلاحة والسياحة والصناعة. وهو يحوز الآن دعماً شعبياً لم يسبقه إليه إلا الزعيم بورقيبة في سنوات حكمه الأولى، حينما باشر عملية بناء الدولة الحديثة، وسيكون الشعب في صفه في أي قرار يتخذه خاصة إذا كان القرار يتعلق بتنشيط الحياة الاقتصادية.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"