الحرب واستراتيجية الخروج

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاطف الغمري

ربما كان غياب «استراتيجية الخروج» من الحرب في أفغانستان، عنصراً مؤثراً في قرار الرئيس جو بايدن بالانسحاب من تلك البلاد.

هذه الحرب استمرت عشرين عاماً دون نتيجة، أو حتى ما يشير إلى قرب نهايتها. وكان الدافع الرئيسي لدخول القوات الأمريكية إلى هناك هو القضاء على حركة «طالبان»، لكن ما حدث منذ قرار بايدن هو تسارع سقوط عدد من المدن والولايات في يد مسلحي «طالبان»، أثناء قتالهم مع القوات الحكومية التي انهارت وتلاشت كلياً بعد سقوط كابول.

إن «استراتيجية الخروج» هي نظرية عسكرية أطلقها الجنرال كولين باول وقت أن كان قائداً للجيوش الأمريكية - وقبل أن يتولى وزارة الخارجية فيما بعد - وهي التي تحدد استراتيجية للخروج من أي حرب في الوقت المناسب، وحتى لا تنغمس في قتال بلا نهاية، ولا مخرج منه.

ولعل قرار بايدن، بالانسحاب يشير إلى مأزق خبراء الاستراتيجية الأمريكية، فقد ظلوا طوال الحرب الباردة من 1945 – 1991، يديرون الصراع مع الاتحاد السوفييتي، وما شمله من مواجهات وحروب، استناداً إلى مخزون معرفتهم الكاملة بالعدو السوفييتي، من حيث ظروفه الداخلية، ونشاطه الخارجي، ومنطق تفكيره، وأدواته السياسية والعسكرية، بما فيها توقعاتهم بتصرفاته المستقبلية. لكن انتهاء الحرب الباردة أفقدهم هذه الميزة، وفي الحال انطلقت الأصوات بين الخبراء، وفي مراكز البحوث السياسية تحمل عبارة «البحث عن عدو»، يكون بديلاً عن العدو السوفييتي السابق. لكن هذه الدعوات لم تفلح لأن جميع الدول التي طرحت أسماؤها كبدائل، افتقدت الشروط التي تنطبق على عدو يمكنه بالفعل أن يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.

ومن المعروف أن الحروب التي دارت في إطار الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لم تقترب من أراضي أي منهما؛ بل كانت الدولتان تشعلان نيرانها في أراضي دول بعيدة عنها. وهو ما اعترف به لاحقاً الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بقوله: إننا أشعلنا الحرب العالمية الثالثة، عن طريق أربعين حرباً دارت في أراضي دول بعيدة عنا.

ذلك كله كان يدور وفق استراتيجية أمريكية تعرف أهدافها بدقة، وتتوقع نتائج كل حرب منها، وضمن هذه الحرب، الحروب العربية الإسرائيلية، وحرب الهند الصينية التي انتهت إلى تقسيم هذه المنطقة إلى أربع دول هي لاوس، وكمبوديا، وفيتنام الشمالية، وفيتنام الجنوبية، ثم الحرب في أفغانستان، وحرب العراق عام 2003.

وفي غياب استراتيجية الخروج عن الفكر الاستراتيجي الأمريكي، فإن الجيوش الأمريكية وجدت نفسها عاجزة عن الانتصار أو بلوغ الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها. فكان نصيبها الفشل عسكرياً في فيتنام، وفي أفغانستان، وفي العراق.

إن الأسباب وراء ذلك تعود إلى التناقض في الفكر الاستراتيجي بين الهدف المعلن للحرب، وبين الهدف الخفي الذي يقصد الوصول إلى نتائج مختلفة.

ففي حرب العراق، أعلنت الولايات المتحدة أن في مقدمة أهدافها، نشر الديمقراطية، بينما هي عملت على نشر الفرقة، والتمزق داخل المجتمع، وتأجيج الصراعات، وإثارة النزاعات العرقية بين المكونات، فضلاً عن أن الهدف الأهم كان توجيه ضربة قاصمة لجيش العراق، وإيجاد طريق لإسرائيل للدخول إلى منابع البترول العراقية، وهو ما اعترف به الجنرال ويسلي كلارك القائد السابق لحلف الأطلنطي في أوروبا، والذي قال أيضاً إن الحرب في العراق فشلت في تحقيق أهدافها.

وهذا التناقض يكشفه مساعد وزير الدفاع السابق دوجلاس فايث في كتابه «الحرب والقرار»، ويقول فيه إن وزير الدفاع وقتها دونالد رامسفيلد أعطى تعليمات محددة للقادة الأمريكيين في أفغانستان بأن يحافظوا على تنظيم «القاعدة». فأي تناقض هذا بين كون الهدف القضاء على تنظيم «القاعدة»، وبين خطة أساسها عدم توجيه أي ضربة عسكرية ل«القاعدة»؟

إن السياسة الداخلية في الولايات المتحدة هي المحرك الرئيسي والمؤثر في توجهات السياسة الخارجية. وفي هذا الإطار، فإن المؤسسة الصناعية العسكرية، وصناعات السلاح، تعتبر أن إشعال الحروب هو مطلب دائم لتشغيل هذه الصناعات، التي تعد ركناً أساسياً في الاقتصاد الأمريكي، بشقيه العسكري والمدني.

لكل هذه الأسباب تجري الحروب التي تكون في كثير من الأحيان، بلا استراتيجية الخروج، ودون أي ضمانات مدروسة للوصول إلى نهاية لها، وفي توقيت معروف.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"