رهانات التربية على حقوق الإنسان

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

تعززت الحماية الدولية لحقوق الإنسان، وأصبح الاهتمام بهذه الأخيرة سمة أساسية من سمات الدولة الحديثة، وقد أتاحت الإسهامات الفلسفية والفكرية، إلى جانب النضالات الإنسانية على المستويين الوطني والإقليمي، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، في تحقيق مجموعة من المكتسبات التي أصبحت تمثل ضمانة حقيقية لاحترام حقوق الإنسان، فيما قامت كثير من الدول بإصدار دساتير وتشريعات تضمنت الكثير من هذه الحقوق والحريات في صورها الفردية والجماعية.

وعلى الرغم من المكتسبات المتراكمة بهذا الخصوص، يظل ملف حقوق الإنسان مفتوحاً وبحاجة مستمرة إلى التقييم والمراجعة، بالنظر إلى تطور هذه الحقوق نفسها، واستمرار الانتهاكات التي تطالها بأشكال مختلفة في مناطق عديدة من العالم، وهو ما تؤكده الكثير من تقارير المنظمات والهيئات الحقوقية، وكذا الدراسات والأبحاث الأكاديمية.

إن تزايد الانحرافات التي تواجه حقوق الإنسان في عالم اليوم، تثير أسئلة كثيرة بصدد مكامن الخلل والقصور التي تغذي الانتهاكات المطروحة، ومدى نجاعة وفاعلية المقاربات القانونية الواردة في هذا الشأن.

تقتضي حماية حقوق الإنسان المزاوجة بين مدخلين أساسيين: الأول عمودي يروم التأثير في صناعة التشريعات والسياسات العمومية وطنياً ودولياً، عبر المرافعة بشأن هذه الحقوق وتأكيد ضرورة احترامها وتطبيقها على وجه سليم ومستدام، والثاني أفقي ينصب على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان داخل المجتمع، وفي أوساط عدد من الفئات عبر مجموعة من القنوات.

لا تخفى أهمية الضمانات القانونية والمؤسساتية المرصودة لحماية حقوق الإنسان في صورها الوطنية والإقليمية والدولية، غير أن ذلك يظل ناقصاً ما لم يرافق ببلورة جهود كبرى على مستوى التربية على حقوق الإنسان، وإخراج هذه الأخيرة من طابعها النظري إلى قناعات وسلوكيات يومية للأفراد، من خلال تأكيد احترام الكرامة الإنسانية، وعدم التمييز، وتشجيع حريتي الفكر والتعبير والتسامح والمساواة والاختلاف واحترام القانون وحماية البيئة، بعيداً عن كل مظاهر الانغلاق والعنف.

يتعلق الأمر بعملية مستمرة تنحو إلى تطوير وتنمية شخصية الفرد، سواء أكان شخصاً عادياً داخل المجتمع أو صانع قرار سياسي أو اقتصادي، وتطوير كفاءته في إطار من الكرامة الإنسانية، وتزويده بعدد من المهارات والمعلومات المتصلة بهذا المجال، وتشجيعه على ترجمتها ضمن سلوكياته اليومية، والانخراط في الدفاع عن هذه الحقوق.

أكدت الكثير من المواثيق والقوانين الدولية أهمية الموضوع، فمع إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى توظيف مختلف القنوات والإمكانيات لنشر بنوده، كما سعت منظمة «اليونيسكو» بعد ذلك إلى بلورة رؤية بهذا الشأن، تقوم على توظيف مختلف الآليات والتقنيات بما فيها السبل والبرامج التعليمية، وقد انضم المجلس الاقتصادي والاجتماعي أيضاً إلى هذه الجهود، قبل أن يتوالى تنظيم لقاءات ومؤتمرات إقليمية ودولية بهذا الخصوص، أثمرت إصدار مجموعة من المواثيق الدولية التي تبرز مكانة التربية على حقوق الإنسان في إرساء ثقافة حقوقية عالمية، فيما أصبحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تشرف على عدد من البرامج الواعدة للهيئة على مستوى التثقيف والإعلام في هذا السياق داخل مختلف القطاعات والمجالات.

تبدأ عملية التربية على حقوق الإنسان داخل الأسرة كقناة اجتماعية تقليدية، يفترض أن تُلقِّن الطفل منذ نعومة أظافره، مجموعة من المبادئ تعزز وعيه بعدد من الحقوق والحريات، وتربي فيه قيم المواطنة التي تستحضر واجبات الفرد واحترام حقوق وحريات الآخرين.

كما تستأثر المؤسسات التعليمية بكل أصنافها بدور كبير وأساسي في هذا السياق، باعتبارها تمثل فضاءات للتلقين والتنشئة وإعداد أجيال المستقبل بأساليب واعية ومناهج علمية.

ولا تخفى أهمية الإعلام بكل أصنافه المقروءة والمسموعة والمرئية والرقمية في هذا الخصوص، فعلاوة على رسالته المتصلة بنشر المعلومات وتنوير الرأي العام بالأحداث والأخبار، فهو يلعب دوراً مهماً على مستوى نشر ثقافة حقوق الإنسان، ومواكبة قضاياه على المستويين الوطني والدولي.

إن تحقيق الأهداف المتوخاة من التربية والتثقيف في مجال حقوق الإنسان، يتطلب استحضار مجموعة من المرتكزات التي تقوم على التعامل مع هذه الحقوق بشكل شمولي، ورفض كل أشكال التمييز بين الأشخاص. 

إن ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان من خلال التربية والتنشئة، هو مدخل أساسي يدعم الجهود العالمية المعتمدة لحمايتها، ويعزز الحد من الانتهاكات الواردة في هذا الخصوص، ويسهم في تطوير حياة المجتمعات نحو الأفضل، من خلال معرفة القنوات الكفيلة بجبر الحقوق والمرافعة بشأنها، ومواكبة الخروق واعتماد المساطر اللازمة في هذا الخصوص.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"