وأنا أُحضّر مادة مقالي، قبل أيام قليلة، عن بيرم التونسي، فوجئت بمعرفة أن العديد من أشهر وأنجح أغاني السيدة أم كلثوم هي من تأليف بيرم، وساعتها تساءلت عن نسبة من يعرفون أنه من كتب هذه الأغنيات التي أحبوها، واستعادوا مشهد «الست» وهي تؤديها واقفة على المسرح، في كامل تألقها، وفرحها الذي لا تخطئه الأعين أمام الجمهور السابح في بحر طربها؟
 أحسبها نسبة قليلة جداً، وأن الغالبية، وأنا من ضمنهم، نعرف هذه الأغاني ونحبّها لكن لم يخطر في بالنا أن نسأل: من كتب هذه الكلمات الجميلة التي ترنمت بها أم كلثوم بألحان عمالقة من وزن زكريا أحمد ومحمد القصبجي ورياض السنباطي ومحمد الموجي؟ لنكتشف ذلك متأخرين، وغالباً على سبيل المصادفة، أن هؤلاء الشعراء عمالقة أيضاً شأنهم شأن المغنية والملحنين. وبيرم التونسي خير مثال، لكن الناس تعرف الأغاني بأسماء مغنيها، وإلى حدٍ ما ملحنيها، لكن حظ الشعراء من الذكر هو الأقل.
نفس الشعور انتابني قبل يومين وأنا أقرأ منشوراً على صفحة الصحفي المصري سيد محمود ينعى فيه صديقه شاعر العامية حسن رياض، وفي المنشور أتى سيد محمود على ذكر حكاية كتابة الشاعر الراحل لكلمات الأغنية ذائعة الصيت لمحمد منير: «أنا قلبي برج حمام»، حيث ذكر أنه كان معه حين قرأ كلمات هذه القصيدة بعد سهرة في حي الحسين، واقترح عليه أن يعرضها على محمد منير، قائلاً له: «الغنوة دي هتضرب جامد يا بوعلي».
توقّع سيد محمود كان في محله تماماً. الأغنية حققت نجاحاً هائلاً، بل إنها واحدة من أجمل أغاني محمد منير، وتقول كلماتها: «أنا قلبي برج حمام/ هجّ الحمام منه/ ياللي عينيك كلام/ ليه الضلوع أنّوا/ أنا قلبي كان شباك/ بس الهوى شبّاك/ يابكره بستناك/ ليك العيون حنوا/ ياحبيبتي قلبي فانوس/ بين الغنا محبوس/ بكره اللي جاي شموس/ وعينيك يتحنوا».
لم نسأل يومها أيضاً من كتب هذه الكلمات التي تفيض شجناً ورقة، وتصوّر وحشة الروح، عندما نشعر بأننا «وحيدون جداً» حتى لو كان الضجيج من حولنا عالياً، حين «تهج» مصادر البهجة من النفوس، تماماً كما يهج الحمام من أبراجه. إنها نفس الفكرة التي تصادفنا في أغنية فيروز «وحدن»، من كلمات الشاعر طلال حيدر، وفيها يقول: «برج الحمام مسوّر وعالي/ هج الحمام بقيت لحالي».
المغني والملحن حين يكونان مميزين، يمنحان النص المغنى حياة بل حيوات جديدة، لكن الولادة واحدة، تلك التي كانت يوم صبّ الشاعر كلماته على الورق بعد أن اشتعل وهجها في روحه.
[email protected]