د. حسن مدن
نال من الشهرة ما يستحقها بجدارة كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة»، الذي صدر عام 1899، وهو ليس كتابه الأول الذي تناول فيه حقوق المرأة وطالب بتحريرها، فقد سبقه كتابه «المصريون»، الذي كان في الأساس رداً على انتقادات الدوق الفرنسي داركور، وتلى كتابه «تحرير المرأة» كتاب آخر هو «المرأة الجديدة»، الذي صدر عام 1901.
كتاب آخر نال من الشهرة ما هو أهل لها، نعني به كتاب رفاعة رافع الطهطاوي «تخليص الإبريز في وصف باريز»، الذي ينظر إليه الكثير من المؤرخين والباحثين على أنه الكتاب الذي قدح الشرارة الأولى للتحديث الفكري والمجتمعي في مصر والبلدان العربية.
لكن هناك كتاب مهم أيضاً سابق للكتابين، إذ يرجح صدوره في عام 1860، ويجمعه أكثر من جامع مع الكتابين السابقين، فهو من جهة عن تعليم المرأة العربية ونهضتها، شأنه شأن كتاب قاسم أمين، وهو من جهة أخرى من تأليف رفاعة الطهطاوي، ولكنه لم يحظ بالصيت الذي حظي به كتابا «تحرير المرأة» و«تخليص الإبريز في وصف باريز»، ألا وهو كتاب «المرشد الأمين للبنات والبنين»، وفيه دعا الطهطاوي إلى تعليم المرأة، إذ قال فيه: «ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معاً لحسن معاشرة الأزواج»، داعياً إلى تعليم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، لأن هذا «يزيدهن أدباً وعقلاً، ويجعلهن بالمعارف أهلاً، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي».
نالت المرأة العربية اليوم من التعليم وسواه من الحقوق ما فاق بمراحل ما كان الطهطاوي طالب به في هذا الكتاب، ولكن يتعين النظر إلى الزمن المبكر الذي صدر فيه الكتاب لنرى شجاعة الرجل وبعد نظره، فهذه المطالب التي تبدو اليوم عادية جداً كانت دونها الصعاب والمعارك في ذلك الزمن الذي سادته العتمة والجهل.
قد يبدو غريباً عند الكثيرين أن الإنجليز بعد أن احتلوا مصر هم من منع تداول الكتاب في مدارس مصر، وهذا يرينا أن ما ينسبه الأوربيون لأنفسهم من فضل في نهضة بلدان الشرق، وبينها بلداننا العربية، عندما أتوها مستعمرين، هو أمر ينطوي على الكثير من الزيف والمغالطة.
بالنظر إلى الفارق الزمني بين صدور كتاب الطهطاوي هذا وكتاب قاسم أمين عن تحرير المرأة يمكننا ملاحظة أن الأخير ذهب إلى مدى أبعد وأكثر جرأة من الأول، وهذا هو الأمر الطبيعي، فالمعرفة تتقدم وتتعمق بالتراكم، حين يبني اللاحقون طبقات جديدة منها على ما بناه الأسبقون، وهو شأن التطور الاجتماعي والثقافي عامة، قبل أن تداهمنا موجات الردة على أنواعها.