التعليم ضحية في عدد من الدول العربية

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

الحرب والحضارة عدوان، لم يتحدث التاريخ عن حضارة نشأت بفعل الحروب، لكنه يتحدث، والشواهد كثيرة، عن حضارات ازدهرت بفعل السلام المجتمعي والازدهار الاقتصادي، إضافة إلى الاستقرار والأمن والأمان، بينما الحرب تدمّر في يوم واحد ما شيده شعب خلال عقود، ولا أعني الخسائر المادية، إنما الخسائر التي تؤثر في الأجيال وتحرمهم من نعيم التعليم والمعرفة.

ويبدو أن المتحاربين يصابون بلوثة عدوانية تعمي أعينهم عن التمييز بين مصنع ومدرسة، بين مقاتل ومدرس، فيتبعون سياسة الأرض المحروقة التي تمكنهم من السيطرة على مساحات جغرافية، قد لا تشكل أهمية استراتيجية، ويدمرون كل ما في طريقهم من مدارس ومساجد ومؤسسات. يدفعهم حقد دفين على الإنسانية، وكأن بينهم وبين هذه المؤسسات ثأر قديم.

لقد شهد عدد من الدول العربية في العقد الأخير حروباً يمكن تسميتها بالحروب الحاقدة، غير المتصالحة مع العلم والمعرفة والإنسانية؛ بحيث اعتقدت الأطراف بأن لها الحق وحدها في الوجود، فحللت لنفسها استخدام أنواع الأسلحة كلها، وبعضها كان كيماوياً، وبعضها شديد الفتك بالموارد الطبيعية، وهذا الاعتقاد يتيح لكل طرف إلغاء الآخر، لهذا سيطرت لغة السلاح. وقد زاد الأمر همجية وتعقيداً وجود جماعات ادعوا الإسلام وراحوا يعيثون فساداً وذبحاً وقتلاً وحرقاً بالحجر والبشر، وهؤلاء كانوا يحملون بذور فنائهم بين ظهرانيهم، لأنهم بكل بساطة كانوا يعتقدون بأنهم وحدهم على حق، وهم البديل الشرعي، وأنهم ظل الله على الأرض، فنبذهم العالم أجمع، لكن بعد أن دمروا مؤسسات تعليمية بالمئات، وشردوا تلاميذ بالملايين.

ولو نظرنا اليوم إلى واقع تلك البلدان، سنجد أن الميدان التعليمي والتربوي كان هو الضحية، والأكثر تضرراً، ليس بمقياس مادي، لكن بمقياس معنوي واستراتيجي، فالمواليد الذين أتوا إلى الدنيا في بداية الحرب، لم يدخلوا المدارس، والآن أعمارهم تتراوح بين ثمانية وعشرة أعوام، مدارسهم مدمرة، وعدد من مدرسيهم لاقوا ربهم، وخطط إعادة الإعمار تسير بخطى بطيئة جداً، لأن بناء الجيش يحتل الأولوية الأولى، ناهيك عن أن البلاد لا تزال تشهد معارك في أماكن كثيرة.

لقد قدرت وزارة التربية السورية، أضرار القطاع التربوي بحوالي 235 مليار ليرة سورية، طبقاً لأسعار 2018، مع وجود خمسة آلاف مدرسة متضررة، وتهجير مئات الآلاف من التلاميذ عن مدارسهم.

وفي العراق، تشير تقديرات رسمية عن وزارة التربية، إلى أن عدد المدارس التي تضررت كلياً أو جزئياً بسبب الحرب بلغ أكثر من 2500 مدرسة في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك وبغداد.

وفي اليمن، قالت مصادر رسمية إن مستقبل مليوني ونصف المليون طفل يمني بات مجهولاً بعدما أصبحوا خارج المنظومة التعليمية.

وفي ليبيا بلغ عدد المدارس المدمرة نتيجة الحرب في مدينة سرت وحدها 65 مدرسة.

هناك إحصاءات كثيرة عن المدارس المهدمة والتلاميذ المشردين والقتلى والجرحى والمعاقين، لكننا اعتمدنا الإحصاءات من مصادر رسمية، التي تتحدث عن صعوبات في إعادة الإعمار، لكنها لا تتحدث للأسف عن إعادة إعمار النفس البشرية، ولا تتحدث عن الخسارات المعرفية، والجهل الذي يستشري بين أجيال بأكملها، التي أصبحت لقمة سائغة في أفواه التجار الذين يشغّلون الأطفال أو الذي يسيئون استخدامهم.

عندما يفكر القادة بإعلان الحروب، يفكرون فقط بالخسائر التي يمكن أن تتعرض لها القطاعات العسكرية، ولا يفكرون بالخسارات الاستراتيجية في المجال التعليمي والتربوي، ويبدو هذا للبعض أمراً طبيعياً، فالعقلية العسكرية تختلف عن العقلية المدنية، لكن أليس من الأجدى الاستعانة بخبراء تعليميين يساعدون في تقديرات الخسائر، خاصة أنها خسائر تستمر على مدى أجيال.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/3saehrw8